أهم الأخبار

 

الأكاديمي.. لماذا يفر من مشكلات الحياة؟

مقال اليوم || أورينت نت - د. أحمد برقاوي 2022-05-22 06:27:21

الدكتور أحمد برقاوي
الدكتور أحمد برقاوي

جاءت محاورة هيبياس الأكبر لأفلاطون: على لسان سقراط" لكن قل لي يا هيبياس، ما السبب الممكن الذي يجعل أولئك القدماء المشهورين بحكمتهم، أو يجعل أغلبهم مثل: بيتاكوس و بيأس وطاليس الميلي ولاحقيهم حتى أناكساغوراس ينعزلون بعيداً عن قضايا العامة؟ "

فيجيب هيبياس "أي سبب تريده يا سقراط، إن لم يكن عجزهم وعدم امتلاكهم من الذكاء ما يؤهلهم للاشتغال في قضايا المدنية والقضايا العامة معاً "( أفلاطون - هيبياس الأكبر -ترجمة علي نجيب إبراهيم . ص.20)  يعود هذا السؤال إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وهناك من يعتقد بأن هذه المحاورة قد كُتبت سنة 339 ق.م. 

ما الذي يحملنا على طرح السؤال الأفلاطوني مرة أخرى حول علاقة الأكاديمي بالشأن العام بعد ألفين وخمسمائة سنة على طرحه من قبل أفلاطون على لسان سقراط؟ 

إنه الحالة نفسها التي نعيشها اليوم والتي نشهد فيها فرار أكثر الأكاديميين من مشكلات الحياة. ولا شك بأن هؤلاء لا يرقون أبداً إلى الأسماء التي ذكرها سقراط أمام هيبياس.

ماذا نقول في هذه المرحلة من انفجار العالم والعالم العربي عن الأكاديميين السعداء بقفصهم الجامعي وأسواره، يفتخرون بلقب الدكتور الأثير لدى العامة ودون أن يكون لهم حضور في تناول مشكلاتنا الوجودية.

هذا لا يعني أنّ الأكاديمي المحترف لا قيمة له في الحياة الجامعية؛ بل على العكس من ذلك، فالأكاديمي المحترف الذي يتابع اختصاصه بكلّ جديده، ويقدّمه لطلابه على أكمل وجه، يقدّم خدمةً جليلةً لهم.

لكنّ الطامة الكبرى، إذا امتلأت الجامعة بجمهور من "الأساتذة" الذين لا علاقة لهم بالحياة المعرفية الأكاديمية، ويحملون كمية من الجهل تكفي لتدمير الحياة الجامعية .

في كلّ الأحوال، ليس حديثي عن هذه الكارثة الكبرى، إنّما سؤالي عن ظاهرة الأكاديمي الفقير، الذي هو أشبه بخزان معلومات، فهو كالتقنيّ، لا يحوّل معرفته إلى أساس لقول جديد. هذا التقنيّ الأكاديميّ، رغم ضرورة وجوده في الجامعة، لكنّه ليس ابناً للحياة، فيما الأكاديمي الذي يملك المعرفة، ويستطيع أن يجعل من المعرفة أساساً لقول جديد: قول في العالم المعيش، هو الذي ينتمي إلى الحياة امتثالاً لحاجة الحياة، وأنا هنا أستخدم مفهوم الحياة بالمعنى الشامل للكلمة: بالمعنى السياسيّ والفكري والمجتمعي والشعري والأدبي والمستقبلي والمشروع. وهذا هو الذي يساعد في تحقيق الأكاديمي معادلة الأكاديميّ والمثقف معاً، فالأكاديمي الذي يبقى داخل أسوار الجامعة، ولا يقدّم للحياة، بالمعنى الذي أشرت إليه، لا ينتمي إلى صنف المثقفين.

فحياتنا لا تحتمل أكاديمياً فلسفيّاً، يعرف ما قاله أفلاطون وأرسطو وكانط وهيجل وماركس هيدجر وسارتر ...إلخ، ويلقّن طلابه ما يعرف فقط، وليس له مشاركة في الهمّ المعرفي والاجتماعي. إنّ عالماً يعيش التجزئة والتخلّف، وفقدان الذات، وموت الأنا، أو غيابها، يحتاج إلى ذلك المثقف المنتمي، لا إلى الأكاديمي الذي يقبع داخل أسوار الجامعة، خالياً من الهم العام. فكيف الذي لا يعرف أصلاً المبحث الذي تخصص فيه؟!

الأكاديمي المبدع هو الذي ينتج المعرفة استناداً إلى مبدأ القطيعة، إنّه الذي يقرأ وينسى ليجدّد. أقول هذا القول، وأنا أرى اليوم آلاف الأكاديميين، الذين لا صوت لهم، ولا حسّ في عالم معيش يغلي بالتحولات والصراعات والاختلافات، ليس على المستوى العربي فقط، إنّما على مستوى العالم .

وهناك فرق كبير بين أكاديميي التذكر وأكاديميي الإبداع؛ فأكاديميّو التذكّر ليسوا سوى حفظة لمعرفة كانوا تعرفوا عليها دراسةً، ثمّ راحوا يتذكرونها لتقديمها إلى الطلاب، حتى كتبهم لم تكن سوى تذكّر وإحالات، بعضها بين قوسين وبعضها بلا أقواس، وهذا ما أطلقت العرب عليه مصطلح "التقميش".

أمّا الأكاديمي المبدع؛ فهو الذي ينتج المعرفة استناداً إلى مبدأ القطيعة، إنّه الذي يقرأ وينسى ليجدّد، وبئس جامعة لا تهب لصاحبها أجنحة للطيران خارج أسوارها، فحياتنا تحتاج إلى الأكاديمي المثقف، لا إلى الأكاديمي الأصم.

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات