بالأرقام و المعلومات الحقيقية الصادمة .. تفنيد الخطاب العنصري المعادي للسوريين في تركيا

أخبار سوريا || أورينت نت - خاص 2022-05-06 14:52:18

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

ضجت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، في كل من تركيا وسوريا، خلال الأيام القليلة الماضية، بفيلم تركي قصير يغص بالخطاب العنصري والمعلومات المضللة، ليصب الزيت على نار الاحتقان والتوتر المسيطر على الشارع التركي إزاء كل ما يتعلق ويتصل بالوجود السوري في تركيا.

الفيلم الذي نشر عبر قناة الصحافية التركية هانده كَاراجاسو في يوتيوب، استخدم مخرجه اسماً وهمياً في ما يبدو أنه توقع مسبق للجدل الذي سيثيره الفيلم وللتبعات التي قد يتعرض لها، وتناول الفيلم قصة عائلة تركية تعيش بسعادة ورخاء قبل بدء وصول السوريين إلى تركيا، وتنتظر أن ينجح طفلها في تحقيق حلم دراسة الطب.

وسرعان ما سابق الفيلم الزمن ليصل إلى العام 2043، ويظهر الدمار والكوارث التي حلت بتركيا بسبب السوريين الذين باتوا مسيطرين على البلاد بشكل كامل، لدرجة أن سورياً تمكن من الوصول إلى منصب رئيس الجمهورية.

وأمعن الفيلم بالكذب والتضليل عبر إظهار السوريين على شكل عصابات ملأت الشوارع وعاثت فيها فساداً، وعملت على ملاحقة الأتراك بهدف قتلهم، ثم عرج على العائلة التركية مجدداً وأظهر طفلها وقد أصبح شاباً لم ينجح بتحقيق حلم والديه بدخول كلية الطب، وذلك بسبب سيطرة السوريين المزعومة على البلاد. 

ويعاتب الشاب والدته وأبناء جيلها الذين سمحوا بأن تصل الأمور إلى ما هي عليه الآن، مشيراً إلى أنه يتمنى لو أن الزمان يعود به ليقوم بما لم يقوموا به، في إشارة للتخلص من السوريين قبل أن يسيطروا على تركيا. 

وبالعودة إلى قناة كَاراجاسو، منتجة الفيلم، تجد أن كل ما تبثه يقتصر على استهداف السوريين، فهم على حد زعمها "غزاة غير متحضرين يهدفون لتغيير البنية السياسية والاجتماعية في تركيا وتحويلها من دولة علمانية لأخرى إسلامية".. ودون أن تكتفي بذلك، تضيف تفصيلاً مضللاً لم يسبقها إليه أحد، مفاده أن السوريين لم يأتوا إلى تركيا هرباً من القصف، بل إنهم تعرضوا للقصف بهدف واحد هو دفعهم للجوء إلى تركيا.

ومع انتشار الفيلم على نحو واسع، وحلول كلمة "سوري" ضمن أكثر التغريدات انتشاراً في تركيا، كما جرت العادة مع كل حدث يدغدع المشاعر القومية أو الاقتصادية التي تلقي بلائمة التدهور على السوريين، اعترف السياسي اليميني المتطرف أوميت أوزداغ، صاحب الخطاب الأكثر تضليلاً وعنصرية وإساءة للسوريين في تركيا، بعد مشاركته للفيلم عبر حسابه على تويتر، أنه هو من مول الفيلم وأنه أنتج بطلب منه شخصياً.

وتحدثت وسائل إعلام تركية عن اعتقال السلطات لكاراجاسو بهدف التحقيق معها، قبل أن يتم إطلاق سراحها، في ما يمكن اعتباره أول تحرك رسمي ضد الفيلم الذي لا يمكن اعتباره إلا حلقة ضمن سلسلة المعاناة التي يعيشها السوريون الذين أصبحوا ورقة ضغط سياسي تتناقلها أيدي الحكومة والمعارضة.

لا يعتبر هذا الفيلم أول خطاب عنصري مضلل يستهدف السوريين في تركيا، بل سبقه العديد من الأخبار والادعاءات المشابهة، سواء عبر وسائل إعلام أو شخصيات بارزة أو مواقع التواصل الاجتماعي، وسط محاولة خجولة من مسؤولي حكومة العدالة والتنمية للوقوف في وجهها ومواجهتها، وهي التي تنتشر كالنار في الهشيم وتزيد من نقمة الناخب التركي الذي أثقلت كاهله. 

 

وبعد الأزمة الاقتصادية، قال الأتراك إن ما يشغلهم بالهم هو التضخم والبطالة وفواتير الغاز والكهرباء ونظامي التعليم والصحة، وبعيداً عن كل ذلك يأتي اللاجئون السوريون والأفغان في المرتبة العاشرة ضمن قائمة الهواجس التركية بنسبة 2.2 بالمئة فقط، ليظهر هذا الرقم حجم التضليل الذي يصدر السوريين على أنهم سبب كل المشكلات في تركيا، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية.

وعلى اعتبار أن السوريين أصبحوا، كما أسلفنا بالذكر، ورقة سياسية تتجاذبها الحكومة والمعارضة، فإن لها تأثيراً لا يمكن إنكاره على أحدث استطلاعات الرأي المتعلقة بالانتخابات المقبلة، إذ تشير الأرقام التي نشرها مركز ميتروبول التركي للأبحاث، إلى أن الناخبين لن يصوتوا لحزب العدالة والتنمية، إن أجريت الانتخابات غداً، سوى بنسبة 25.2 بالمئة، في حين سيحصل حليفه حزب الحركة القومية، على 5.7 بالمئة فقط، وهي نسبة لا تخوله دخول البرلمان، على اعتبار أن قانون الانتخابات الجديد جعل الحد الأدنى للدخول 7 بالمئة.

وفي السياق ذاته، كشف استطلاع آخر للرأي أن 33.3 بالمئة سيصوتون للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الانتخابات المقبلة، في حين سيصوت 33.7 بالمئة لأي مرشح سينافسه، و28.1 بالمئة لن يقرروا لمن سيصوتون إلا بعد أن يعلموا هوية منافسه. 

معلومة أخرى مضللة باتت من بين الأكثر انتشاراً في الأوساط التركية، وهي الخوف من إحداث السوريين لتغيير ديمغرافي في تركيا، وهي المعلومات المضللة التي يمكن كشف زيفها بسهولة، عبر عرض الأرقام التي لا تخرج عن النسب الطبيعية للسوريين في تركيا، كالمتعلقة بنسبة الولادات أو ارتكاب الجرائم، قياساً بالعدد الكلي لهم.

وتشير الأرقام المستقاة من مصادر تركية رسمية لا سورية، الأمر الذي يجعلها غير قابلة للإنكار، إلى أن عدد السوريين في تركيا بلغ 3 ملايين 755 ألفاً، وهو رقم بعيد كل البعد عن رقم أوميت أوداغ المزعوم الذي وصل إلى 8 ملايين، الأمر الذي دفع نائب وزير الداخلية التركي، إسماعيل تشاتاكلي، للقول إن إدارة الهجرة ستقدم شكوى جنائية ضد أوزداغ بسبب نشره لهذه الأرقام المضللة.

وتبلغ نسبة السوريين من عدد سكان تركيا بالمجمل، 4.2 بالمئة، من أصل 84 مليوناً و680 ألف شخص، وهي نسبة لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تتسبب بأي تغيير ديموغرافي حالي أو مستقبلي، وصولاً إلى العام 2043 الذي سيشهد السيطرة السورية المزعومة على البلاد، بحسب فيلم كَاراجاسو العنصري الأخير.

الأطفال والنساء، بحسب أحدث أرقام دائرة الهجرة يشكلون 70.9 بالمئة من العدد الكلي للسوريين، بينما يشكل من يعتبرون شباناً بين عمر 15 و24 عاماً، ما نسبته 19.8 من عدد السوريين، وبالنظر إلى جزئية أخرى تؤرق اليمين التركي المتطرف الذي يتحدث عن تغيير ديموغرافي وسياسي يسببه الوجود السوري في تركيا، نجد أن عدد السوريين الحاصلين على الجنسية الاستثنائية التركية وصل إلى 200 ألف و950 شخصاً، أكثر من 87 ألفاً منهم لم يتخطوا 18 عاماً وبالتالي لا يحق لهم التصويت في الانتخابات المقبلة، وبالتالي فإن عدد الذين يحق لهم المشاركة لا يتجاوز 114 ألفاً فقط.

أرقام تركية أخرى لا تقل أهمية عن أرقام دائرة الهجرة المتعلقة بالوجود السوري، يمكن من خلالها تفنيد مزاعم الخطاب المعادي والعنصري الذي يستهدفهم، والحديث هنا عن بحث تركي تناول تأثير السوريين في ما يتعلق بمعدل البطالة في تركيا ونصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في المدن التركية.

تكشف نتائج البحث الذي استهدف كلاً من كيليس وهاتاي وأرتفين وأغدير، وهي التي تشهد الوجود الأكبر والأصغر للسوريين في تركيا، أن نصيب الفرد من الناتج المحلي في البلاد كان متساوياً في تلك المناطق، كما إن معدل البطالة غير الزراعية في كل من غازي عنتاب وكيليس وأديمان التي تحتوي أعداداً كبيرة من السوريين، مقارنة مع بقية المناطق التركية كان متساوياً إلى حد ما، ما يدحض نظرية تأثير الأعداد الكبيرة للاجئين في منطقة ما على معدل البطالة.

وبالنظر إلى تصنيفات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تركيا، نجد أن كيليس تقدمت إلى المركز 62 في 2017، بعد أن كانت في المركز 63 في 2011، قبل وصول السوريين، في حين تقدمت هاتاي 7 مراكز من 46 إلى 39، وتشير هذه الأرقام إلى أن المناطق التي تركز الوجود السوري فيها لم تتراجع على مؤشرات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وأن السوريين لم يعطلو بنيتها الأساسية كما يشاع.

ويخلص البحث إلى نتيجة مفادها أن السوريين أو اللاجئون عموماً لا يتسببون بتدهور أوضاع العمالة في تركيا، ولا يزيدون من نسبة البطالة ولا يؤثرون سلباً بالاقتصاد التركي، إذ تكاد تتساوى الأرقام المتعلقة بما سبق في المناطق ذات الوجود الكثيف، مقارنة بتلك التي يقل فيها عدد اللاجئين.

في سياق متصل، نشرت جمعية المساعدة والتضامن مع اللاجئين في تركيا تحليلاً فندت فيه 17 من المزاعم الأكثر انتشاراً بين الأتراك حول السوريين الموجودين في تركيا، وقدمت المعلومات الصحيحة التي تظهر أن السوريين لا يحصلون على أية ميزات لا يحصل عليها المواطن التركي، ولا يحظون بمعاملة خاصة تجعلهم في وضع أفضل من غيرهم.

ورغم عدم منطقيتها وسهولة التأكد من كونها مكذوبة، إلا أن هذه المزاعم انتشرت وما زالت على نحو واسع بين الأتراك خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها القول إن السوريين يحصلون على رواتب من الدولة ولا يدفعون الضرائب ولا ينتظرون في طوابير المستشفيات ولا يدفعون الفواتير ويحصلون على الجنسية وعلى منازل مجانية.

قد تقلل هذه التوضيحات من الاحتقان في الشارع التركي إزاء السوريين الذين يعاملون وفق القانون التركي كضيوف لا كلاجئين، إلا أن انتشارها الواسع والجهود الخجولة في مواجهتها، سيقلل من قيمتها ويجعلها غير قادرة على إنهاء المشكلة من جذورها، خصوصاً وأن القرارات والتصريحات الحكومية التركية الأخيرة المتعلقة بالسوريين وإعادة أعداد كبيرة منهم إلى سوريا، تحت مسمى "العودة الطوعية" وهي أبعد ما تكون عن ذلك، تظهرها بمظهر من رضخ للضغوط واستسلم أمام موجة التضليل الجارفة، الأمر الذي سيزيد من قلق الضيف السوري الذي بات يشعر يوماً بعد يوم أنه ليس إلا ورقة ضغط سياسية تتقاذفها الأيدي.. ضيف لم يعد مرغوباً أو مرحباً به، دون أن يكون له ذنب في ذلك.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات