مسلسل "كسر عظم": رسائل خاطئة للسوريين بعيدة عن الرواية الحقيقية للأحداث!

أورينت نت - نوار الماغوط 2022-05-07 07:23:32

صورة تعبيرية

شاهدنا في السنوات الأخيرة كثيراً من المسلسلات التلفزيونية السورية التي تتناول قضايا الفساد بشكل عام في القضاء والتعليم والجمارك… وهذا يعد تجاوزاً كبيراً في بلدٍ يجرّم مواطنيه على منشور في الفيسبوك ينتقد أداء السلطة التنفيذية بسبب غلاء الأسعار أو فقدان السلع الأساسية في الأسواق..

آخر الأعمال التلفزيونية من هذا النمط هو مسلسل كسر عظم الذي عُرض في موسم رمضان الحالي..

قدّم المسلسل رجال الأمن ورجال السلطة وتجّار الأزمة ..وبعض الشخصيات من المجتمع الذين يحترقون بنار الحاجة.. وهي شخصيات لم تُثِر فينا إلا الكره والقهر والحزن لما آل إليه الوضع المجتمعي السوري، فالمشاهد بوضعه الحالي مشبع بنتائج الكارثة التي يعيش تفاصيلها في كل مكان وكل وقت…ولكن أصحاب المسلسل يريدون أن يخبروه…أو يضلّلوه أن هؤلاء هم المسؤولون عن فقركم وحزنكم وما آلت إليه الحياة في سوريا بعيداً عن العين التي ترعاهم.

هل هذا المسلسل مجرد عمل آخر يضاف إلى سلسلة نوعية هذه الأعمال التي صدرت سابقاً؟، أم إنه يحمل دلالة أقوى من ذلك؟

تدور قصة المسلسل حول شخصية الحكم "أبو ريان" الشخص النافذ بالدولة الذي يستغلّ أقرباءه وكل من يعمل معه من الضباط في الجيش والأمن والجمارك..لتمرير أعمال قذرة.. يشير الكاتب أن لها علاقة مباشرة بالأزمة في سوريا.. مع العلم أنها قضايا فساد تعاني منها سوريا منذ زمن بعيد ولكن جاءت الأزمة وعمّقتها وجعلتها أكثر وضوحاً وانتشاراً.

يقول هيثم "أبو مريم" الذراع اليمنى للحَكم: “في النهاية مو مهم قديش بينسفح دم ليبقوا صحاب الجاه على كراسيهم.. بدلالة أنو ما سبق وانذكر الصغار ولو مرة وحدة بكتب التاريخ”. 

أيضا يتحدث هيثم في اجتماع يضمّ الحكم وكبار مساعديه من الضباط عن خطة محكمة لبيع أحد الحواجز العسكرية في دمشق التي تعود تبعيتها "ملكيتها" إلى الحكم.

الأيدي القذرة للأجهزة الأمنية!

استمعتُ إلى الحوار، طبعاً لا يمكن لأي روائي مهما وصلت قدرته التخيلية أن يكتب هذا النص فائق الدقّة والسرّية وربما الحقيقية، إلا بمساعدة شركاء حقيقيين هم صنّاع الحدث أنفسهم.

يكشف المسلسل في غير حكاية ذات صلة بالقصة الأساسية، الأيدي القذرة للجهات الأمنية داخل الحرم الجامعي وتحديداً شراء النجاح وتأمين السكن عن طريق الانتهازيين والقوَّادين.

لم يقدّم المسلسل أي رسالة حضارية أو إنسانية تؤثر على المشاهد أو تقنعه أن صاحب هذه الشخصية الشريره لديه وقت ليفكّر أو يرى نفسه بلا ضمير ليغيّر من سلوكه الشيطاني قليلاً…

فهذه الشخصيات مشبعة بالشر والكراهية وأي تنازل عن قيم شريرة هو بمثابة تنازل عن مبادئ قد تودي بحياتهم.

نهاية مفتوحة وشخصيات بلا رؤية

لم يشر المسلسل إلى التفاؤل في انتصار الخير، وهذا مطلوب في دراما التلفزيون. بل ترك النهايات مفتوحة وهي رسالة واضحة أنه لا أمل في مواجهة أي من هذه القضايا التي أثارها المسلسل ..لا أمل إلا بالخلاص الفردي بالرحيل أو الانتحار..

من اللافت أن المسلسل ذكر إدارة الأمن الجنائي وكأنها خارج إطار منظومة الفساد…وهو يشكّل استهتاراً واستخفافاً بالذاكرة الحيّة للمواطن السوري عن انتشار الرشوة في هذا القطاع من أصغر شرطي بوظيفة حارس ليلي إلى أعلى ضابط في وزارة الداخلية.

أصابنا المسلسل بخيبة أمل في كثير من النجوم الكبار…فايز قزق في دور الحكم.. رجل الدولة الفاسد…ممثل موهوب ولكنه لم يقنعنا أداؤه في تجسيد هذه الشخصية.. أبدع في بعض المشاهد المستقلة عن صفات الشخصية التي يحملها في المسلسل، ولكنه لم ينجح في التقمّص أو التماهي في لعب هذا الدور الصعب، قد يكون عدم إيمانه بأداء هذه الشخصية المتعِبة نفسياً له، أشعرنا أنه يقدّم عرضاً مسرحياً يقرأ فيه حواراً مكتوباً مع تعابير لغة الجسد والوجه بشكل فاقع ومبالَغ فيه.

رغم الجهد الكبير الذي بذلته رشا شربتجي في الإدارة الفنية للعمل إلا أنها لم تقنعنا بأكثر من أنها مسؤولة عن إدارة التصوير..

المسلسل يعيبه سرعة الصورة وسرعة سرد الأحداث.. ربما ليكون بعيداً عن تحليلات يريدها المشاهد غير متوفّرة عند المسؤولين عن العمل..

الشخصيات أيضاً خطفت الأبصار ليس لأنها أسرت المشاهد بأدائها، ولكن لأنها جسّدت شخصيات لا يصادفها المشاهد العادي في حياته ولا يسمعها تتكلم ولا يرى أماكن وجودها.

فالحوار هو الأهم في المشهد وهو الذي خطف زمن المشاهد وخطف الصورة البصرية أيضاً، ربما يعود السبب لفقدان الرؤية من الأساس لتحليل شخصيات المسلسل والتي أعتقد أن لا أحد يمتلكها.. لا الكاتب ولا مصادره.. وتحتاج إلى كاتب روائي قادر على الغوص بعمق في شخصيات هذا المسلسل. لذلك ظهرت لنا كقصة كما ترويها محاضر الضبط أو ملفات المحاكم.

خيبة أمل أخرى في نجمة محبوبة هي كاريس بشار التي بدت بنفس الكاريزما التي تعوّدنا عليها ..ولم تتمكن من تغيير ملامحها ولا من إخفاء نظراتها الذكية وابتسامتها الطفولية البريئة.. في دور يتطلب ملامح قاسية وصارمة.

كشف المسلسل عن صعود عدد من النجوم الشباب الذين أجادوا في تأدية أدوارهم واستطاعوا أن يتفوّقوا على أنفسهم في أداء أدوار مميزة وصعبة أمثال ولاء عزام ويزن السيد..

الآخرون كانوا كمن يقدّم مشهداً تدريبياً لم يعطونا انطباعاً بالاجتهاد والتعب على الشخصية وبدوا كأنهم يقرؤون نصاً لا تعابير في الوجه ولا أبعاد في الشخصية وبدوا أقرب للحالة الطبيعية من الاسترخاء.

ممارسة الدعارة لا تدعو للخجل! 

تناول المسلسل الدعارة.. واختارت المخرجة ممثلات فاتنات يعملن في بيت دعارة علني في أحد أحياء دمشق ورصدت أحاديثهن ورغبتهن في ترك هذا العمل بمجرد الحصول على جواز سفر …

لم يجد المشاهد تذمّراً لدى العاملات في هذه المهنة..فهم يملكون كل شيء إلا الأخلاق.. والأخيرة لا يحتاجونها في هذا البلد.... بذلك أوصلت المخرجة رسالة أن ممارسة الرذيلة المأجورة عمل مثل أي عمل آخر لا يدعو للخجل.. والمخرجة لم تُشهّر بهذه المهنة ولم تعكس آثارها لا على نفسية العاملين فيها ولا على المجتمع من حولها.

كان يجب الإشارة إلى امتهانها كرامة الإنسان وتحقيره وإبراز روادع دينية أو مجتمعية أو قانونية ناظمة لأخلاقيات المجتمع…

هذه الظواهر هي بالتأكيد موجودة ولكن من واجب العاملين بالثقافة إيصال نصائح غير مباشرة بأن من ينحرف أخلاقياً تنتظره عقوبة أو فضيحة على أقل تقدير، وإلا أصبحت هذه المهنة مقبولة اجتماعياً وتنتظر تشريعاً ينظّمهاً.

عيوب فنية قاتلة

لغاية الحلقة 27 كنا ننتظر معالجة واقعية أو موضوعية لنهاية الأحداث التي رماها المسلسل.

ولكن ما حدث بعدها مخيّب للآمال. سقط الجميع وسقط المسلسل في بئر خيانة عقل المشاهد... الضحية.

حوارات تافهة… وأحداث لا يمكن تصديقها مشابهة لما تناولته السينما المصرية في عهد مبارك…عندما كرّست جهدها في إلقاء اللوم بمسؤولية الفساد على الموظفين الصغار وإذا أصبحت رأياً عاماً وضاغطاً يتم استجواب وزير على أبعد تقدير…

كنا مندهشين لعدم إجادة فايز قزق للدور ولكن في الحلقات الأخيرة قدّم فايز قزق بعض التعبيرات الدرامية المهمّة عندما تحوّل من رجل سلطة إلى إنسان حقيقي يعاني كأب، وكإنسان معرّض للاعتقال والموت.

من الأمور الفنية السيئة في المسلسل شارة البداية، تصميم صور الغرافيكس تافهة ومباشرة لا تلائم ذوق المشاهد الحالي.. أيضاً الموسيقا التصويرية رديئة جداً.

أخطأ المسلسل بشكل لا محدود في الحلقة الأخيرة حيث تتراكم الزيجات وتحل معضلات كثيرة في ثوانٍ معدودة وكأننا أمام أفلام حسن فايق وكل عقد المسلسل تم حلّها ويجري حلها كما لو أنها في الأصل عقد بسيطة.

كسر عظم مسلسل كان يجب على كاتب نصه أن يكبر به.. الأموال التي احترقت مع مساعد الحكم كانت يجب أن تعطى للدولة لتحسين أوضاع البشر وكافة المواطنين وبالأخص الموظفين والطبقة العاملة.. وأن يُحاكَم هيثم بالأشغال الشاقة المؤبدة.

نحن بحاجة إلى مسلسلات وإلى نصوص تدعس ذُلّنا وهزيمتنا أمام القوى الغاشمة لتعيد خلقنا من جديد. في النهاية يجب أن يدلنا أحد حراس مقبرة العظام..أية عظام قد كُسرت.. ويبدو لي أن الشعب نفسه هو الذي تكسّرت عظامه وتكسّرت مروءته وتكسرت نخوته..لا عظام أمراء الحرب كما أراد صنّاع المسلسل ترويجه.

هل تلتئم العظام عن طريق إنتاج نسيج عظميّ حقيقي، ذاتياً بعد الكسر، أم إن العظام التي تعرضت إلى الكسر يلزمها تفتيت وتشكيل من جديد؟.

إن عرض المسلسل في هذا التوقيت وبعد فوات الأوان له أهمية بالغة بإيصال رسائل خاطئة للسوريين، بعيدة عن الرواية الحقيقية الناقصة للأحداث... بغض النظر عمن رواها سواء المؤلف أو عدة مؤلفين.  

العبقرية أن تكتب نصاً إبداعياً ينبئ بالمستقبل. الجحيم أن تصف ما حدث بعد فوات الأوان.

التعليقات