مجزرة التضامن ومثيلاتها: النصيرية وصناعة الكراهية

عيسى الصيادي 2022-05-03 07:43:28

مذبحة التضامن

أعظم خيانة للتاريخ ستكون طمس مجزرة التضامن وكافة المجازر التي ارتُكبت بحق السنَّة تحت بند جرائم النظام أو تصنيفها على أنها خطأ فردي لا يمثّل الطائفة، إنّ هذه المجزرة بالتحديد تمثّل المسار العام لدى الطائفة النصيرية وترسم خطوطها العميقة، إن المطّلع على أسرار تلك الطائفة من كتاب "سرّ العقد العلوي" وكتاب "الدستور" و"السر المكين" إضافة إلى المذاكرات الشفوية التي يتم تلقينها للعلوي النصيري، سيدرك أن جميع الكتب تلك تحمل في طياتها تمجيد ذبح السنَّة والتي تشكل الأساس الذي تنهض عليه عقيدتهم. وماذا يقال في الكواليس حين يشاهد النصيري تلك المجزرة، سيمتدح البطل "أمجد يوسف" وسيبارك فعلته الشنيعة تلك؛ بل وسيضفي عليها هالة من القداسة!  

في نظام مجرم ديدنه الحديث عن التعايش السلمي والتسامح الديني والتآخي، تنتشر قصص من مواقع عديدة حول التنكيل بالسنّة بالمدنيين بالشيوخ والنساء والأطفال، ويعد ذلك بطولة فاقعة عندهم، فالعلوي يرى في رفعت الأسد الذي شرب من دماء السنّة بطلًا أعتى من أخيه، كذلك سهيل الحسن “النمر” و"جميل الحسن" وغيرهم من المجرمين في حق الطائفة الغالبة. كلما أوغل نصله في الطائفة السنّية ارتفع سهمه وكلما باركته الشيوخ التي أوغر الحقد صدورها مبلغًا عظيمًا لا يطاق ولا يمكن تصوّره.

لماذا لم يخرج أحد من شيوخ الطائفة ليبرّئ الطائفة من فعلته الشنيعة تلك؟

لا يخفى على أحد أن أكثر طائفة تدّعي أنها تحارب "الطائفية" هي الطائفة العلوية، في الوقت الذي هي فيه تعد الأشدّ طائفيّةً بين مكونات الشعب السوري. ولا تقبل الانتساب إليها، أو حتى تداول أسماء الأولياء والمشايخ، وهي لا تتسع إلا لنفسها، يُمنع دخول الآخر فيها، لا تتجذّر الأيديولوجيا تلك دون نفي ولو جزئياً للآخر، ولا تُستنبت إلا بالعصبية، لكنها تتحول في مناخ الحروب إلى أمراض بشرية مستعصية، وبمجرد الحديث عنها، يصبح ترويجًا لأفكارها، وتحريضًا للآخر عليها!

يجاهر كل أبناء طائفة ويفتخر بانتمائه لطائفته إلا النصيري، يعتبر ذلك نوعًا من التقيّة الحافظة له تشعره بديمومة الخطر المحدق به من كل جانب ومن طرف الطائفة السنّية تحديدًا دون الطوائف الأخرى.

إن الجذر الرئيسي لمجزرة التضامن هو طائفي بحت، والدليل سكوت أجهزة النظام وأبواقه، بل نكاد نجزم أنهم يباركونها في سرّهم ولو أمكن الجهر لصدحت حناجرهم مبجّلين ومبتهجين بالرجل البطل الذي قتل المدنيين الأبرياء من طائفة العدو الأول للطائفة النصيرية، وهذا الجذر الرئيسي الذي تتفرّع منه جذور أحقاد متدرّنة في التقويم الطائفي، ليُصار إلى تسخينها بمشاعر الانتقام والكراهية المسبقة والسالفة في تاريخهم الكذوب كذبح السنّة للعلويين أيام السلطان سليم الأول، والذي يعدُّ سخّان الطائفة، واضطهاد السنّة وتهميشهم والذي يعدُّ محراكها، واستعبادهم حتى بزغ الدكتاتور الأول وأخوه رفعت الأسد، وحدث ما حدث في مجزرة حماة.  

من المعيب ذلك الصمت الذي يعتري المثقفين فكثيرٌ منهم من يذكر عن علم أو جهل: "الطرفان مخطئان" وهذه خيانة تاريخية كبرى؛ بل عين الخيانة القول بوجود طرفين، أو جيشين، أو جماعتين إرهابيتين...، فالقضية قضية إجرام تام الأركان ضد الإنسانية، لكن اللجوء إلى هكذا مصطلحات تحاكي الصراع الطائفي المذهبي أو الجانب الإسلامويّ ضد العلماني على ما فيه من دكتاتورية ظاهراتية منقطعة الجذر، صورية يمكن التخفيف منها أو تقليل مساوئها أو إصلاحها مع الزمن وتغيير الظروف. كما سيكون الرد مثلاً أن الدواعش ذبحوا وفعلوا مثل فعلتهم النكراء تلك.

هذا ما عقد عليه بعض الصرصوريات التي تُحدث ذبذبات في انتقادها لممارسة السّلطة العنيفة من هذا الجانب، في محاولة يائسة لمسح الدّم السنّي من الأشداق والأنياب وعلى الأرضيات وفي كل مكان!  كذلك إنها لنكتةٌ سمجةٌ جدًا القول بأنّ النظام بعثي غير طائفي، أو أن الخطأ فردي مقطوع الجذر داخل تربة الطائفة النصيرية، فالجذور المنتفخة بالعُقَد القديمة، حول تهميشهم لفترة طويلة من الزمن، وحول امتهان الكثير من أبناء الطائفة الدعارة على طول الخط الساحلي، بداعي الفقر المُدقع، والحاجة الماسّة، وحين سنحت الفرصة لينقضّوا قاموا بتلك المجازر الوحشية طوال الحكم الأسدي الغاشم، والمصيبة أنه لا يوجد مؤشّر على إيقافها لا من المجتمع الدولي ولا من الدول الأخرى الداعمة للثورة السورية، بل نجد الحديث عن هذه المجازر خافتًا وخجولًا، دون ذكر الأسباب الحقيقية الدافعة لها، وهذا الخجل ستدفع ثمنه الأجيال القادمة. 

إنّ الحديث عن الطوائف يعد أحد التابوهات الكبرى، لدى من يفضّل الاختباء وراء خنصره، بحجة عدم إثارة الغنغرينا النتنة التي تنهش الجسم السوري، ولا تمكّن البوط العسكري الذي يطبق بإحكام نابضيّ على الفسيفساءات البلاستكية الأخرى التي تشكّل لوحة سورية الأسد! وهذه مقولة رفعت الأسد "يجب أن يبقى البوط العسكري فوق رؤوسهم".

معظم أبناء الطائفة السنّية لا يقرؤون التاريخ أبدًا ولا يستشعرون الخطر ولو بالحد الأدنى منه، إن بطولات حافظ وكل الضباط العلويين حقيقية، بالنسبة لطائفتهم، فحافظ قاهر السنّة، وممكّن الدولة العلوية، ويكنّى بـ "باب الرب" وله مقام تنحني له كافة الهامات المؤثرة من المجتمع السوري، وقد  كان التلفزيون الرسمي يصف حافظ بقائد الأمة العربية والإسلامية، والذاكرة السورية ليست مثقوبة في هذا الصدد، فحافظ حين تأبّط كفتارو ودخل به الجامع الأموي؛ وعرّس بالمناخ الديمقراطي الذي يجلبه نظام البعث الاشتراكي ثم خروجهما معًا؛ ليؤكد أن حافظ نطق الشهادتين، ويعلن إذعانه المهين أمامه، كان كافيًا لشيوخ دمشق وأتباعهم إلى الانكفاء والرجوع عن إسقاط هذا الحكم وسط أغلبية مسلمة ساحقة! 

تلك الذهنيّة التي يتّصف بها النظام الأسدي هي ذهنية متأخرة تضع الوقاية محل العلاج، فالرئيس انتصاره شخصي يتمثّل بالبقاء على الكرسي، وفي سبيل ذلك يسخّر الشروخ البينية الطائفية الرّاكدة؛ في الوقت نفسّه يتوجّب عليه علاجها، فالسوري الذي أفقده النظام حاسة الاقتفاء البحثي لجذور المأساة الحالية، والذي يجد نفسه دومًا في وسط عقدة الأفاعي، فلم يعد يميز صديقه من عدوه، ولا يعرف تسلسل العداوة المبغضة، ولا تدرّج المصالح ولا خلفيات الصراع المتشعّب على هذه الأرض، ليصاب بحالة عماء الكلي، عماء شارك فيه لقطاء العالم المأجورون لمصالح وسياسات مغرضة، والتي فرضت عليه إمّا أن يكون مفترسًا أو فريسة.

التعليقات