وجع في قلب الشمال السوري: المنازل الآيلة للسقوط تهدّد أرواح ساكنيها المُجبرين والدفاع المدني يحذّر!

أورينت نت- تحقيق وتصوير- عبد العزيز نجم 2022-05-27 09:23:12

صورة تعبيرية

حملة قصف عنيف وممنهج اتبعها نظام أسد وحليفه الروسي، ألقت بجحيم آثارها على البشر والشجر والحجر بحق شعب أعزل ذنبه الوحيد مطالبته بحريته وحقوقه المسلوبة. مئات المباني على الخارطة السورية طالتها براميل القصف والقذائف والصواريخ فسوّت بعضها بالأرض، وتركت البعض الآخر واقفاً يحتضن أضراره ودماره على مرأى من مالكيه وسكانه الذين شُرّدوا وباتوا بالعراء وما تبع ذلك من حركات نزوح قسرية متكررة دفعت بالآلاف إلى التجمع في مكان واحد كملجأ أخير يرجونه آمناً في الشمال السوري.. هذا الشمال الذي بات يشهد اكتظاظاً سكانياً غير مسبوق بسبب ارتفاع أعداد النازحين فيه وعدم قدرة المنطقة أساساً على استيعاب ذلك العدد السكاني المتزايد، يعاني أزمة سكن ملحوظة، وخاصةً مع الارتفاع الباهظ لإيجارات المنازل، ما دفع الكثيرين إلى الاحتماء بمنازل آيلة للسقوط، والسكن فيها وهي لا تخلو من خطر انهيار وشيك، بلسان حال يقول "مكرهٌ أخاك لا بطل".

المنازل المتصدّعة.. خيار محفوف بالمخاطر 

"من شرب النهر لن يغصّ بالساقية" هكذا كانت بداية حديث (ماهر أبو هادي) النازح من ريف مدينة (سراقب) بالريف الشرقي لإدلب عند سؤالنا له عن سبب سكنه بمنزل آيل للسقوط،  لا يخلو من خطر الانهيار الوشيك بسبب التصدع الكبير في جدرانه.. حيث أردف ماهر قائلاً: “بعد ان اجتاحتنا ميليشيا أسد وإيران وروسيا بالطيران والمدافع خرجنا هائمين على وجوهنا لا نلوي على شيء وحطّ بنا الترحال في مدينة إدلب تحت بقايا سقف هذا البناء كون الجو كان ماطراً وبينما كنت أفكر بطريقة نظامية أسكن فيها مع عائلتي، أشار علي أحد الجيران بمحاولة استصلاح الشقة فرفضت الفكرة في البداية بسبب هول منظر الدمار نتيجة غارة روسية سابقة قريبة منه، والكلفة المادية التي تجب لنيل المراد ولكن عندما فوجئت بارتفاع أسعار إيجار المنازل المقبولة للسكن، اعتبرت نفسي قد استأجرت شهرين وبدأت بالتنظيف، التجهيز الأولي للمكان فعلاً وغالبية شقق إدلب تمتاز بكثرة عدد الغرف فاستصلحت غرفتين ودرج إصطناعي، ولكن لا يخلو البيت من الخطورة بسبب التصدعات الكبيرة في أساس الشقة والبناء بشكل عام ولكن الحمد لله على كل حال ما باليد فعل غير ذلك”.

 

من جهته تحدث الأستاذ (نور الدين الخالد) النازح إلى مدينة إدلب من ريفها الجنوبي عن موازنة مفروضة بين الإيجابيات والسلبيات للسكن في بيوت آيلة للسقوط قائلاً "اسكن في هذا المنزل -وهو مستصلح- منذ سنة ونصف تقريباً بعد عجزي عن دفع إيجار منزل كنت قد لجأت إليه مبدئياً وتختصر إيجابيات المنزل المتصدع بما يلي: كونه مؤلف من سقف وأعمدة فيكون عادةً أمتن من الخيمة ووجود المنزل ضمن مدينة وتجمع سكاني كبير فيكون ما يتطلبه الإنسان موجودا بالقرب منه من مشافٍ ومراكز صحية ومدارس و أسواق وما إلى هنالك، ويصد الرياح والشظايا ويحمي موجودات المنزل ويتمتع بالخصوصية بعض الشيء، أما السلبيات فهي احتمالية سقوط شيء من "الصبة" أو انهيار بعض من البلوك من الجدران المتصدعة ووجود بعض الحشرات الزواحف بسبب تراكم الأتربة والرديم ومخلفات الانهيارات بالقرب من أي منزل مستصلح عادةً، ناهيك عن الحالة النفسية السيئة من ترقب خطرا يحيط بك من كل جانب، وخاصة بعد سقوط عدة ضحايا جراء انهيار المنازل المتصدعة عليهم، ولكن لم يترك لنا نظام أسد أولاً وتجار الحروب ثانياً خياراً آخر، ويبقى السكن بالبيوت ولو متصدعة أفضل من السكن بالمخيمات التي لا تقي حراً ولا برداً".

الدفاع المدني.. تدخل وتحذير دائم

تعرضت منطقة شمال سوريا لمئات الهجمات بصواريخ عابرة للقارات وشنت طائرات الاحتلال الروسي وميليشيا أسد غارات متكررة بصواريخ شديدة الانفجار وحتى محرمة دولياً من قبل مجرمي العصر _ الأسد وبوتين_  الأمر الذي أدى لاستهداف البنى التحتية وإضعافها، وتخلخل القواعد الأساسية في الأبنية والمنازل، ما جعلها عرضة للانهيار في أي لحظة ولاسيما مع استمرار القصف الإجرامي واشتداده، إضافةً للعوامل الطبيعية التي تزيد من احتمالية حدوث الانهيار، خاصةً مع ازدياد معدل الهزات الأرضية غير المسبوقة التي تعرضت لها المنطقة

وبهدف المحافظة على أرواح المدنيين يقوم الدفاع المدني بتقديم المساعدة الممكنة وفق خطط مدروسة ومستمرة، وعن تلك الخطط تحدث لأورينت نت (حسن الحسان) مدير المديرية الثالثة في الدفاع المدني السوري بمدينة إدلب قائلاً "ينقسم عمل الدفاع المدني حيال موضوع المنازل المتصدعة والآيلة للسقوط إلى شقين أساسيين.

الأول: التوعية وتشمل توزيع بروشورات توعوية دورية، وزيارات ميدانية للأحياء المتعرضة للقصف، وتفقد حال الساكنين فيها والإشراف المباشر على وضع الجدران المتصدعة والأسقف المتشققة في المنازل القديمة أو حتى الكتل العشوائية المستحدثة والتي للأسف لم تخضع لدراسة فنية مختصة لدراسة ملائمة التربة لتحمل الثقل وعدم تحمل المسؤولية من قبل العاملين عليها

والثاني: التدخل المباشر وإنقاذ الأرواح وإسعاف الجرحى وإخلاء المدنيين لأماكن آمنة وإزالة الأنقاض وفتح الطرقات وإزالة الكتل والرديم من أمام المنازل وحتى إزالة الجدران والأسقف المنهارة أو شبه المنهارة لإنهاء خطرها، وتستمر فرقنا بالاستجابة السريعة لأي حالة أو ضرر مع تمنياتنا بالسلامة للجميع"

منظمات حاضرة.. واستصلاح محدود

انتشار ظاهرة السكن العشوائي في المنازل المتصدعة غير مؤهلة للاستقرار البشري، وما يعتريها من إصلاح آني وغير ممنهج وغير مدروس هندسياً، قد يؤدي إلى نتائج عكسية سلبية على الأهالي بالدرجة الأولى، لذا قامت عدة منظمات إنسانية بإطلاق مشاريع كسوة المنازل ومساعدة القاطنين فيها باستصلاح الغرف على أساس جيد ومدروس محاولة بذلك تخفيف العبء عن المدنيين ومساعدتهم بالتوطين الصحيح

وحول تلك المشاريع تحدث لأورينت نت ( وائل دعمي) قائد فريق بمنظمة بناء التي قامت بمشاريع من ذاك النوع قائلاً "يتم الإعلان عن مشروع إصلاح المنازل وترميمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفق معايير استحقاق، أهمها تحقق شرطي التهوية والإنارة، وموافقة المالك الأصلي خاصةً لمنازل ( العظم) ومن ثم يتم إرسال قائمة بالمنازل المقبولة وتسليمها للمقاول بمتابعة ومراقبة من قبل فريق هندسي من المنظمة، ويتم الإعلان نفسه ضمن المخيمات العشوائية والمساكن غير المؤهلة، والأولوية تكون للنازحين الأكثر ضعفاً ( عوائل تعيلها نساء، فيها إعاقات، فيها أطفال.. الخ) وقد تم إكساء عدة منازل في الشمال السوري فمثلاً :

في بلدة الدانا ٣٠ منزلا

مدينة سرمدا ٢٩ منزلا

بلدة كفردريان ٥٣ منزلا

بلدة حارم ١٠٢ منزل

بلدة سلقين١٤٦ منزلا

وسيتم طرح مشاريع أخرى مستقبلاً إن شاء الله لمساعدة أهلنا النازحين" 

الجدير بالذكر أن مدينتي إدلب وبنّش شهدتا منذ حوالي ثلاثة أشهر حادثتي انهيار كامل لمنزلين كانا قد تعرضا لقصف سابق وتأثرا بالعوامل الطبيعية، خلّف ضحايا تم انتشالهم من قبل الدفاع المدني السوري.

هذا ويستمر السوريون بمحاولاتهم الحثيثة للتغلب على مصاعب الحياة وإيجاد سبل التأقلم مع الواقع المؤلم المفروض عليهم، راضين بخطر قد يصيبهم بأي وقت على العودة لحضن الوطن، ليبقى الواقع السكني للنازحين في غاية الصعوبة نتيجةً لازدياد عددهم وارتفاع إيجارات المنازل.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات