مجزرة التضامن ليست الأفظع: سيد "مارتن" نحن نعرفهم أكثر

مصطفى المصطفى 2022-05-05 07:07:08

مجزرة التضامن

صُدم العالم منذ أيام قليلة عندما نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية، الأربعاء 27/4، ذلك "الفيديو" المروّع، الذي يظهر فيه عنصر من قوات النظام السوري، وهو يقوم بقتل جماعي لمدنيين ووضعهم في مقبرة جماعية وإحراق جثثهم. وفي تعليقه على الفيديو قال مراسل الصحيفة في الشرق الأوسط "مارتن تشولوف": "الفيديو من أفظع ما رأيتُه في الصراع السوري بأكمله”، وأضاف أن هذه اللقطات “تعطينا لمحة عن جزء لم يسبق وصفه من الحرب المستمرة منذ 10 سنوات".

عصابة تلبس لبوس حكومة

أحد المعتقلين السياسيين السابقين بينما كان يتحدث عن ذكرياته في المعتقل ذكر في معرض حديثه أنه وأصدقاءه سخروا من الضجة الإعلامية التي أثيرت حول الصور المسرَّبة من سجن "أبو غريب" وقتها. بالطبع هم قارنوها بما تعرضوا له من تعذيب وإذلال فبدت في نظرهم مجرد مداعبة. نعم سيد "مارتن" إن كان هذا أفظع ما رأيتَه فهو ليس أفظع ما تعرض له السوريون خلال سنوات الحرب، وهو ليس أفظع أساليب الإجرام التي مارستها عصابة الإجرام التي تلبس لبوس الحكومات على السوريين خلال عقود من الزمن. نعم سيد "مارتن" نحن نعرفهم أكثر.

ليس تقليلاً من حجم الجريمة ووَقعها؛ فقد نكأت جراحنا وقلبت مواجعنا، وشطرت أفئدتنا، وأثارت غيظنا وآلمتنا. هو مشهد تقشعر له الأبدان، فنحن بشر مثلك تماماً؛ تألّمنا عند مشاهدة إعدام الطيور بشكل جماعي عندما انتشر وباء "أنفلونزا الطيور" فما بالك إن كان هؤلاء القتلى الذين يظهرون في الفيديو بشراً مثلَنا؟، بل هم منا ومن أبناء جلدتنا. هم نحن، فكما نحن أبرياء مسالمون هم كذلك، الفارق الوحيد بيننا أن القدر أوقعهم فريسة لقتَلة متوحشين طائفيين حاقدين بينما نحن ما زلنا ننتظر. رغم ذلك، فما ظهر في "الفيديو" ليس الأفظع مقارنة بأساليب القتل الأخرى؛ فالموت تحت التعذيب أفظع، والموت تحت الاغتصاب أفظع، والموت بانفجار شرايين الدماغ والأوردة بسبب مشاهدة المعتقل لعِرضه وهو يُغتَصَب أفظع. نعم سيد "مارتن" نحن نعرفهم أكثر.

التعذيب والقتل في سوريا: برنامج يتطوّر!

كتب "هارولد لاسويل" أحد عظماء المبدعين في علم النفس السياسي "إن العلوم السياسية من دون سير ذاتية هي نوع من التحنيط" ويعني بذلك أن علماء السياسة يُمضون وقتاً طويلاً في دراسة المؤسسات والبنى التي يعمل فيها الأفراد المَعنيون في العمل السياسي من دون دراسة خصائص الأفراد لأنفسهم. سيد "مارتن" إن كنتَ قد أُصبتَ بالصدمة؛ فعليك مراجعة السيرة الذاتية وخصائص أفراد العصابة التي حكمت سوريا لعقود، ستجد أن طبيعة التنشئة لهؤلاء تولّد خوفاً مكبوتاً وعدائية تتطلب مخرجاً في وقت لاحق، يتفجّر على شكل ممارسات ساديّة بوجه أولئك المختلفين عن الجماعة (العصابة) التي ينتمي إليها ذلك الفرد. نحن نعلم خصائصهم وسيرهم الذاتية، ونحن تعرّضنا لممارساتهم السادية. لذلك، لا تستغرب سيد "مارتن" عندما نقول: نحن نعرفهم أكثر.

يعتقد البعض أن التفنّن بأساليب التعذيب والإعدام والإجرام كما كان يحدث في أوروبا في العصور الوسطى وفي أماكن أخرى من العالم، وأن جرائم الإبادة الجماعية التي هي على شكل "الهولوكوست" قد أصبحت جزءاً من التاريخ. قد يصحُّ هذا المعتقَد لدى شعوب البلدان المتقدّمة، لكن ما يجب أن يَعلَمه هؤلاء أنه في بلد مثل سوريا؛ يعتبر التعذيب والقتل والإذلال برنامجاً يتطوّر باستمرار، مثله مثل نظام "أندرويد" مثلاً، إذ تقوم شركة "جوجل" بتطويره بشكل مستمر. وكما إن نظام "أندرويد" مخصص لتشغيل الأجهزة ذات شاشات اللمس، كذلك أنظمة التعذيب والإذلال والقتل الوحشي مخصصة لاستعباد شعوب من قبل عصابات حاكمة. والعصابة الحاكمة في سوريا تعتبر من العصابات الرائدة في تطوير هذه البرامج. صدّق سيد "مارتن" فنحن نعرفهم أكثر.

شعور أصحاب الحق باليُتم

مجزرة "حي التضامن" ليست الوحيدة التي أصبحت موثَّقة لدى المنظمات الدولية والدوائر القانونية، بل أصبحت جزءاً مما يمكن أن نسمّيه "كنزاً من المعلومات الموثَّقة" التي تُدين العصابة الحاكمة في سوريا بشتى أنواع الجرائم المصنَّفة قانونياً، لكن أصحاب الحق لا يمتلكون المهارة والإيمان بالمطالبة بحقوقهم. فالحق يموت إن تقاعس صاحب الحق عن المطالبة بحقه. وهذا يذكّرنا بجريمة أخرى تختلف عن سابقاتها، وهي جريمة روحية معنوية؛ ربما تكون بمنظورٍ ما أشدَّ قسوة من الجرائم المادية، إذ خلقت العصابة عبر آلتها الإعلامية والدعائية حالة من الإحباط واليأس جعلت المجتمع السوري متقاعساً عن القيام بواجبه في عملية المطالبة بالحق التي تحتاج إلى التخلص من الشعور باليُتم والإيمان بأنه "لا يضيع حق وراءه مُطالب". 

الشكر كل الشكر للسيد مارتن، ونودّ أن نقول له مرة أخرى: ما شاهدتَه في مجزرة حي التضامن ليس الأفظع، واسأل السوريين عن ذلك؛ فنحن نعرفهم أكثر.  

 

التعليقات