سوريا تحتاج ماسحَ أحذية!

أيمن الشوفي 2022-05-21 07:18:13

صورة تعبيرية

يمضي النظام السياسي السوري في معانقة مزيد من الصور المكيافيليّة بصيغتها الرثّة والأكثر قتامة، وهذه استفاضةٌ جديدة تدفعه لتسمين هواجس بقائه بالرغم من كل ما حصل، فنجده يميل دوماً إلى تمكين مراكز النهب الجديدة بصيغتها الطفيلية، وتعزيز نفوذها سواء داخل جسم دولته وهي دولة أمنية هزيلة على أي حال وليست دولة مؤسسات، أو خارجها حيث كثرٌ من الذين قلّدهم أوسمة أثرياء الحرب بامتياز، شركاؤه الأوفياء في مسيرة التخريب والتدمير المبهجة للغاية. وفي أعلى هرم السلطة ترتفع الرايات المتحالفة لطوقٍ ضيّق من اللصوص الذين ذاع صيتهم بإتقان الجباية الرخيصة بهدف إعادة تمركز الثروة بين أيديهم، ونهب جيوب الناس، وقطع دورة رأس المال الحقيقية المتمثلة بالإنتاج والاستهلاك المحليين من خلال إفقار المجتمع وحذف الطبقة الوسطى كلياً من مكوناته، والتضييق على أصحاب المعامل، بل وتشجيعهم على مغادرة بلاد لم يعد أحدٌ يطيق العيش فيها، أو يعتقد بأنها وطن.

سوريا سوقٌ سوداءُ فاحشة 

لعل صيغة المحاصصة الأوليغارشية بين مكونات الطغمة المالية السياسية في سوريا هي التي تجعل هذا النظام يستسيغ إطالة أمد مكونات الظرف السياسي الاقتصادي بصورته الراهنة، فهذا الركود العام يعجبه، بل ويتطابق مع مصلحة مكوناته بأطيافها المختلفة، والتي أجادت كل أنماط النهب الممكن تخيّلهُ بحيث أصبحت السوق السوداء هي السوق الحقيقية في سوريا، وهذا تحقق عندما أُحيلت إليه أغلب عمليات بيع وشراء السلع الأساسية وأولها المحروقات بعد إخراج شرائح واسعة من الدعم الحكومي خلال الربع الأول من العام الحالي، وثانيها مخرجات كل أسواق التجزئة بعدما صارت محمّلة بإتاوات حواجز مرتزقة أجهزة النظام، وبالإتاوات والضرائب الرسميّة المباشرة وغير المباشرة. فسوريا هي السوق السوداء التي تتسع مكوناتها كل يوم لترحّب بالجميع، وفي هذا تجلٍّ جاد لمنطق النظام في إدارة الشأن العام، بحيث تكون السوق غير الشرعية (السوداء) هي السوق الشرعية في مناطق سيطرته مثل وجوده غير الشرعي تماماً، والذي يتضمن أيضاً العديد من الحيل ذات الأثر الاقتصادي المدمر كالتنازل عن الاستثمارات السيادية في قطاعات النفط والفوسفات والغاز والصناعات التحويلية والاتصالات لدول دعمت وجوده غير الشرعي مثل روسيا وإيران، تلك الصفقات غيرُ الشرعية السوداءُ الهادفة إلى بقائه حيّاً حتى اللحظة، وإن كان ذلك لن يفضي إلا لسيادة طغمة ناهبة على مجموعة خرائبَ عمرانية وبشرية على السواء.        

الأمل بالعمل نكتة، الأمل بـ "لولا" حقيقة! 

عندما وصل لولا دا سيلفا الذي عمل يوماً ما ماسح أحذية إلى رئاسة البرازيل عام 2003، كانت بلاده تحتضر حدَّ الانهيار، إذ صُنّفت حينها بأنها الدولة الأكثر فساداً وطرداً للمهاجرين، والأعلى في معدّلات الجريمة وتعاطي المخدرات، والأكثر مديونيةً في العالم، لكن رئيسها لولا دا سيلفا كان رجلاً حقيقياً، لا يزور دور أيتام، أو يتصور "سيلفي" في دور عبادة، ولم يظهر مرّةً يأكل في الشارع برفقة عائلته ليستعرض أنه قريبٌ من الناس وهو عدوهم بحق. كان ابن بلد، لا دمية مضحكة تحركها بازارات الفرجة الدولية، وإملاءات دولِ احتلال ووصاية.

لولا دا سيلفا ببساطة أعاد أحياء الطبقة الوسطى في البرازيل، فخصص نصفاً بالمئة من الناتج القومي كإعانات اجتماعية مباشرة تقدّمها الدولة على هيئة رواتبَ شهرية للشرائح الفقيرة من السكان، بحيث شمل برنامج الإعانات ذاك نحو 11 مليون أسرة، أي نحو 64 مليون برازيلي، واستطاع رئيس البرازيل تمويل برنامجه للإعانات الاجتماعية عن طريق رفع الضرائب على الشرائح الاجتماعية غير المشمولة بالدعم، بالمقابل منح تسهيلات استثمارية وائتمانية كبيرة لرجال الأعمال والصناعيين البرازيليين، أي إنه أعاد توزيع الدخل القومي بصورة أكثر عدالة من جهة، ومن جهة ثانية أعاد الاعتبار لدورة رأس المال بين حلقتي الإنتاج والاستهلاك، ممعناً في التركيز على قطاعات الإنتاج الحقيقي مثل قطاع الزراعة، وقطاعي الصناعات الخفيفة والثقيلة، وقبل كل ذلك أولى مجهوداً خاصاً للنهوض بقطاع التعليم وربطه فعلياً مع سوق العمل، وهذا مكّن البرازيل من سداد كامل ديونها الخارجية المترتبة عليها تجاه صندوق النقد الدولي، بل وإقراضه 14 مليار دولار عام 2008، وفي آخر سنةٍ من ولاية لولا دا سيلفا الرئاسية صارت البرازيل سادس أغنى دولة في العالم.

مثل ذاك الرجل الحرّ الذي تمكّن من إعادة بناء اقتصاد بلد كامل في ثماني سنوات، استطاع أيضاً أن يقول وببساطة: "البرازيل ستنجب مليون لولا، ولكنها لا تملك سوى دستورٍ واحد" قال ذلك بعدما رفض تعديل دستور بلاده ليبقى في الحكم أكثر من ولايتين رئاسيتين نزولاً عند رغبة الناس.

أما نحن فنطلُّ على سوريا من داخلها أو من خارجها لنبكي فقط مقتلها، وقاتلها يطلُّ عليها كلَّ يوم ليمتدح خرابها ويتباهى به، ثم يقول ببساطة: "هذا ما استطاعت فعلَه يداي، فسوريا بمقدورها أن تنجب مليون دستور ودستور، ولكنها لا تملك سواي!!". 

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات