التنميط الطائفي وردود الأفعال على مجزرة التضامن

فراس سعد 2022-05-26 09:32:07

مجزرة التضامن

كل تنميط هو قسر وقفز على الواقع وتعميم يخلط الصالح بالطالح والبريء بالمرتكب والفقير بالمتنفّذ وصاحب السلطة بالمهمَّش والمستفيد بالخاسر، كما إن كل تنميط على أساس عنصري سيشمل الفئات غير المعنية بالجماعة الحاكمة كالأطفال والنساء وكبار السن بل والرماديين والمعارضين.. بحيث يزج بكل هؤلاء مع السلطة الحاكمة المرتكبة المتنفذة بحجة أنهم كلهم من طائفة أو دين واحد.

-1-

في خطاب التنميط إلقاء مسؤولية على كامل الطائفة ولوم لها لأنها لم تتمرد على النظام.. وفي هذا إلقاء بالمسؤولية الكاملة على الطرف المشلول عن الفعل لأسباب صارت واضحة لكل ذي عقل وإنصاف . وفي نفس الوقت يتخلى مُلقو المسؤولية عن أي مسؤولية من جانبهم.

ولو وجهنا لهم نفس الخطاب أو لو واجهناهم بخطابهم لكان عليهم أن يجيبوا عن ذات الأسئلة وهذه بعضها:

لماذا قبل السنّة بحكم الأسدين أربعين عاماً دون ثورة؟ لو لم تقم ثورات مصر ليبيا تونس اليمن هل كان السنّة في سوريا قاموا بثورة من تلقاء أنفسهم؟ لماذا يقبل مشايخ السنّة بتنفيذ تعاليم النظام العلوي بالحرف؟ لماذا لا يتمرد السنّة الموالون للأسد "العلوي" عليه؟ 

ثم سنضع السنّة في سوريا في نفس الوضعية الشرطية العدمية التي يوضع فيها العلويون منذ بدأت الحرب .. فنكتب كما يكتبون التالي: 

إذا لم يتوقف السنّة عن إرسال أولادهم إلى الجيش والأمن والشرطة فلا تعايش معهم ولن يكونوا شركاء في الوطن .. سيجيب البعض -وأنا منهم- عما سبق، إن هؤلاء السنّة الموالين مُجبَرون على الموالاة ومجبَرون على إرسال أولادهم إلى الجيش والأمن والشرطة. وهذا الصحيح. وهو أيضاً صحيح بالنسبة للعلويين فهم مجبرون أيضاً على إرسال أولادهم إلى الأمن والجيش . والإجبار عندهم يأخذ شكلاً موضوعياً مأساوياً بقوة الأمر الواقع وقوة سلطة الأمر الواقع أي النظام والقانون، كما يأخذ شكلاً ذاتياً جمعياً، فهم مجبرون داخلياً على إرسال أولادهم إلى الجيش، دفاعاً عن وجودهم وحياتهم، من تهديد  الذبح الإسلامي_ حقيقي أم زائف كان هذا التهديد_  الذي وضعهم النظام أمامه. فالمعادلة عندهم هي: إما بقاء النظام أو الإبادة.. فأي جماعة بشرية توضع أمام هذه المعادلة الوجودية القاسية لن تأخذ وضعية العلويين السوريين الحالية؟؟ 

-2-

ردود معارضين من الطائفة العلوية على المجزرة كانت لافتة للانتباه وأقواها كان موقف الشيخ المحامي عيسى إبراهيم (حفيد الشيخ صالح العلي) الذي وجّه رسالة إلى أمين عام الأمم المتحدة غوتيرش دعا فيها لإحالة مرتكبي المجزرة إلى محكمة الجنايات الدولية. ووقع على النص الأصلي للرسالة الأستاذ الجامعي محمد الأحمد والخبير القانوني سمير الهواش.

وكان كتب على صفحته الفيسبوكية:  "إنني أُدين وأُجرّم ، وأدنت وجرّمت قبلاً ، قتل أي سوري أو سوريّة ومن أي طرف وفي كل مذبحة أو قصف أو قتل تم أو سيتم لاحقاً، وإنني ضد استخدام السلاح، بما فيه استخدامه للبقاء بالسلطة أو للوصول إليها.

لذلك يهمّني بشكل خاص، ومُحدد بمذبحة التضامن المروّعة المنشورة  تفاصيلها كفيديو في صحيفة الغارديان البريطانية بتاريخ 28 نيسان 2022.. أن أقول:

أنا عيسى إبراهيم بصفتي مواطن سوري وعلوي ضمناً بهويتي الفرعية ومستنداً لهويتي الإنسانية الضّامة كليهما،  أُبدي بوضوح إدانتي الكاملة للمذبحة التي تم توثيقها، وأُطالب بمحاكمة المجرمين القائمين بها كائناً من كانوا وأنني بريء منهم. وأدعم حق ذوي الضحايا، بالقصاص القانوني من هؤلاء المجرمين. وأنا مستعد لتقديم أي مساعدة ممكنة لدي من أجل تحقيق العدالة في هذه الجريمة. وأطلب من كل سوري وعلوي ضمناً من ذوي الأخلاق والعقل إعلان موقف أخلاقي وقانوني ووفق المتاح لديه والممكن، موقف من هذه الجريمة ومن القتل للسوريين والسوريات عامة"

أما فراس الأسد فكتب على صفحته الشخصية متهماً النظام بتسريب فيديو المجزرة في مسعاه القديم المتجدد لتقسيم سوريا. 

ووجه كلامه إلى الموالين والمعارضين بخصوص المجزرة.. قائلاً:

"كل سوري، و كل إنسان بالمطلق، في براسو ذرة عقل، أو ذرة إنسانية، أو ذرة ضمير أو أخلاق أو شرف، يحتم عليه أن يدين جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها عناصر مسلحة تقاتل إلى جانب النظام في حي التضامن و هي جريمة موثقة بالصوت والصورة ولا تحتمل أي تأويل.. 

ولا يوجد لدي أدنى شك بأن الجريمة تمت بعلم و معرفة أجهزة أمن النظام و بقرار قيادي لبث الرعب في قلوب السوريين.

ولا أشك أبداً في أن النظام هو من سرب هذا الفيديو كما سرب من قبل ذلك الكثير من الفيديوهات التي تخدم أجندته لتقسيم سوريا. وأنا أدعو جميع من يدافعون عن النظام ليشاهدوا الفيديو المذكور فلربما ترتجف ضمائرهم الميتة و تنهض من قبورها العفنة. انظروا كيف يتسلى من تدافعون عنهم بالأرواح و الحياة البشرية و بعدها تعالوا لنتباحث فيما إذا كنتم من بني البشر أم من سلالات أخرى!!".

وأضاف: "الإنسان السوري الذي صرخ في وجه الطاغية مطالباً بالحرية هو أسمى و أعظم من أن يُهزم و يستسلم و يسير إلى الهاوية التي يقوده إليها الطغاة".

-3-

كتب أحد الأصدقاء تعليقاً على ما كتبه فراس الأسد في صفحته حول مجزرة التضامن. فقال هذا الصديق إن موقف فراس الأسد المستنكر للمجزرة أمر يخصّه وحده فهو يمثّل نفسه ولا يمثل الطائفة. سألت هذا الصديق: لماذا يكون فراس أسد في هذا الموقف ممثلاً لنفسه بينما فاعل الشر أمجد يوسف ممثلاً لكل الجماعة؟ 

لماذا التركيز على طائفة القاتل أمجد وتجاهل طائفة من كشفت جريمته أنصار وكلاهما من طائفة واحدة؟ أو من مذهبين متقاربين عقائدياً؟ 

يخذلنا المنطق أحياناً، في لحظات المجزرة خصوصاً والدم السائل في الشوارع حاراً يثير الدم في رؤوسنا فيطير المنطق منه ويطير العقل معه ... لكن سمة الإنسان تعود للإنسان بفعل النسيان بعد مرور الوقت .. فـ"الزمن ..إله رحيم" على ما يقوله المثل اليوناني.. فلولا النسيان لاندثرت حضارة البشر بفعل الحزن والألم النفسي والحقد، ولربما تحوّلت مهنة البشر الباقين الوحيدة إلى مهنة الذبح على نهج الزومبي أمجد يوسف، ولذبح البشر كل البشر بفعل الانتقام والثأر لأحبائهم ... و لتحولت حضارة الإنسان العاقل إلى مستنقع الإنسان الزومبي ..

فالحمد لله على نعمة العقل .. والنسيان.  الله غالب.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات