موسم ( الترحيل ) إلى الشمال!

أورينت نت - غزوان قرنفل 2022-05-16 06:54:07

صورة تعبيرية

على الرغم من أن الوجهة جنوباً لكن المحطة النهائية هي شمالاً حقا .. ولعلها واحدة من العجائب التي اكتنفت حال السوريين خلال العقد المنصرم أن يتوجه الإنسان جنوباً ليجد نفسه وقد حط الرحال به في الشمال . 

في تأكيد قاطع لما نشرته صحيفة ( تركيا ) مؤخراً وما هو متداول على ألسنة السياسيين الأتراك وأنصافهم صرّح الرئيس أردوغان يوم  3 \ 5 \ 2022 أن حكومته تعمل على تنفيذ برنامج عودة طوعية لمليون لاجئ سوري في تركيا إلى مناطق شمال سوريا، وأن مؤسسات دولية وحكومية وغير حكومية تعمل على بناء وحدات سكنية وتأهيل البنية التحتية التي يحتاجها نقل هذا العدد الكبير من اللاجئين لإعادة توطينهم في تلك المنطقة .

  والحقيقة أن تلك الخطوة لم تكن مفاجئة - وإن كانت صادمة – فالسياق العام للسياسات التركية المتعلقة باللاجئين السوريين وأوضاعهم القانونية ، فضلاً عن تصعيد الخطاب العنصري غير المسبوق على مستوى قطّاع غير قليل من المواطنين الأتراك تجاه وجود السوريين  ، كلها تشي بحتمية الوصول لتلك النتائج، فالحكومة التركية التي تعاني من أزمات اقتصادية وتضخم هائل لأسباب مختلفة ذاتية وموضوعية قبيل انتخابات شاملة ( بلدية وبرلمانية ورئاسية ) لم تكن لتسمح بتراجع أكبر في شعبيتها بسبب قضية اللاجئين، خصوصاً أنها ماتزال تعاني إلى الآن آثار خسارتها لبلديتي إسطنبول وأنقرة وهما بيضة القبان في مؤشرات توجه الرأي العام. 

وما تزال ترى أن خسارتها لهما كانت بسبب ما تعتقده أنها دفعت ثمناً لسياسة محاباة اللاجئين السوريين، وبالتالي فإن إعلان خطتها الآن المتعلقة بترحيل ما بين مليون ونصف مليون سوري تحت مسمى ( العودة الطوعية ) إلى مناطق تقع تحت سيطرتها في الشمال السوري تحاول دائماً أن تضفي عليها مسمى المنطقة الآمنة، ليست إلا محاولة منها لانتزاع ورقة اللاجئين من أحزاب المعارضة ،والمزايدة عليهم فيها ولو على حساب اللاجئين السوريين أنفسهم بهدف تحسين حظوظها الانتخابية وتعزيز تفوقها على أحزاب المعارضة حتى الآن  . 

  وفي سياق آخر لايمكن فهم تلك الخطوة إلا ضمن سياق عملية إعادة التموضع للسياسة الخارجية التركية مؤخراً لتتناغم وتكون أكثر انسجاماً مع السياق العربي والإقليمي العام الذي يسعى ويشتغل على إعادة إدماج النظام السوري ضمن المنظومة العربية ومحيطه الإقليمي تمهيداً لمسعى إعادة تعويمه على المستوى الدولي وهو سياق يلقى ترحيباً ودعماً رسمياً عربياً وإقليمياً ومباركة صامتة - أو لامبالية - دولياً  . 

  لايمكن التعاطي مع الخطوة التركية بشأن اللاجئين بمعزل عن تداعياتها على أوضاع اللاجئين السوريين في لبنان والأردن والعراق وهي الدول التي تبدي مزيداً من التبرم تجاه وجود اللاجئين على أراضيها وتسعى على نحو محموم لإعادتهم إلى سوريا بصرف النظر عما يحيق بهم من مخاطر تتعلق بسلامتهم الجسدية والنفسية وأمنهم وأمانهم العائلي .. ولايمكن النظر إلى تلك الخطوات إلا بوصفها انتهاكاً لحقوق الإنسان ولكافة المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق اللاجئين وضمان سلامتهم وحمايتهم ورفض إعادتهم القسرية وانتهاكاً حتى لالتزامات تلك الدول بتلك المواثيق .

  لكن بكل أسف ندرك متأخرين دائماً أن المصالح تطيح بالأخلاق وتعلو على القوانين، وهاهم اللاجئون السوريون يدفعون اليوم فاتورة صراع سياسي داخلي تركي لا ناقة لهم فيه ولا جمل .. ويدفعون ثمن خطاب وسلوك عنصريين لم يتم ضبطه ومساءلة مرتكبيه مبكراً، وترك ليتمادى ضد اللاجئين بشكل غير مسبوق لدرجة باتت تشي بمخاطر حقيقية يمكن أن تنال في لحظة ما من سلامتهم الشخصية وسلامة ممتلكاتهم  . 

  إن إصرار الحكومة التركية على تسمية برنامجها الأخير ( بالعودة الطوعية ) لايجعل منها كذلك،وهي لاتعدو عن كونها محاولة لطمس الحقائق وتزييفها وهي تلقي بهؤلاء اللاجئين خارج حدودها عنوة  . 

  فأي عودة لا تصدر عن الأشخاص بإرادتهم الحرة بلا ضغط أو إكراه وقبل إنجاز حل سياسي شامل وبناء سلطة انتقالية تضمن للناس أمنهم وسلامتهم وكرامتهم وعودتهم لمدنهم وبلداتهم وتلجم العصابات والميليشيات وتنزع سلاحها هي بالضرورة عودة غير آمنة وغير طوعية بل هي إعادة قسرية لبشر حاولوا التماس ملاذ آمن لأنفسهم ولأطفالهم وأسرهم لكنهم مع الأسف لم يحصلوا إلا على السراب .

 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة