المرأة في رسومات علي فرزات

أورينت نت- نوار الماغوط 2022-05-25 08:14:05

المرأة حاضرة بقوة في رسومات علي فرزات لتعري فساد الرجل

عرفت علي فرزات  في  بداية الثمانينات من خلال لوحاته في المعارض التي كانت تقام في المحافظات وصحيفة الثورة اليومية الحكومية.. عرفته جريئاً وصادقاً، والتقيت به عدة مرات أيام ربيع دمشق والدومري وعند صديق قديم... ولم ألتقِ به بعدها. 

إحدى رسوماته أثارت قبل فترة جدلاً واسعاً حيث رسم فيها جسد امرأة يمثّل جسم الائتلاف الأنثوي، وردّاً على ذلك الرسم أعرب البعض عن غضبهم، وقام العديد منهم على الإنترنت بالهجوم عليه، لأنهم اعتبروا رسوماته تحتوي على تسميات توضيحية لتصويرها شخصيات فعلية في الائتلاف.

"يلّلي فيه شوكه بتنخزه!"

الذين انتقدوا علي فرزات من زملائه الفنانين غيرةً وحسداً والذين انتقدوه من العاملين بالشأن العام السياسي؛ عنّا مثل بالشام بيقول: يللي فيه شوكه بتنخزه! الكرامة ليست امتلاك المفاخر، بل استحقاقها. 

وهذه نموذج من منتقديه 

عرفتُه من أيام الجامعة رِجل برابطة العمل ورجل بـ البعث والدولة ، ثم في التلفزيون، يشتري بكل ما يتقاضاه ألبسة وأطقماً رسمية، ليعود ضيفاً على صديق قديم له، يشاركه النوم في غرفة مزرية...

تقلّد مفصلاً إعلامياً... لم يلبث أن فُصِل من العمل لأسباب تمسّ النزاهة، سُمّيت التهمة استغلالاً وظيفياً!

انتظر عدة سنوات عاطلاً عن العمل، حتى جاءت الثورة، وبرز اسمه كإعلامي معارض شرس له تاريخ طويل في مقارعة الظلم ومكافحة الفساد، ووجد من يشغّله في الخارج. اليوم يكمل دوره في تناول الفنان علي فرزات.. بنفس الأسلوب المزدوج .."نحن نقدّر إبداعك ووقوفك بجانب ثورة شعبنا ولكن اليوم أخطأت بحق مناضلة لها بصمات في الثورة السورية ولها تاريخ طويل في مقارعة الطغاة وإجرامهم.... متضامن أنا معك ومتضامن مع الائتلاف".

من المؤلم ومن حظنا العاثر، أن ركب احتجاجات وانتفاضة الشعب السوري البريئة، المطالبة بإطلاق الحريات وإخراج المعتقلين السياسيين من السجون ورفع حالة الطوارئ، ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، ركبها لصوص الثورات في كل زمان ومكان، الأحزاب الدينية العالمية التي تخدم سواء عرفت أم لا، مافيات المال والسلاح والعبودية!  

دولة لم تسلح شعبها بأخلاق ووعي عظماء سوريين من أمثال عصام الزعيم والطيب تيزيني لن تكون قادره أن تخرج اللصوص من ديارها. 

المرأة محور اهتمام الفنانين

بشكل عام تعتبر المرأة محور اهتمام الفنانين الذين رسموها على مر العصور بشكل يُظهر هوية المؤنث بأحلى وأجمل المعالم خارج أبعادها الجنسية.

المرأة كما يقول نزار قباني هي ثلاثية الأنوثة و الجسد والهوية. 

إن حقيقة رسومات علي فرزات لا يمكن النظر إليها بمعزل عن هذا الإطار ولكن من مرآته هو المجتمعية والسياسية في تحركه نحو إنتاج معادل فني لحالة السقوط الأخلاقي، أو لشريحة سياسية تمارس السفاح السياسي ستريبتز (عُري) وعلى المسرح وبتكلفة بالمليارات.. وقد سبق له أن صوّر المرأة باعتبارها جسداً يشغل تفكير الرجل، ليس من أجل الإثارة بل من أجل تعرية هذا الرجل الذي لا تنجح مسؤولياته العامة، والأمانة الملقاة على عاتقه في كبح جماح غرائزه. 

يجب على من يعمل في الشأن العام إذا كان يخاف على سمعته أن يستر نفسه ولا يستعرض ويتعرى، فالسقوط الأخلاقي ليس في الجسد فقط إنه هناك في تلافيف الدماغ والضمير الغائب. 

استطاع علي فرزات وبشكل كبير ومباشر الوصول بفكرته إلى البشر المتألمة وبنفس الوقت نزع القناع عن عدد كبير من مدّعي الثقافة والعلمنة الذين اصطفّوا مدافعين عن شرف المرأة متمثلاً بجسم الائتلاف الأنثوي المشوّه الذي استطاع الرسام أن يصدم فيه مشاهديه بشكل عنيف لا يتماثل مع الصورة الفنية للطابع المثالي لجسد المرأة كمثل أعلى للجمال الأنثوي الذي تغنّى به الشعراء الأوائل عبر التاريخ ورسمه كبار الفنانين.

الفنان وأدواته التعبيرية

لكل فنان وسائله التعبيرية وأدواته وهو ابن بيئته حتماً.. ولها علاقة وثيقة بعلم النفس كما يقول (فرويد) أو كما قامت بتحليلها رواية (السراب) لنجيب محفوظ والانطباعات عن الفنون نسبية فما يقدم في العالم العربي مستهجن وغريب ولكن يُعد مقبولاً في المجتمع الغربي مثلاً. 

قد نختلف معه أو نتفق مع رسوماته الخادشة للحياء ولكن أغلبنا يعرف ما يريد قوله وقد سبق أن عبّرت عنها الأمثال الشعبية في منطقتنا. 

أعتقد أن الفنان علي فرزات لم يكن مربوطاً إلى رحم أمه بحبل صرّة بل بسلاسل من التراث العربي الشفوي الأصيل أو المنحول. وقد تعاطى المتعاطفون مع أنثوية الجسد الذي رسمه علي فرزات بكثير من السطحية أو عدم المعرفة أو يمكن القول بالحماسة الشرقية والعنتريات الفارغة. هم أنفسهم وجميعاً بدون استثناء أطرح عليهم السؤال التالي: من هو أهم وأشهر رسامي القرن العشرين؟ بدون تردد سيقولون إنه بيكاسو! يكفي هذا الجواب لتعرف كم هم مدّعون ومنافقون.

الهجوم الذي تعرض له الفنان العبقري علي فرزات يذكرني بالقصة الشهيرة لمجموعة من السُّكارى الإنكليز الذين خرجوا للتوّ من الحانة وهجموا على جندي اسكتلندي يحرس نصباً تذكارياً ويرتدي التنورة التقليدية وأرادوا أن يرفعوا عنه تلك التنورة!

ما جعل الجندي يشهر سيفه ويقطع أيديهم. سأل السُّكارى لماذا أردتم رفع التنورة؟ قالوا أردنا أن نعرف ماذا يوجد تحتها!

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات