سوريا والعدالة المنسية

أورينت نت - د. علي حافظ 2022-05-23 06:25:16

صورة تعبيرية

فتحت فيديوهات مجزرة "حي التضامن"، وتقرير "قرابين التضامن" الذي أعده بمهنية واحترافية عاليتين (أور أوميت أونغر) و(أنصار شحود)، جراح السوريين من جديد وأعادتهم إلى المربع الدموي الأول، حيث كوابيس جرائم الأسد وشبيتحه تظهر في قمة توحشها وانحطاطها الأخلاقي، دون أن يعرفوا ماذا يفعلون؟ أو لماذا ارتكبت كل هذه الفظائع بحقهم دون أن تكون هناك محاسبات ومحاكم دولية للمجرمين؟

منذ ذلك الوقت سال دم غزير من أجساد السوريين، وتحولت حياتهم إلى جحيم يومي، وتم نسيان مأساتهم وتحويلها إلى قضية هامشية في الملفات الدولية... لم تعد تتصدر عناوين الأخبار كما كانت سابقاً، ولم يعد أحد يهتم بشؤونهم، حيث تديرها وتتاجر بها دول بما يتناسب مع مصالحها ذات الصلة... 

ورغم أن الوضع أصبح أكثر تعقيداً مع مرور السنين، ومن الصعب إجراء التحقيقات اللازمة وإعداد لوائح الاتهام، ووضع المعاناة الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان في أرقام وإحصاءات؛ إلا أنه يجب التوقف عند بعض الأمور المرتبطة بملف مهم جداً وهو تشكيل "لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا"؛ والذي لم يتم تفعيله لأسباب كثيرة.. هنا سأحاول شرح بعض ملابساته، لعل وعسى نفهم ما جرى، ولماذا لم تتم محاسبة من تفنن بالإجرام في حقنا؛ وما زال يجرم وبشهية أكبر؟

لجنة مبكرة للتحقيق بالجرائم والمجازر

بعد أشهر قليلة من بدء الاحتجاجات السلمية ضد حكم آل الأسد الاستبدادي في سوريا، شكّل "مجلس حقوق الإنسان" التابع لـ "الأمم المتحدة"، في آب 2011، لجنة للتحقيق فيما يحصل من تجاوزات وجرائم ومجازر هناك برئاسة البرازيلي (باولو بينيرو). 

استبشر السوريون خيراً عندما انضمت المحامية السويسرية (كارلا ديل بونتي) إلى اللجنة في أيلول 2012، والتي ترأست الادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة والإبادة الجماعية في رواندا من 1999 إلى 2007.. كان تعيين مثل هذا المحامية المتمرسة والمهنية والخبيرة الجنائية التي اشتهرت بشجاعتها وإصرارها وكلماتها الواضحة، بمثابة علامة قوية تدل على رغبة الأمم المتحدة في تقديم مجرمي الحرب للعدالة. قالت سفيرة الاتحاد الأوروبي حينها ماريانجيلا زابيا مباركة ترشيحها: "إنها تتمتع بمهارات تحقيقية قوية وبراعة أكثر منهجية في استخدام الكم الهائل من المعلومات التي تحتاج لجنة التحقيق إلى جمعها بهدف المحاكمة في وقت لاحق".

كُلفت اللجنة بالتحقيق في الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها قوات الأسد والميليشيات العاملة لحسابها، وعلى الأخص في مجازر: ساحة الساعة وبابا عمرو وكرم الزيتون ودير العصافير وبانياس والحولة والحراك وغيرها. كما حددت الانتهاكات التي ارتكبتها المعارضة، ولكن بدرجة أقل.. حققت اللجنة وجمعت الكثير من الأدلة، حيث ذهب أفرادها إلى مخيمات اللاجئين في البلدان المجاورة - لبنان، الأردن، تركيا، العراق - والتقوا بالكثير من الضحايا والناجين واللاجئين والمنشقين عن الجيش والمغتصبات، وأجروا اتصالات داخل سوريا عبر الهاتف والسكايب، لأنهم كانوا ممنوعين من الدخول إليها باعتبار "الدولة السورية" قد شككت في استقلاليتهم واتهمتهم بمناهضة رئيسها من خلال سردهم للجرائم التي ارتكبها هو والمحسوبون عليه بشكل أساسي؛ مقتدية في ذلك بالديكتاتور الآخر ميلوسوفيتش الذي لم يسمح بدخول لجنة مشابهة إلى صربيا أثناء جمع الأدلة لمحكمة يوغوسلافيا السابقة!

نتائج لم تنشر! 

قدمت اللجنة تقارير منتظمة عن انتهاكات حقوق الإنسان، وسجلت حوادث مثل الهجمات بالأسلحة الكيماوية والمحرمة دولياً والأسلحة العشوائية الأخرى، والإبادة الجماعية ضد المدنيين، وتكتيكات الحصار والتجويع، وقصف قوافل المساعدات، والاستهداف المباشر للمدارس والمستشفيات، إلى التهجير القسري للسكان... زودت اللجنة مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان نافي بيلاي بقائمة من أسماء المشتبه بهم وكياناتهم... 

لم تنشر القوائم ولا نتائج الاستجوابات لأنها وضعت كأرضية يمكن استخدامها في حال قرر "مجلس الأمن" إنشاء محكمة جنائية دولية، أو كأدلة في محاكمات دولية لاحقة ضد المسؤولين السوريين الضالعين في ارتكاب جرائم حرب. 

صرحت (كارلا ديل بونتي)، في مقابلة نشرت في عدد فبراير/شباط 2017 من "مجلة العفو الدولية"، بأنهم جمعوا "ما يكفي من المواد لإجراء محاكمات ضد كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين من جميع الجهات. ومع ذلك، ما زلنا ننتظر تقديم أدلتنا إلى المحكمة دولية. يجب القيام بذلك في أسرع ما يمكن، لأنه سيسهم أيضاً في مفاوضات السلام". 

كان من المفروض أن يلعب التحقيق القانوني في الجرائم دوراً كبيراً في "مفاوضات جنيف"، وكان على "مجلس الأمن الدولي" إحالة القضية السورية إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ لكن الصين وروسيا منعت ذلك ووضعت عصي الفيتو في العجلات. ما دفع ديل بونتي للقول: "كان بإمكاننا إحضار الأسد إلى المحكمة وتقديمه إلى العدالة؛ لكن هذا هو بالضبط ما تمنعه روسيا باستخدام حق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة".

كان من المستحيل إحالة القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية بسبب روسيا، لأنها أصبحت طرفاً رئيسياً في الصراع. ومن أجل إيقاف عرقلة تطبيق القانون الدولي في سوريا بشكل منهجي، دعت كارلا ديل بونتي إلى إنشاء محكمة خاصة لتقديم المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء الشرق الأوسط إلى العدالة، لكن كل جهودها باءت بالفشل، حيث علقت بهذا الصدد: "كانوا يقولون لنا: لاحقاً، لاحقاً ستكون محكمة"!

للأسف.. كنا مخطئين!

بعد سقوط شرق حلب، أصدرت "الجمعية العامة للأمم المتحدة" قراراً يجعل من الممكن مقاضاة الدكتاتور بشار الأسد على ارتكابه جرائم حرب؛ لكن لم توجه أي اتهامات ضده رغم توافر الكم الهائل من الأدلة! 

أصدرت لجنة التحقيق تقريراً يوثق انتهاكات الجميع. وبحسبه، فإن "جميع الأطراف ارتكبت انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني".. كذلك يورد تفاصيل الأحداث عندما بدأت القوات الحكومية منذ إحكامها الحصار حول حلب في 21 يوليو/تموز2016، وانتهاء في 22 ديسمبر/كانون الأول من نفس العام، عندما استولت على المدينة مستعيدة السيطرة عليها. وأقرت اللجنة بدور الحكومة لأول مرة بقصف قافلة مساعدات قرب حلب. وبحسب جميع صور الأقمار الصناعية، وإفادات الشهود، وخبرات الطب الشرعي في المواقع... فإنها هي المتورطة بارتكاب أغلب الجرائم والفظائع. قالت (كارلا ديل بونتي) في مقابلة مع التلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية RTS في 2 آذار 2017: "لمدة ست سنوات كانت القوات السورية هي المسؤولة عن العديد من القتلى المدنيين. يجب إدانة الأسد؛ إنه أحد أسوأ المجرمين".

لم تلق مناشداتها لمراعاة القانون الدولي آذاناً صاغية إلى حد كبير، لأن "الأمم المتحدة" لم تنشئ هيئة تحضر للمحاكمات، ولم يكن لديها نية لفعل ذلك. كذلك لم يحل "مجلس الأمن" الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. لذلك استقالت الخبيرة في جرائم الحرب من منصبها كرئيسة للجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا في آب 2017، معلنة أنه "لا عدالة لسوريا"؛ ومتأسفة على "عدم وجود دعم سياسي" لعمل اللجنة. ومن ثم صرحت في إحدى مقابلاتها: "لم أعد أرغب في القيام بذلك بعد الآن، بالطبع بسبب الإحباط ولأننا لم نكن ناجحين. لقد أدرجنا جميع الجرائم في تقاريرنا، لكن مجلس الأمن لم يختر محكمة دولية. سيكون هذا أفضل حل للعديد من الجرائم التي ارتكبت في الحرب السورية". ثم حاولت في كتابها "أنا لست بطلة - كفاحي الطويل من أجل العدالة" الاعتراف بكل شيء، حينما أقرت بأن الأمور لا تسير على ما يرام بالنسبة للقضاء الدولي: "حتى في ذلك الوقت، فهمت أنا وموظفيّ أن العدالة الدولية ممكنة فقط إذا كانت هناك إرادة سياسية. لكن هذا مفقود الآن. هذا يحبطني، لأنه في ذلك الوقت، بعد محكمتي يوغوسلافيا ورواندا، كنا سعداء لأن هذا القضاء الدولي كان يترسخ ويساهم بشكل كبير في السلام. لكن للأسف كنا مخطئين!".

لم تكن هناك إرادة سياسية! 

لم تستطع المدعية العامة (كارلا ديل بونتي)، التي حاكمت زعماء المافيا وهياكلها وقدمت مجرمي الحرب إلى العدالة، فعل شيء طوال مدة وجودها عضواً في "لجنة الأمم المتحدة المستقلة للتحقيق في سوريا". ومع ذلك رفضت الحجة القائلة بأن اللجنة كانت تجمع الحقائق فقط لكنها لم تفعل أي شيء، وبررت ذلك قائلة بأنه "لم تكن هناك إرادة سياسية لتقديم مجرمي الحرب للعدالة، ولم يرغب أحد بذلك. بينما في يوغوسلافيا السابقة، كانت الحرب لا تزال قائمة وتم إنشاء المحكمة الدولية بعد أقل من عام من بدء الحرب. لكن هنا، لا نتحدث عن العدالة أو المحاسبة على الإطلاق. كان من الممكن إنشاء محكمة مخصصة لتكون بديلاً ذا قيمة كبيرة، في حال عدم نجاح المحكمة الدائمة بالطبع لأن روسيا والصين لا تريدان ذلك. وهذا لم يحدث أيضاً!". 

ربما تكون (ديل بونتي) قد استقالت بسبب إحباطها من تقاعس "مجلس الأمن" عن اتخاذ أي إجراء فعال بشأن سوريا، لكن توقيت استقالتها ألقى الضوء على قضية الإفلات من العقاب.. لقد تم الحفاظ على وضعٍ ما خلال السنوات الماضية، وهذا ما جعل جرائم الحرب في سوريا ترتكب يومياً ويستمر مسلسلها الدموي على أساس دوري، ليهرب مرتكبوها من المساءلة عن جرائمهم. وفي النهاية لم تتحقق العدالة، ولم تكن هناك محكمة عدل دولية.. إنه شيء يدعو للإحباط والألم، ويدفعنا لتذكر الكلمات التنبؤية لشهيدة الصحافة شيرين أبو عاقلة في رسالتها الموجهة للشعب السوري بتاريخ 12 ديسمبر 2016 على خلفية المجازر التي شهدتها أحياء حلب الشرقية: "نود أن نعبر لكم عن محبتنا العظيمة في هذا الظرف الأليم، ولكننا نتمنى عليكم أن تتوقفوا عن استصراخنا، لأننا لن نحرك ساكناً، فلا الجثث المتناثرة في الشوارع ولا دموع وصرخات الأطفال ولا أنات النساء والرجال، ولا كل الجرائم المرتكبة بحقكم ستحرك ضمير العالم. عتبنا عليكم كبير، ألم تأخذوا العبرة ممن سبقكم، فمنذ ما يقارب السبعين عاماً، ونحن (الشعب الفلسطيني) نستصرخ العالم فيما الاحتلال ينهش جسدنا ويلتهمنا ويقضمنا لقمة لقمة، لذلك أغمضوا أعينكم وناموا ألف عام، من يدري قد تستيقظون يوماً ما في زمن غير هذا الزمن، تحكمه شريعة الغاب، لعل فيه ذرة من ضمير"!

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة