مجزرة التضامن: نظام الأسد بدون أقنعة أو مساحيق تجميل

أورينت نت - ماجد عزام 2022-05-11 07:11:23

مجزرة التضامن

أكد فيديو جريمة التضامن ما عشناه ونعرفه جميعاً عن نظام بشار الأسد الذي ظهر على حقيقته بدون أقنعة أو مساحيق تجميل، بينما بدت الجريمة بحد ذاتها حافلة بالدلالات أيضاً إن فيما يتعلق بطبيعتها وحيثياتها أو دلالات الزمان والمكان ثم التداعيات والاستنتاجات المتعلقة بمصير النظام نفسه، كما المشهد في سوريا بشكل عام.

بداية نحن أمام جريمة قتل بدم بارد لمدنيين عُزّل رغم أنهم ليسوا متظاهرين ولا حتى معتقلين - هذا لا يبرر قتلهم أصلاً - وإنما مجرد مارّين وعابري سبيل، كانوا يمارسون أو يسعون لممارسة حياتهم العادية قدر استطاعتهم وسط ظروف العسكرة والقتل والبطش والتنكيل التي اعتمدها النظام منذ بداية الثورة لإجهاضها أو للانتقام من مؤيديها وأنصارها، علماً أنهم يمثلون الغالبية العظمى من السوريين.

بشاعة الجريمة تبدت كذلك في قتل العُزّل والأبرياء بأجواء من المرح والسخرية، وارتكابها دون أي اكتراث لمشاعر الضحايا الإنسانية وشعورهم بالأمان ولو نسبياً مع تخطي الطريق أملاً بإطلاق سراحهم كونهم لم يقترفوا أي ذنب أصلاً، مع عدم مراعاة أو حتى اهتمام بوجود آباء وأبناء وإخوة وأقارب وعائلات بينهم.

بشاعة الجريمة وصلت بعد القتل بدم بارد وغادر إلى حد حرق الجثث - مع افتراض احتمال وجود أحياء بينهم - ليس فقط لإخفاء معالم الجريمة وإنما الانتقام أيضاً في تعبير لا يقبل الشك أو الجدل حول نظرة النظام - العصابة الحاكمة للمعارضين وحتى للمحايدين ممن رفضوا الاصطفاف أو الانحياز إلى رواية النظام وممارساته وليسوا من بيئة النظام الحاضنة أو سوريا الطائفية المتجانسة حسب تعبير بشار الأسد نفسه.

البشاعة حضرت كذلك في ردم الحفرة على جثث الضحايا دون أدنى احترام لقدسية وحرمة الموتى، ثم المضي قدماً في الجرائم نفسها وكأن شيئاً لم يكن، علماً أن ثمة شهوداً كثراً تحدثوا علناً - وآخرين تواصلوا معي شخصياً - عن جرائم مماثلة في المنطقة نفسها أي حي التضامن ومحيط مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بشكل عام.

لا بد من الانتباه بالطبع إلى البعد بل الجوهر الجماعي للجريمة، حيث لم يعترض أحد من أفراد الحاجز - أحدهم قال مازحاً ألم تشبع من القتل – ولا حتى حديث عن رفع الأمر للمسؤولين في فرع المخابرات، وكما أقرّ المجرم نفسه فقد جاء تصرفه ضمن أداء واجبه المزعوم، وهكذا تصرف ويتصرف الجميع حسب تعبيره أيضاً دون أن يرف له ولهم جفن.

في السياق نفسه نفى المجرم التهمة عن أفعال المخابرات والتمييز عن الجيش، مؤكداً على أن المنظومة السلطوية والعصابة الحاكمة كلها تتصرف بنفس الذهنية الإجرامية، والكل تصرف ويتصرف مثل الجيش حسب تعبيره الذي تحول أصلاً لعصابة وميليشيا وارتكب ولا يزال جرائم حرب موصوفة وموثقة ضد السوريين.

بمعنى أن التصرف ليس فردياً بأي حال من الأحوال، فهو لم يتصل مع أي من رؤسائه، لم يرفع تقرير، ولم تجرِ أي جهة رسمية تحقيقاً في جريمة القتل لمجرد القتل المعبرة في الحقيقة عن الذهنية الوحشية للنظام.

وفيما يخص زمن ارتكاب الجريمة "نيسان 2013" فقد جاء معبراً هو الآخر عن عصبية النظام وتشنجه بعد الثقة الوهمية التي تصرف بها في الأسابيع والشهور الأولى للثورة، ثم يأسه من هزيمتها أو كسر الثوار وفرض الاستسلام عليهم. وهي حدثت بعد استخدام كافة جرائم القتل في سوريا التاريخية العظيمة من قتل واغتصاب وتهجير واستخدام السلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة والصواريخ الثقيلة طويلة المدى.

 أما فيما يتعلق بالمكان "حي التضامن" المجاور والملاصق لمخيم اليرموك، حيث امتزج الدم الفلسطيني والسوري ولا تمييز من قبل المجرمين بين أي منهم طالما أنه ضد أو غير محسوب على النظام والعصابة الحاكمة، علماً أن الحاجز نفسه وحواجز أخرى مماثلة كانت جزءاً من العقاب لمخيم اليرموك والفلسطينيين بشكل عام كونهم تصرفوا بصفتهم مكوناً طبيعياً وأصيلاً من النسيج الشعبي والاجتماعي في سوريا العظيمة.

فلسطينياً؛ أيضاً صمتت التنظيمات والقيادات الفلسطينية عن الجريمة رغم معرفتهم بها وبجرائم أخرى مماثلة كما بتصرفات وممارسات النظام ضد اللاجئين بما في ذلك قصف مخيم اليرموك نفسه بالطائرات الحربية قبل ذلك. كما صمتت أيضاً عن عسكرة المخيم من قبل تنظيمات وميليشيات وشبيحة تابعين للنظام وأجهزته الأمنية ومؤتمرين بأمره مباشرة للانخراط في القتال ضد الثوار في المحيط، وفي السياق منع الأهالي من استضافة وإيواء النازحين والمهجّرين من مناطق سورية ثائرة أخرى.

القيادات الفلسطينية نفسها لم تبدِ أي ردة فعل على الفيديو، ليس فقط سياسياً وإنما إعلامياً، ولم تسمح حتى بإجراء نقاش واسع حولها لا حزبياً ولا تنظيمياً.

أما فيما يتعلق بتوقيت نشر الفيديو بالتزامن مع الغزو الروسي لأوكرانيا فلا عجب كون جيش الاحتلال الروسي يتبع نفس التكتيكات التي اتبعها والنظام التابع له في سوريا، علماً أن الفكرة الأساسية للغزو تمثلت في استنساخ نظام أوكراني شبيه بنظام الأسد.

في السياق نفسه لابد من الإشارة إلى أن جرائم النظام هي أصلاً نتيجة الذهنية الاستبدادية التي تعلمها من الاتحاد السوفييتي الساقط ثم خضوعه للوصاية الروسية الكاملة منذ سبع سنوات تقريباً، وتحوله إلى ما تشبه الذراع البرية لجيش الاحتلال الذي اتبع سياسة الأرض المحروقة في سوريا قبل أوكرانيا. 

في التوقيت أيضاً تزامن نشر فيديو الجريمة مع مساعي ومحاولات تعويم النظام والتطبيع معه تحضيراً لإعادته إلى الجامعة العربية والمجتمع الدولي وواضح أن الجريمة "كما الغزو الروسي لأوكرانيا" أعاقت المخطط ووجهت ضربة قاصمة لتلك المساعي الفاشلة أصلاً.

قبل ذلك وبعده يجب الانتباه جيداً إلى غياب أي رد فعل علني من النظام تجاه الفيديو والجريمة حيث لا  نفي أو إنكار أو حتى تشكيل لجنة تحقيق صورية، بينما شهدنا ردّ فعل غير مباشر و للدقة  تحايل وتذاكي عبر قرار العفو المزعوم والإفراج عن عشرات أو حتى  مئات من عشرات بل مئات آلاف المعتقلين والمخفيين قسراً في مشهد أكّد مرة جديدة طبيعته الإجرامية وتجاوزه لكل القوانين والمواثيق الإنسانية والقانونية ذات الصلة.

وبالنسبة للاستنتاجات أيضاً فلابد من المضي قدماً في توثيق الجرائم تمهيداً لمحاسبة النظام عنها بشكل فردي وجماعي من قبل الضحايا إلى حين تولّي محكمة دولية الملف برمته كما حصل في يوغسلافيا ورواندا وسيراليون قبل ذلك.

في الأخير باختصار وتركيز، أكد فيديو الجريمة وفيديوهات أخرى مماثلة عشناها وشاهدناها جميعاً حقيقة النظام المجرم والبشع، كما قدم دليلاً إضافياً على أحقية ومصداقية الثورة وحتمية بل ضرورة المضي فيها قدماً حتى الانتصار الموعود، وبمناسبة الحفرة فقد وقع النظام فيها أصلاً منذ بداية الثورة، وكلما أراد الخروج منها بجرائم حرب موصوفة ضد الإنسانية سقط فيها أكثر نحو مصيره المحتوم وزواله الأكيد.

• باحث وإعلامي

 

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة