رحيل ناصر وردياني: برز في دراما البيئة الحلبية واستغله أيمن زيدان لكسر أجور الفنانين!

محمد منصور 2022-05-15 15:01:04

الممثل السوري ناصر وردياني

أعلن في مدينة حلب اليوم (15/5) عن وفاة الفنان السوري ناصر وردياني.. أحد الوجوه التمثيلية التي برزت تلفزيونياً في تسعينات القرن العشرين، مع موجة مسلسلات البيئة الحلبية، والتي كان من أبرز نماذجها: (خان الحرير) و(الثريا) و(سيرة آل الجلالي) لهيثم حقي، و(عرس حلبي) لمأمون البني، و(باب الحديد) لرضوان شاهين.

ولد الفنان ناصر وردياني في الحادي والعشرين عام 1951 في مدينة حلب وهو الشقيق الأصغر للفنان السوري الراحل رياض وردياني الذي توفي في كندا عام 2017.

بدأ مسيرته الفنية في نهاية ستينات القرن العشرين عندما شارك في العديد من العروض المسرحية لصالح المسرح القومي بحلب، وفي بعض المسلسلات والبرامج الإذاعية في إذاعة حلب.. وانتسب إلى نقابة الفنانين عام 1987.

أيمن زيدان وسياسة كسر أجور الممثلين!

بقي اسم ناصر وردياني متداولاً في مدينته حلب وبين جمهورها المسرحي حتى اتجه منتجو الدراما التلفزيونية إلى الاستفادة من الجيل الثاني من فناني حلب بعد فورة الإنتاج الدرامي في تسعينات القرن العشرين، وكثرة الأعمال والمسلسلات التي كانت تنتج وتصور في تلك الفترة... وكانت الاستعانة بهؤلاء الفنانين تجديداً فنياً لدى البعض، ونوعاً من التوفير في تكاليف الإنتاج لدى البعض الآخر بسبب كون أجورهم أقل ارتفاعاً من النجوم المعروفين من جيل الرعيل الأول من فناني حلب كسليم صبري وعمر حجو ورضوان عقيلي وعبد الرحمن حمود وسواهم ممن كانوا يقيمون في دمشق أو يتنقلون بين دمشق وحلب منذ ستينات القرن العشرين.

الأدوار التلفزيونية الأولى لناصر وردياني في مسلسلات (نهاية رجل شجاع، الجوارح، أخوة التراب) بين عامي 1993- 1996، كانت كلها مع شركة الشام الدولية التي كان يملكها نجل عبد الحليم خدام الأصغر، ويديرها الممثل أيمن زيدان الذي كان يطبق سياسة كسر أجور زملائه الفنانين، فوجد في الاستعانة بفناني حلب وسيلة أخرى لتحقيق ذلك.. وقد عمد للاستعانة بهم بتراب الفلوس مستغلاً بعدهم عن مركز العاصمة، ومحققاً هدفه الانتهازي بتبييض صفحته أمام مالك الشركة باسم خدام ابن نائب رئيس الجمهورية آنذاك الذي انبهر بقدرة زيدان على تخفيض تكاليف الإنتاج أكثر مما كان يتمنى. والسبب أن زيدان لم يكن يعبأ إن كان هذا التوفير على حساب استغلال جهود زملاء الفن وحاجتهم للعمل في مجال جديد أم لا. 

بصمة الدراما التاريخية

هذا الاستغلال الذي تعرض له فنانو حلب في شركة الشام الدولية تحديداً أيام إدارة أيمن زيدان لها، لا ينفي بالطبع أن ناصر وردياني، وكذلك شقيقه رياض وردياني وباقي فناني حلب كبشار القاضي وأحمد الحداد وفايز أبودان كانوا فناني مسرح مخضرمين وذوي قدرات فنية عالية.. ولهذا كانت إجادة ناصر وردياني للعربية الفصحى فضلاً عن حدة ملامحه، وطابع الجدية في مظهره العام، جواز مروره إلى العديد من المسلسلات التاريخية وأبرزها (العبابيد) تأليف رياض سفلو، وإخراج بسام الملا، وإنتاج التلفزيون السوري عام 1996 و(الزير سالم) تأليف ممدوح عدوان وإخراج حاتم علي وإنتاج عام 2000 و(صلاح الدين الأيوبي) تأليف وليد سيف، وإخراج حاتم علي وإنتاج عام 2001 ومسلسل (هوكو) تأليف رياض عصمت وإخراج باسل الخطيب، وإنتاج 2002 ومسلسل (عمر الخيام) تأليف غسان الجباعي وإخراج شوقي الماجري (2002) فضلاً عن أدائه لدور أبي جهل في مسلسل (خالد بن الوليد) الذي كتبه عبد الكريم ناصيف وأخرجه محمد عزيزية وأنتج عام 2007.

ابن البيئة وفنانها

الحضور الحقيقي لناصر وردياني تكرس مع موجة دراما البيئة الحلبية التي أصبح دعامة من دعاماتها كما رأينا في مسلسلات (باب الحديد) إخراج رضوان شاهين 1997 و(العرس الحلبي) تأليف عبد الفتاح قلعه جي وإخراج مأمون البني 1996 و(الثريا) تأليف نهاد سيريس وإخراج هيثم حقي عام 1997 و(سيرة آل الجلالي) تأليف خالد خليفة وإخراج هيثم حقي عام 2000 و(كوم الحجر) مع المخرج رضوان شاهين 2007.

في هذه الأعمال بدا ناصر وردياني ابن البيئة وفنانها.. لم يكن أداؤه يعتمد على إجادته التامة للّهجة الحلبية فقط، بل على الإحساس بخصوصية البيئة المعاشة، والسعي لتكريسها بنسيج متكامل وعبر أداء درامي بعيد عن الافتعال والتصنع على الشاشة.

والطريف أن شقيقه رياض كان يتمتع بملامح دافئة تجعله أقرب إلى الأدوار الشعبية والشخصيات الخيّرة، بينما كانت ملامح ناصر تميل إلى الحدة والصرامة.. التي أهّلته لنوعية أخرى من الأدوار لا تتقاطع مع فرص شقيقه. ولهذا نرى أنه بينما أدى رياض وردياني في فيلم (تراب الغرباء)، شخصية النائب في مجلس المبعوثين (نافع الجابري) الذي كان يأمل بإصلاح الدولة العثمانية، أدى ناصر وردياني شخصية قائد الجند المتصلب في التعامل مع الاحتجاجات في الفيلم نفسه.  

من سينما التنوير إلى سينما التزوير

في السينما شارك الفنان ناصر وردياني في العديد من الأفلام بدءاً من فيلم (تراب الغرباء) الذي روى فيه المخرج الحلبي سمير ذكرى سيرة المفكر التنويري البارز عبد الرحمن الكواكبي.. معتمداً على رواية بالعنوان نفسه للروائي الحلبي فيصل خرتش، ومن إنتاج المؤسسة العامة للسينما عام 1997.

 كما كان له دور هام في فيلم (التجلي الأخير لغيلان الدمشقي) تأليف وإخراج هيثم حقي عام 2008 ومن بطولة النجم فارس حلو...  

وفي كلا المشاركتين الهامتين كان ناصر وردياني – بغض النظر عن حجم الدور- يشارك في سينما التنوير، والحديث عن الحرية والكرامة قبل أن ينتقل إلى سينما التزوير وممالئة الطغاة.. ويمكن اعتبار مشاركته السينمائية الأخيرة  في فيلم (دمشق حلب) مع دريد لحام ومن إخراج الفلسطيني الموالي لنظام الأسد باسل الخطيب، هي أسوأ ظهور سينمائي له على الإطلاق.. وخصوصاً أن مشاركته تأتي في سياق الجهود التي يبذلها باسل الخطيب لتقديم فنّ مزور يدافع فيه عن إجرام الأسد ويبرر حرب الإبادة التي شنّها ضد الشعب السوري عبر استخدام القمع والسجون والقتل في المعتقلات والكيماوي والقصف المدفعي والجوي.. الذي يعمد باسل الخطيب بكل انحطاط وخسة لتجاهله والحديث عن إرهاب فئات أخرى تتوافق مع رواية النظام.

مشاركات ختامية هزيلة!

تضاءل حضور ناصر وردياني بعد تعثر الإنتاج الدرامي خلال سنوات الثورة السورية الأولى، قبل أن يعود للمشاركة في العديد من الأعمال الفنية الرديئة التي انحدر فيها الفن على يد شبيحة نظام بشار الكيماوي.. وخصوصاً في أعمال البيئة الدمشقية التي مثَّلَ في العديد من نماذجها المتهافتة نصاً وإخراجاً وأداء، ومن أسوئها (بروكار) إخراج محمد زهير رجب الذي أخرج الجزء الحادي عشر من (باب الحارة) بعد انتزاعه من مؤسسه الفني المخرج الراحل بسام الملا.. وكلاهما من إنتاج المخرج الأمي محمد قنبض.. وفي كل الأحوال كان ناصر وردياني فناناً متمكناً من أدواته، يؤدي الأدوار التي توكل إليه باهتمام وإخلاص دون أي طموح لجعل مساحتها أو تأثيرها أكبر.. ويمكن القول إنه ترك بصمته في تجسيد أدوار وشخصيات تاريخية متفاوتة الأثر.. وجسد محاولة لتقديم نشاط فني متميز من خارج محيط العاصمة التي نجح أن يكون اسماً متداولاً بين شركات الإنتاج فيها بالنهاية.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات