مشواري مع الأدب والثورة-8: طلاب متفوقون وآخرون يصارعون الفراغ والضياع في سكون المخيم!

أورينت نت- ابتسام شاكوش 2022-05-23 07:10:39

الكاتبة ابتسام شاكوش تتابع مذكراتها في أورينت نت

ابتدأ العمل الجاد من قبل الأطفال وأهاليهم، حيث اقتنعوا بجدوى ما نقوم به من عمل في المركز الثقافي الذي أسسناه في مخيم جيلان بينار في الجنوب التركي على الحدود السورية قرب (رأس العين).  

راحوا يتزاحمون على باب مركزنا ليستعجلوا بإلحاق أولادهم بدوراتنا، لكن إمكانياتنا محدودة والمكان لا يتسع، لذلك اكتفينا بخمسة وعشرين تلميذاً في كل دورة. الدورة تستمر ثلاثة أشهر، نرسل الناجحين منهم إلى المدارس النظامية، ونستبقي من لم ينجح ليخوض دورة جديدة وهم قليل جدا.

جميل ابن السنوات العشر، ينتمي لإحدى قرى ريف حلب, تجد في عينيه بريق الذكاء, كان شغوفاً بالعلم والتعلم, ما سبق له أن التحق بمدرسة,  بسرعة فائقة تعلم الانضباط,  وكان يحفظ كل شيء أولاً بأول, كان أول من يحضر إلى المركز وآخر من ينصرف, ليمشي بخيلاء قرب أستاذه في دروب المخيم.

جميل يرفض الهدية! 

كنا قد جلبنا الكتب من إسطنبول، نوزعها على التلاميذ ونوصيهم بالمحافظة عليها, لنجمعها منهم ونعطيها لتلاميذ الدورة التالية, أحدهم سأل "جميل" ليختبره: بكم تبيع كتابك هذا؟ أجاب أبيع روحي ولا أبيع كتابي، سأله الأستاذ منور لماذا تريد أن تتعلم؟  أجاب: أنا سأكبر وسأتزوج, وسيطلب مني أولادي مساعدتهم في دروسهم, ماذا سيكون موقفي أمامهم لو أني لست متعلماً ولا أعرف القراءة؟؟ كان جميل يطلب كل يوم من الأستاذ قصة جديدة, يقرؤها, يحاول قراءتها, يقول إنه يستمتع بتقلب صفحاتها وقراءة ما يستطيع قراءته منها.

في ختام كل دورة كنا نوزع هدايا على الفائزين. وكان (جميل) منهم. ( جميل) يرفض الهدية, يقول جئت لأتعلم, لا أريد هدايا. جميل قال للأستاذ منور سأظل أتذكرك طول حياتي لأنك علمتني القراءة والكتابة, سأذكرك حتى لو تركت المدرسة, قال له الأستاذ منور لن تترك المدرسة, قال بصوت تقطعه الغصة ويغشاه الخوف: إن شاء الله.

جميل هذا أبوه لا يريد له أن يتعلم, بل يريد أن يصحبه إلى المدن الكبرى ليعمل في نبش حاويات القمامة, جاءنا يوماً إلى المركز يركض باكياً, ومن بين شهقاته قال إنه يريد أن يتعلم, ومن يمنعك عن العلم يا جميل؟ قال أبي, هدأناه ووعدناه بالحماية.

ذهبت مع إحدى الآنسات إلى خيمة أهله وحاولت إقناعهم,  وعدوا بمتابعة تعليمه, لكن وعدهم لم يكن صادقاً بل ليخلصوا مني, قابلنا الأب وحاولنا إقناعه, وأعدنا جميل إلى الدرس, بعد أيام جاءنا أحد التلاميذ يركض ملهوفاً, ليخبرنا أن جميل أرسله, ليطلب منا إنقاذه, أبوه أخذه معه إلى بوابة المخيم يريد السفر, أسرعنا إلى بوابة المخيم, كان جميل يبكي,  إجراءات خروجه لم تكتمل بعد, ترك والده وأمسك بيدي, أخذته وعدت به إلى المركز.

أطفال قضى عليهم جشع أهاليهم!

انتهت الدورة والتحق جميل بالمدرسة, وفي زيارة للأستاذ منور لتفقد تلاميذنا, أشاد الأستاذ الذي يعلمه بانضباطه وتفوقه على رفاقه.... لكن جميل رحل مع أهله خارج المخيم, انقطع عن المدرسة, وهذا ما كان يخشاه, غاب جميل وما عدنا نعرف عنه شيئاً.

كم من الأطفال قضى عليهم جشع أهلهم؟ كم من المواهب والطاقات اندثرت في سعي الأطفال وراء رزق لن ينالوا منه شيئا سوى طعام ربما لا يشبع بطونهم؟؟

فتى آخر كثير الحركة والمشاغبة، عمره يقارب الأربعة عشر عاما. يرى نفسه أكبر من تلاميذنا وأكبر من تلاميذ المدارس، لكنه لا يعرف قراءة ولا كتابة. كان ينتظر ابتداء الدرس ليرجم خيمة المركز الثقافي بالحجارة, وليطرق  بقطعة حديد على أعمدة الخيمة ليعكر علينا وعلى التلاميذ الدرس, كان يهرب راكضا كلما حاولنا التحدث معه.

مرة, فاجأته خارج وقت الدرس, قبضت على ذراعه بقوة جعلته يخجل, قلت له أنا أعرف أمك وأباك وجدتك, الكل يشهد أنك ذكي وأنك تحمل أخلاق الرجال, وأنا أريد منك أن تكون رجلاً وسيد الرجال, كل هؤلاء التلاميذ الذين تراهم يقلون عنك ذكاء, تعال تعلم هنا معنا, وسترى نفسك تتفوق عليهم جميعا.

القضاء على الفراغ والضياع

هدأت مشاغباته، والتحق بالدرس، لم يكن ذكياً كما أوهمناه, ولم يكن يتقن الإمساك بالقلم, لكننا ساعدناه, وتدخل الأستاذ منور فجعل منه صديقاً, سرعان ما صدق إيحاءاتنا, والتزم الدرس, لم ينجح في الدورة الأولى, بل نجح في الثانية,  لاحظنا أن هذا الفتى موجود دائماً في المساحة الصغيرة بين خيمة مركزنا الثقافي وخيمة المسجد, وأنه- لكثرة مشاغباته-  ينهره الجميع هنا, سألته لم لا تذهب إلى ملعب كرة القدم؟ قال حاولنا ولم يسمحوا لنا, من هم؟  

اتصلنا مع المسؤول عن الملعب، طلبنا منه استقبال هذا الفتى ورفاقه خارج أوقات التدريب. أعطيناهم إحدى الكرات التي جلبناها من (أورفا)، وأوصيناه بقيادة الأطفال والحفاظ على الكرة, وعلى سلامة الملعب, وهكذا, فعلنا معه ومع كثيرين غيره من مختلف الأعمار. تخلصنا وخلصناه من فراغ وضياع, ما كان يعرف كيف يخرج منه وكيف وأين ينفق طاقاته.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات