بعد تصريحات أردوغان.. أين ستكون وجهة الهجوم التركي الجديد ضد "قسد" في شمال سوريا؟

أورينت نت - عقيل حسين 2022-05-24 07:04:46

صورة تعبيرية

عادت أنقرة للحديث عن عملية عسكرية جديدة لها في سوريا، بهدف استكمال طرد الميليشيات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني الإرهابي من على حدودها الجنوبية، في وقت يؤكد فيه المحللون على أن مثل هذه الخطوة لا يمكن أن تتم دون ترتيبات مع القوى الكبرى المتدخلة في الملف السوري، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

تصريحات الرئيس التركي

وفي خطاب له عقب ترؤسه اجتماع الحكومة في المجمع الرئاسي بأنقرة، يوم الإثنين، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: "سنبدأ قريبا باتخاذ خطوات تتعلق بالجزء المتبقي من الأعمال التي بدأناها لإنشاء مناطق آمنة على عمق 30 كيلومتراً، على طول حدودنا الجنوبية (مع سوريا)".

ونقلت وكالة الأناضول عن أردوغان القول: إن المناطق التي تعدّ مركز انطلاق للهجمات على تركيا والمناطق الآمنة، ستكون على رأس أولوياتنا، وهذه العمليات ستبدأ بمجرد انتهاء تحضيرات الجيش والاستخبارات والأمن.

أما عن توقيت الهجوم فقد ترك الرئيس التركي ذلك مفتوحاً، حيث أشار إلى أن "القرار بهذا الخصوص سيتخذ خلال اجتماع مجلس الأمن القومي الخميس".

تفاصيل وتطورات

وسبق لتركيا أن نفذت نهاية العام ٢٠١٩ عملية واسعة ضد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، سيطرت بموجبها، مع الجيش الوطني السوري المعارض، على رأس العين في ريف الحسكة، وعلى تل أبيض في ريف الرقة، بعد عملية سابقة جرت في آذار/مارس ٢٠١٨ وانتهت بطرد ميليشيا "قسد" من عفرين ومحيطها بريف حلب الشمالي.

ومنذ ذلك الوقت تطالب أنقرة بخروج الميليشيات التابعة لحزب العمال من المناطق المحاذية لحدودها الجنوبية مع سوريا، وتهدد بشن عمليات عسكرية جديدة لتطبيق اتفاقية إبعاد هذه الميليشيات عن الحدود لمسافة ٣٠ كم، لكن مطالب تركيا وتهديداتها كانت تصطدم بموقف سلبي من قبل روسيا والولايات المتحدة الداعمتين لقوات سوريا الديمقراطية.

إلا أن أردوغان أوضح يوم الإثنين أن "تركيا ستميز مجدداً في هذه المرحلة، بين من يحترمون حساسياتها الأمنية، والذين لا يكترثون سوى لمصالحهم، وأنها ستصوغ سياساتها مستقبلاً على هذا الأساس".

تصريح وإن بدا تصعيدياً لكنه قد يحمل في طياته إشارة ضمنية إلى أن إحدى هاتين الدولتين قد وافقتا على عملية تركية جديدة، لكن التقديرات تظل متباينة حول حجم هذه العملية ومساحتها الجغرافية ووجهتها.

من حيث التفصيل الجغرافي فإن المنطقة الممتدة من عفرين في ريف حلب الشمالي الغربي حتى ريف إدلب الغربي وأجزاء من ريف اللاذقية الشمالي، تعدّ مطابقة لمعايير تركيا حول المنطقة المهمة بالنسبة لأمنها القومي، إذ تسيطر سواء بشكل مباشر أو من خلال فصائل المعارضة الحليفة لها على عمق يتجاوز الثلاثين كم.

أما في المنطقة الممتدة من عين العرب في ريف حلب الشرقي حتى المالكية في ريف الحسكة الشرقي على الحدود مع العراق، فإن أنقرة مازالت بعيدة عن الوصول إلى هذا العمق.

التقديرات ترشح منبج!

لكن المحلل العسكري العقيد عبد الباسط الطويل يرجح بأن يكون هدف العملية الرئيسي في حال حدوثها هو مدينة منبج بريف حلب الشرقي، مستبعداً أن تطال مناطق في ريف الحسكة قريباً من الحدود مع العراق.

ويقول في تعليقه لـ"أورينت نت" حول تصريحات الرئيس التركي الأخيرة: أرى أن أردوغان يعمل على تحقيق مكاسب قصوى من الوضع الجيد الذي يتوفر لتركيا حالياً منذ بدء روسيا الحرب على أوكرانيا، حيث برزت حاجة جميع الأطراف لها، والمخاوف الأمنية التركية في شمال سوريا لا شك أنها على قائمة الأولويات، ولذلك تعود أنقرة لفتح هذا الملف وتسعى للعمل على تحقيق إنجاز بالاستفادة من هذه الظروف.

الطويل أضاف: أستبعد بشكل قاطع أن تشمل هذه العملية كامل الحدود الجنوبية لتركيا لأنها تمثل مساحة شاسعة ومعقدة، خاصة في أقصى الشمال الشرقي من سوريا (الدرباسية والمالكية والقامشلي) لأنها مناطق مفتوحة على الحدود مع جبال قنديل، وتعدّ مركز ثقل حزب العمال والميليشيات التابعة له، ناهيك عن وجود حضور كبير للقوات الأمريكية فيها، وللنظام بمحيطها.

كما يستبعد الطويل أن تشمل هذه المرحلة بلدة تل رفعت ومحيطها بريف حلب الشمالي "نتيجة لتشابك الوضع فيها بين قسد والنظام وإيران وروسيا، إلى جانب أهميتها الثانوية بالنسبة للأتراك، مقارنة بعين عيسى في ريف الرقة وعين العرب ومنبج بريف حلب الشرقي".

وحسب تقديراته إذن، فإن الوجهة الأكثر ترجيحاً لأي عملية عسكرية تركية جديدة في سوريا ستكون مدينة منبج "لأن الظروف فيها أفضل والعوامل مهيأة بشكل أكبر، حيث غالبية السكان فيها من العرب، وبالتالي لا تمثل رمزية بالنسبة لحزب الاتحاد الديمقراطي ومن خلفه حزب العمال، على عكس عين العرب التي تحظى بمكانة استثنائية لديهما، ناهيك عن رمزيتها بالنسبة للغرب حيث تشكل التحالف الدولي لمكافحة داعش من أجل مواجهة التنظيم في هذه المدينة".

عين عيسى مرشحة

يتفق المحلل السياسي فراس علاوي مع العقيد الطويل في هذا التقدير، لكنه يرجح أن تكون مدينة عين عيسى بريف الرقة هي الوجهة المحتملة بالدرجة الأولى، وإن كان يعتقد أن هذه العملية مستبعدة في الوقت الحالي.

ويقول في حديث مع "أورينت نت": أرى الحديث التركي عن هجوم جديد ضد "قسد" في سوريا  حديثاً سياسياً أكثر منه عسكرياً، والهدف هو تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب بالتزامن مع المفاوضات بين الغرب وأنقرة فيما يتعلق بانضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي/الناتو، الأمر الذي سجلت تركيا تحفظاً عليه، لكن أعتقد أن هذا الموقف التركي لن يدوم طويلاً بسبب الموقف الجماعي الحاسم في الحلف والمؤيد لانضمام الدولتين، وبالتالي فإن أنقرة تعمل على جني ثمار الظرف الاستثنائي هذا، وملف المنطقة العازلة هو أحد أهم الأولويات لديها، خاصة وأن الغرب من أشد المعارضين لأي هجوم تركي جديد في سوريا.

ويضيف: مع ذلك فأنا لا أرى الظروف والأوضاع مهيأة للقيام بمثل هذه العملية، لكن هذا لا يمنع من أن تقدم روسيا أو أمريكا مكافأة لتركيا على أي تفاعل إيجابي لها مع أي منهما بالسماح لها بتوغل محدود في منطقة لا تعدّ حساسة بالنسبة للأكراد الذي يسيطرون على شمال شرق سوريا، وبالتالي فإن المفاضلة لن تخرج عن منطقتي عين عيسى ومنبج.

الجيش الوطني يستعد

وبينما يقول المحللون إن أي عملية عسكرية تركية في سوريا، سواء كانت محدودة أو واسعة، فإنها تتطلب استعدادات ميدانية للجيش التركي والفصائل المتحالفة مع أنقرة، كشفت مصادر في الجيش الوطني المعارض لـ"أورينت نت" عن أن التحضير لمثل هذا الخيار كان قد انطلق بالفعل منذ أسابيع.

وقالت المصادر: إن قوات من الجيش الوطني انتقلت للجبهات المحاذية لكل من عين عيسى ومنبج بالفعل. كما جرى نقل معدات وتجهيزات عسكرية هجومية استعداداً لعملية محتملة قد تشن في أي وقت.

ومع ذلك فإن كل من الطويل وعلاوي يتفقان على أن العملية المحتملة لن تتطلب معارك واسعة أو شرسة إذا ما جاءت في إطار صفقة بين تركيا والغرب أو تركيا وروسيا، وأنها غالباً ما ستكون مشابهة لما جرى في عملية نبع السلام قبل أربعة أعوام، حيث انسحبت قوات قسد من مدينة عفرين مع مناوشات واشتباكات محدودة.

وبينما لا يستبعد علاوي أن تكون هذه العملية بالتفاهم مع موسكو بالقدر نفسه الذي قد تكون مع الغرب، يعتقد الطويل أن روسيا لن يكون لها دور في مثل هذه الترتيبات اليوم، خاصة بسبب انشغالها في الحرب الأوكرانية، لكنه لا يستبعد أن ترد بشكل غير مباشر من خلال قصف المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في شمال البلاد.

ويقول العقيد الطويل: روسيا اليوم خارج الحسابات، على الأقل مؤقتاً وفي اللحظة الراهنة، لكن هذا لا يعني أنه لن يكون لديها ردة فعل بحال نفذت تركيا تهديداتها وتوغلت في الأراضي السورية بدون التفاهم معها، لكنني أستبعد أن تصل الأمور إلى حد شنها مع قوات النظام والميليشيات الإيرانية هجوماً برياً واسعاً في ريف اللاذقية وريف إدلب، لأن موسكو غير مستعدة حالياً لمثل هذا الخيار.

تتباين التقديرات إذن حول الأهداف الحقيقية لعودة تركيا إلى التهديد بشن عملية عسكرية جديدة في سوريا، ورغم أن هذه التهديدات مكررة إلا أن صدورها عن الرئيس رجب طيب أردوغان وفي هذا التوقيت الدولي المعقد يمنح التهديدات جدية أكبر، خاصة وأنها جاءت بالتزامن مع مفاوضات بين أنقرة والغرب حول ملف حزب العمال الكردستاني والمنطقة الآمنة التي تطالب بها تركيا في سوريا بما يسمح بعودة قسم من اللاجئين المقيمين على أراضيها .

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة