حين يصير الجلاد في الدولة المتوحشة أعمى!

د. براءة زيدان 2022-05-24 07:34:45

صورة تعبيرية

هل تغير هذا العالم إلى الأسوأ؟ حيث لم يعد هناك ما يرضينا؟ أم إننا لم نعد نرى النور بسبب هذه السنوات العجاف التي تمر بها بلادنا؟ أم إن النفاق، الأنانية، الجشع وحب الذات، بل وحب السلطة يصنع إنساناً همجياً بكل هذا المعنى المقزز لفعله السلوكي البهائمي؟! 

هل يصير الجلاد أعمى لهذا الحد؟! كي لا يرى الجمال في عيون الآخرين، الذين يشبهونه بآدميته. بل هو الحظ فقط الذي اختار له هذا المقام بكونه جلاداً. رغم أن الضحية تفوقه موهبة!

إلى أين تمضي حائراً بنا أيها الليل السماوي، شديد القسوة بلونك القاتم؟! يا حبذا لو كنتَ أكثر لطفاً. على أيد لا تملك أجنحة للتحليق. لكنها تملك قلباً نقياً طاهراً يمكنه إبهار العالم بحبه و بوحه النوراني، رغم سخافة هذا العالم المليء بالحقد. 

هناك مقولة لا ايف بونفوا:" الحقيقيون لا يحتملهم أحد!".  لذلك يتساءل المرء؟ كيف لشخص طيّب يُلقى القبض عليه بتهمة لم يسبق له أن سمع بها لمجرد فقط قطعة ورقية بيضاء كتبت بيد مجهول ليتم تهيئة وجه صاحب من كتبت ضده بكيس أسود لا يملك ثقوباً حتى لا يستطيع رؤية طريق موته؟! 

من كتب بي هذا التقرير؟!

كان ذلك بتاريخ عام ٢٠١٣. كان شاحب اللون مشمئز من كل مشاهد القتل والدمار من حوله ويشعر أن مصيبة ما ستنزل على رأسه المتصدع بالأفكار السوداوية. رغم إشراقة الأمل التي كانت تعلو شمس ذلك المساء مع بعض من المطر الذي يبلل وجهه الرمادي بعد سماعه خبر استشهاد عمه، وهكذا بدأ يوقن أن الأيدي العابثة تدفعه لتبدأ الكدمات بالظهور على وجهه المقلم و الذي لا يستطيع رؤيته، كان يحاول استدراك جزء من ذاكرته بعين نصف مفتوحة وعقل مشوش وبعض من بقايا رقبته المعلقة بجزء لا ينتمي للسقف. بل لوحه المفقودة. كانت تدور في مخيلته الكثير من الأسئلة التي لا يملك لها إجابات: " ليش إجيت لهون؟ "مين ابن هالحرام اللي كتب فيني تقرير؟ لعمااا والله أنا ماني متخانئ مع حدا. شو عم بصير؟! حدا يا أمة الله يفهمني.  شو جابني لهون؟!" يعني أسئلة تجعله و بلغتنا الدارجة " متل الأطرش بالزفة " . رغم أنه تارة يحاول البكاء و أخرى الضحك و عندما يبدأ المحقق بالأسئلة؟ يصاب بداء الصمت. و يبدأ ينهال عليه ضرباً ليكسر عظامه. لم يكن ينبس بحرف و لا يتأثر بتكسير عظمه. بقدر ما كان صفير المحقق و هو يحتسي الشاي يئن في رأسه و كأنما طائرة هليكوبتر وقعت على رأسه فهشمته. " ولك أبدك تحكي؟! الله يقطع عمرك... يخرب بيتكن من وين الله بلانا فيكين يا ولاد ..... 

إنها الدولة المتوحشة

كان رائد شخصية مرموقة في عمله متفتح الذهن، يعرف كيف يدافع عن وطنه كما يدافع عن شرفه تماماً . لم يكن يعني له الشرف الحفاظ على العرض و الأرض فقط، بل الإخلاص في الحفاظ على الكلمة وفي كل عمل يطلب منه.  كان حقيقياً فعلا،  كان واحداً من الشباب المتحمس لربيعه العربي، للوقوف ضد الاستبداد والنهوض بوطن يليق بكرامة الإنسان.  لم يستطع أن يدرك أنه من النخبة في ظل حالات التعذيب التي يصادفها صباح - مساء، لكن.. كان مدركاً تماماً أنه ولد في دولة لا ينتمي إلى أي من جذورها، على حد تعبير ميشيل سورا: إنها الدولة المتوحشة!

أكثر ما كان يلح على ذاكرته الصماء في حينه، إنه يمتلك فاهاً كبيراً، جعله عرضة للتورط بكثير من المشاكل. وأهم تهمة وجهت له . "أنه إخونجي"؟!! كان يحدث نفسه بغباء أثناء حالات التعذيب... بذاكرة نصف مفتوحة على التهمة ونصف مفتوحة على الهدف. قائلاً:" لعمااا أنا إخونجي؟ طيب كيف هيك؟! وأنا المسيحي الأرثوذكسي؟! جزء من ذاكرته تعيده للوراء قليلا بعين مفتوحة على هويته و انتمائه. استدرك. أنا مسلم لا لا. أنا علوي- سني-  درزي-  إسماعيلي- لك أنا سوري يا أمة الله أنا ماني طائفي يا ولاد الكلب... أنا وطني ووطني بامتياز." 

ثورة المنفردة!

أنا بريء والله بريء، عمري ما آذيت نملة و لا قتلت صرصاراً.. ولا هدمت بيتاً لعنكبوت، بدليل إنو هدول كانوا يشاركوني أفراحي و أحزاني بالمنفردة... صاروا أهلي. صرت قادر وأنا بالمنفردة أن أشعل ثورة. ليحيا شعبي. كانت ثورة المنفردة أقوى من صوت الحناجر التي تهددهم بالحرية خارج نطاق المنفردة. كان يوثق يومياته داخل السجن، و نشأت بينه و بين يوميات السجن علاقة صداقة .. حتى أتى رمضان التاسع و كأنه أشبه بحلم. النظام يوثق يومياته من خلال الدراما  ؟! هل هذا ترف؟ أم يريد حقاً أن يعترف بمسؤوليته تجاه ما اقترفه ضد هؤلاء الحقيقيين جدا ؟! هل وصل حقاً إلى حد البؤس أنه منتهٍ؟ فأراد تلوين شرايينه الزرقاء بحمرة دم نقية.. تقية رمضانية؟ بلون القسم الإيماني؟ تفعل عكس ما تتقي؟! تفعل عكس ما راهنت عليه من قسم . تلونت بحقد ووضاعة و كراهية. صارت الضحية تشفق على سذاجتها التي تتدعي البراءة ؟ و لا تزال تعبد سيدها الصنم، رغم هذه الشكوك وهذه الريبة العميقة التي تحيط بأسئلته، كانت ذاكرته عصية تماماً عن فكرة أنه من الممكن  له أن يرى النور بعد تسعة أعوام من رفاهية السجن المطلقة الملونة بموسيقى يعزفها الجلاد وهو يحتسي الشاي ليجعلها مسمرة و هي ترقب بوطه العسكري برفق ليدوس وجهها و يحطم عظامها.  فلا تستند إلى حائط و لا إلى الأرض أو إلى الروح المفقودة المعلقة بحديدة لا تربطها بالسقف.. بقدر ما تربطها بحياة ليست عاجزة عن رؤية مصيرها المحتوم و المنهك نحو موت مؤجل.  كان يزداد عنفوانا و شموخا، ويقول لنفسه برداً و سلاماً... كانت روحه تولد من جديد مع كل فصل من فصول التعذيب و كأنها صممت على الاعتراف والانتظار لربيع عربي جميل الفصول متعددة اللهجات، همه واحد ليس سورياً و لا جزائرياً و لا حتى ليبياً أو عراقياً ... بل عربياً عربياً ... كانت هذه الآمال تدور في رأسه النظيف الذي لم يتعقم إلا بالحقيقة و الأمل و التفاؤل بأن القادم أجمل... حتى صاح صاحب السجن :" رائد شملك العفو جهز حالك لتطلع..تطلع بلاعك إن شاالله.  لك رح نرتاح منك و من أشكالك...يقطع عمركن إن شاالله ..".

وجاء يوم العفو!

شعر رائد للحظة أنه فقد هويته و توقف رأسه عن الدوار والتفكير... لكن سأل نفسه سؤالاً واحداً ! شو صار حتى نزل عليكون الوحي؟! لقد سمع بمجزرة حي التضامن وجاوب فجأة.. أي بدهون يلمعوا صورتون أدام الرأي العام العالمي!!". وجاء يوم العفو.. كان ينظر بعين الريبة إلى كل ما حوله.. إلى النور المنبثق من حياته الخارجية التي لم تنعم بهذا النور المريب منذ تسعة أعوام. لقد كاد أن يفقد ذاكرته، بل هويته. لقد شعر بالضياع.. عندما سأل أخاه الوحيد حين حاولت ذاكرته أن تستعيد وجهه أين أهلي؟ أين أصحابي؟ أين حيّنا؟ وين مرتي وولادي؟!! سكت أخوه؟! وجد رائد نفسه أمام ذاكرة جديدة عمرها فقط خمس دقائق . تحكي ألماً مختلفاً... تمنى فعلاً لو واجه شبيهاً له في رفاهية السجن المطلقة. المؤلم أن العفو صدر؟! المؤلم أن هذه الحياة التي كنت تعتبرها جحيماً كانت حقاً رفاهية خلف هذه القضبان الجميلة... المؤلم أن كل شيء انتهى فقط بخمس دقائق. لم أعد قادر على الحلم الجميل خلف هذه القضبان الجميلة .. لم أعد أحلم بعفو ولا بإحسان ولاعطف مثير للشفقة. كنت أحاول البحث في عيون أخي الخائفة الذابلة... التي تحاول البكاء و لا تستطيع... التي كانت تحاول إخباري بالكثير الكثير و لا تستطيع ...كنت أحاول رؤية الجانب الجميل منها لا المريب عله ينتشلني من قلة الحيلة و العجز و هذا الضياع المريب. كانت ذاكرتي تصرخ نحن لا نحتاج إلى إحسان و لا عفو ... نحن نحتاج إلى عدالة تعيد الدماء الطاهرة التي سالت، تبث الروح في قلوب الأمهات الثكلى على أرواح أبنائهن الشهداء البررة... وأي عفو هذا يعيد الحزن للذاكرة مع كل قطرة دماء سالت!؟ مع كل تجديد درامي لثلاثينية كسر عظم بريء لا تزال شراينيه تحتظر لتؤكد مقولة:" الحقيقيون لا يحتملهم أحد ". ولا يشملهم عفو رئاسي. بل في أرواحهم تنمو براعم حرية لم يحن قطافها بعد. بل أنتجت آساً يوضع على قبور موتى في صبيحة عيد .تتعالى ضحكتها تنسى أنها أمام جلادها، حيث كان فاسيلي بيلوف يهمس في أذني:" لا تخف، الظالم يشعر دائماً بالخوف، عندما يقف أمام ضحيته".

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات