مجزرة التضامن أعادت التفكير بجرائمه: ربما تكون محاسبة الأسد منقذاً للبشرية

سامر كعكرلي 2022-05-04 07:32:06

من مجزرة التضامن

دعت وزارة الداخلية الألمانية مؤخراً إلى ضرورة البدء بتخزين مواد غذائية تكفي لعشرة أو خمسة عشر يوماً في تنبيه حكومي بأن قادم الأيام لن تكون سهلة وربما تنذر بكارثة تلوح في الأفق. صدمني هذا التصريح الرسمي الألماني وأنا (وأعوذ بالله من كلمة أنا) لا أعتبر نفسي شخصاً ذا طبع متشائم، بل أعتبر نفسي متفائلا لأبعد حدود، ولكن ما يجري في العالم يدعوني للقلق والقلق الشديد.

شاهد على إجرام رفعت وعلي حيدر

عندما قامت الثورة السورية العظيمة اعتقدت بأنه عبارة عن أشهر وسيسقط هذا النظام مع تأكدي من توحشه وأنه (أي النظام) لن يتنازل ويسقط دون أن يحاول المستحيل ليحافظ على بقائه معتمداً بهذه الرؤية على نقطتين الأولى  قيام حافظ الأسد بنصب صواريخ أرض – أرض على قمم جبل قاسيون وتوجيهها لدمشق لا للعدو الإسرائيلي ولا للإمبريالية العالمية ولا للدول الرجعية والتي كان حافظ الأسد يعلن عداءه لهم جملةً وتفصيلاً وأنه ربى أجيالا على تلك العداوة. والثانية  على حديث صديق لي هو المرحوم (معضاد قرقوط)، قبل أن تغدر به الكورونا ويفقد حياته لسوء العناية الطبية في سورية، فقد قال لي عند بدء الثورة وبدء نشر الحواجز العسكرية في عموم سورية: "لم تروا شيئاً بعد، سترون قريباً الدبابات في شوارع المدن السورية تقصف البيوت"

بالطبع المرحوم معضاد قرقوط لم يكن عرّافاً أو منجماً ليتنبأ بذلك، ولكن سوء طالعه بأنه قد كان بخدمته العسكرية الإلزامية كملازم مجند خلال الأزمة ما بين رفعت الأسد وعلي حيدر في ثمانينات القرن الماضي على أثر مرض حافظ الأسد، وأنه تلقى أمراً عسكرياً من قائده كونه مسؤول مدفعية كانت مرابطة في منطقة الكيوان بالمزة ومفاد الأمر بأنه إذا اشتعل فتيل المعارك مهمته كانت قصف مشفى المواساة لأن الطرف المتحارب الثاني يعتبره مشفاه، وعندما تلقى الأمر المرحوم معضاد لم يصدق أذنيه بأن مهمته قصف وتدمير مشفى المواساة الذي يقع بين منازل المدنيين وللمصادفة بأن بيت أحد أصدقائه الفقراء (أتذكر اسمه دعاس عثمان) متواجد بنفس المنطقة المطلوب منه تدميرها فطلب من قائده الميداني إعادة النظر بالأمر شارحا له خطورة الموقف فأكد قائده الميداني على الأمر الذي أصدره متجاهلا وجود منازل مدنيين مجاورة لمشفى المواساة!

دماء أطفال الحولة لم تحرك ضمير الإنسانية!   

على الرغم من تأكدي من نوايا النظام بأنه مستعد لتدمير كل سوريا على أن يترك الحُكم فقد كنت متفائلا بسرعة سقوطة لأسباب قد تضحكون علي أو تصفونني بالساذج لأنني مقتنع بتلك الأسباب. أما أسبابي فقد كانت مستندة على فكرة كنت مقتنعاً بها بأن العقل البشري وصل لمرحلة لن يسمح بها بالقتل العشوائي ولن يسمح بها بحدوث تلك الجرائم البشعة دون أن يحرك ساكناً. وفي هذا السياق لا بد أن أذكر سذاجتي عندما تسربت أخبار مجزرة الحولة في بداية عام 2012، وكنت وقتها ما زلت في دمشق، وقتها وعلى الرغم دموعي المتساقطة كالأنهار على أطفال الحولة الذين تم ذبحهم كالخراف، كنت شديد التأكد بأن النظام سيسقط غداً وأنه ارتكب الجريمة التي لا غفران لها وأن العالم سينتفض نصرة لهؤلاء الأطفال الذين ذبحوا على أيدي مجرمين فقط لأنهم سُّنة دون أي ذنب ارتكبواه. ولكن النظام لم يسقط ولم تحرك دماء أطفال الحولة ضمير الإنسانية.

اليوم ودعونا نخرج قليلاً من المحلية السورية إلى العالمية لنرى ونسأل هل بالفعل ارتقى العقل الإنساني ليقف بكل صلابة أمام متوحشي البشر. هذا العقل الذي اخترع أعظم الاختراعات التي تخدم البشرية جمعاء يقف اليوم عاجزاً اليوم أمام وحشية تعود إلى بداية القرن العشرين عندما تبادل الحلفاء والنازيون قصف المدن في الحرب العاليمية الثانية وبعد الحرب وقف العالم ليتفرج ما جنته أياديهم ويقفوا أمام خمسين مليون قتيل وقارة بكاملها مدمرة.

قصف المدن.. تاريخ يعيد نفسه! 

لقد اعتقدت بعقلي الساذج  بأن العالم لن يقع بهذا الفخ الدموي مرة أخرى، وإذا احتاجت الحياة حرباً ما ستقتصر هذه الحرب على الجبهات القتالية، فأي مبرر يمكن أن يكون في قصف المدن الآمنة. وصحيح أن هناك معتوهين استخدموا هذه الوسيلة "قصف المدن" هما جورج بوش الابن وطوني بلير وذلك عندما قصفوا بغداد وأحياءها وشوارعها، ولكن بالنهاية العقلية الديمقراطية نبذتهما وأقصتهما عن الحياة العامة. ولكن اليوم ما يجري في أوكرانيا تجعل المرء يقف مدهوشاً ويسأل لماذا تُقصف كييف وأوديسا وخاركيف وماريوبول وغيرها من المدن والقرى الأوكرانية. ما هو الخطر الذي يمثله سكان تلك المدن، لماذا لا يستجر الجيش الأوكراني إلى الجبهات ولتجري المعارك هناك، كيف سنفسر ونحن في القرن الواحد والعشرين لطفل أو طفلة بأن هذه الحرب نبيلة لأنها ستقضي على "النازيين الجدد" بحسب الدعاية الروسية، الجواب بسيط لأن معتوه جديد ولكن معتوه لدرجة الجنون والإجرام يريد تحقيق حلم في مخيلته بأنه سينصب قيصراً جديداً على تلك الأراضي التي كانت يوما ما تابعة لروسيا. يغريه في ذلك قصفه دون رادع لمدن حلب وإدلب ودرعا وريف دمشق. 

هل اقتنع الطفل السوري الذي دمر منزله واحترقت ألعابه بأن حرب روسيا والأسد ضد مندينتهم كانت نبيلة لأنها كانت تقضي على "الإرهابيين" كما تقول الدعاية الأسدية والروسية. لا بكل تأكيد لم يقتنع الطفل السوري بذلك. فعلى ماذا يراهن بوتين في محاولته إقناع الطفل الأوكراني بأنه يحارب النازيين.

هل سيعطى بوتين الوقت الكافي؟

لقد فتح فلاديمير بوتين في حربه ضد أوكرانيا باباً لا يمكن إغلاقه بسهولة وهذا ليس تخلياً عن تفاؤلي الذي ذكرته في مقدمة هذه الأسطر، إنما قراءة حقيقية وواضحة لما تجري به الأمور في أوروبا، ولن ينسى العالم تهديد بوتين باستخدام السلاح النووي، ولن ينسى العالم تصريح لافروف بأن بلاده قد طورت قنبلة أسماها “قنبلة فرط صوتية” تفوق قدرتها التدميرية القنبلة النووية، سيعتبر العالم بأن مجرد التهديد بذلك جريمة بحق الإنسانية جمعاء، ولكن أخشى أن يعطى بوتين وزمرته العسكرية الوقت الكافي قبل أن يستيقظ العالم من صدمته ليضعوا العالم أمام حرب عالمية ثالثة بكل تأكيد لن تكون كسابقتها بل ستكون أعنف وأكثر قتلاً وتدميراً، ولذلك فقد حان الوقت لكل سكان هذا العالم أن يقفوا صفاً واحداً ضد أي من يؤيد هذه الحرب المجنونة في أوكرانيا وأن يبدؤوا بقص أجنحة بوتين في العالم وأولهم بشار الأسد الذي سمح لبوتين أن يجري تدريباً عملياً على قدرة جيشه وأسلحته على قتل المدنيين وهروبه من المحاسبة. 

نعم سادتي نزع بشار الأسد في كرسي الحكم في سورية وتقديمه للمحاكمة، وخصوصا بعد ما أثارته صور مجزرة التضامن، ربما سينقذ العالم من جنون عظمة بوتين وربما تجعله يراجع حسابته ويعي بأن العالم غير مستعد أن يرى هذا الإجرام ويبقى صامتاً.

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة