معتقلو مسالخ الأسد: من دراما كسر العظم إلى صور كسر القلوب!

محمد طه العثمان 2022-05-10 07:13:37

معقتقلو مسالخ الأسد

مع بداية الثورة حشد النظام كل طاقاته الإعلامية لتشويه صورة المتظاهرين وجعلهم عملاء وخونة، مندسين ومخربين، كان يظهر المعتقل على شاشة النظام لا حول له ولا قوة؛ يمثل الدور المطلوب منه بكل انصياع، في جعل نفسه متآمرا وخائنا للدولة التي أطعمته من خيرها، ثم ينهي المذيع المخابراتي مقابلته مع المعتقل بأن يجعله يطلب "العفو" من جلاده الذي ثار عليه، في صورة بالغة البشاعة والقهر.

ومن جديد يعود نظام أسد ليمارس هوايته المفضلة في إذلال مواطنيه، وسلبهم كرامتهم في أبشع أسلوب وطريقة، حين يعفو القاتل عن الضحية. 

مذيع يمسك كاميرته ويديرها على وَجهيْ معتقلين بريعان الشباب، يقول المذيع المخابراتي بصوت وقح لأحدهما "كم لبثت في الاعتقال"، فيرد الشاب بملامح منكسرة: "خمس سنوات" فيباغته المذيع المخابراتي من جديد: "هيْ طلعتْ بعفو من سيادة الرئيس" ثم يلح عليه كي يشكر هذا الرئيس على العفو، نعم يريد منه أن يشكر جلاده بعد أن سرقوا منه خمس سنوات من عمره عاشها تحت النطع والسوط.

كثيرة هي الصور التي خرجت للعلن سابقاً عن حال المعتقلين؛ بعد أن يكونوا حفاة مجردين من كل شيء، تكسو أجسامهم بضع خرق بالية، يمشون في طابور لا يستطيعون أن يطؤوا الأرض من شدة ما في أقدامهم من جروح، لا يعرفون شيئًا عن أهلهم وذويهم، ثم ينجو البعض ليستعيدوا معالم الحياة، يصفعهم هذا النظام بهذه الطريقة الجديدة من التعذيب هي شكر جلادهم على عفوه عن إكمال جلدهم وتفننه فيه.

لم تتغير عقلية النظام بعد مرور كل هذه السنوات، في اختراع سيناريوهات إخضاع جديدة للسوريين فيجعل المئات بل الآلاف من ذوي المعتقلين ينزلون إلى الشوارع المحاذية لمنطقة جسر "الرئيس" في دمشق، يحتسون ألم الانتظار، ويخمرون قهرهم، علّهم يعرفون أي خبر عن ذويهم المغيبين. فالناس يترقبون وصول أي حافلة ليهرولوا إليها باحثين عن معتقل مفرج عنه يسألونه عن أحبتهم.

تنقل لنا وسائل التواصل الاجتماعي الفيديوهات والصور لمشاهد مؤلمة، لا تكسر العظم، كما تروج مسلسلات النظام الملفقة - بل تكسر القلوب والأرواح. فيصرخون بوجه جلادهم لماذا لا تضعون قوائم بالمفرج عنهم كقوائم الناجحين، فينتظر ذووهم وينفض الآخرون؟

في تلك اللحظات تضيع البوصلة ويصير الأمل يخيط شباكه لمصيدة الوهم؛ إذ صادفني منشور على الفيس بوك لأحدهم يقول "وجدت شابا وصل إلى قرب الجسر بكل ملامح البؤس والضياع فهجمت عليه الجموع. قال لي شابان يقفان على بسطة: يا عمي هاد متشرد منذ سنتين هنا.. فقلت للناس بصوت عال هذه المعلومة.. فعادت الجموع خائبة إلى تحت الجسر تنتظر الفرج".

قصص حزينة ينكأ النظام بها جراح الناس من جديد، نظام لم يعرف يوما قيمة إنسانية أو معنى للرحمة؛ لا على المنتظرين ولا عن المعتقلين الذي خرجوا بعد سنوات قضوها في سجون سرية، فتشي وجوههم المنهكة بالمأساة التي خرجوا منها. مَنْ يراقب صور المفرج عنهم؛ ويمعن النظر في تفاصيلها هل يستطيع أن يتفلتَ من فكرة  كم ذاقوا من القهر والتعذيب والآلام؟!

وسط كل هذا العجز ليس لهم إلا أن ينتظروا وينتظروا ؛ تاركين لنا قسوة المشهد.

يروي أحد الناشطين قصة ابن خاله المعتقل المفرج عنه قبل يومين من سجن صيدنايا سيئ الصيت، بعد أن أمضى أكثر من 10 سنوات، كانت كافية لأن يفقد ذاكرته وينسى كل ما حدث معه قبل تاريخ الاعتقال عدا زوجته؛ فهي الوحيدة التي تذكرها بين كل الجموع التي قدمت لتهنّئه على السلامة.

لا تستغربوا خروجهم على هذه الحال؛ فمع إصابة المعتقلين بالضعف جراء نقص الطعام والهواء النقي والراحة، ومع العيش في أوضاع الاكتظاظ، تنتشر الأمراض بسهولة. صدمة الاعتقال، علاوة على التعذيب المستمر الذي عانى منه كثير من المعتقلين تسببا، أيضا، في ضغوط نفسية، منها حالات أمراض عقلية خطيرة ومنها فقدان الذاكرة. وهنا أتذكر جاء في رواية القوقعة على لسان البطل حين قال (هل سأحمل سجني معي إلى القبر؟ في السجن الصحراوي كان خوفي مزدوجا.. وكانت قوقعتي التي لبدت فيها محتمياً من الخطر، أما هنا ــــ ويسميه السجناء عالم الحرية ــــ فخوف من نوع آخر).

كل هذا الذي يحصل هل فعلاً هدف النظام منه التغطية على مجزرة التضامن وجعل الإعلام يكف الحديث عنها، يا لهول ما نعيشه إذًا؛ بمجزرة جديدة وأسلوب جديد وطريقة أخرى تدمي قلوب مئات الآلاف من ذوي المعتقلين وأحبابهم. ومن بقي لديهم ذرة إنسانية وإحساس.

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة