مجزرة التضامن حبِلَ بها الوجع وأنجبتها عدسة الكاميرا

مردوك الشامي 2022-05-02 07:13:57

مجزرة التضامن - الغارديان

تأتي عدسةُ الكاميرا اليوم على ارتباكها وخوفها بديلاً عن الصمت، تأتي بمثابة الصرخة والصفعة، لتعيد ما اعتقده كثيرون أن الزمن كفيل بمحوِ الأثر..

مذبحة التضامن التي كانت منسية، حبلَ بها الوجع لسنوات، وأنجبتها العدسة، أعادت بعضاً من الألم، والألم كبير، كبير إلى درجة أن لا ألم في التاريخ كله يقاربه قهراً ووجعاً واحتراق روح.. وأثق أن ثمة مجازر بلا حصر دونتها عدسات كثيرة تنتظر الفرصة لتعلن عنها، فليت من يحملونها يفعلون ويتجرؤون على فضحِ ما اقترفته الأيدي القاتلة.

ذاكرة ممحوةٌ نحن وصرخة مبتورة اللسان

أجمل ما فينا، أننا شعوب بلا ذاكرة..

إننا مقطوعون عن البارحة، انقطاعنا عن الغد،.. الرائع أننا نتذكر أسماءنا،.. أسماء أولادنا،.. ولا بأس أن نخلط بين الأحفاد، والرائع أنّا نعود كلّ مساءٍ إلى البيوت ذاتها، ولا يختلط علينا الأمر فندلف في بيوت لم نسكنها من قبل..

صنعنا اللغة،.. بعضنا يتذكّر ذلك،.. اكتشفنا الدولابَ واللون القرمزي،.. غزونا البحار،.. جعلنا الشعر ذاكرة للريح،. أرّخنا للنجوم، وفتحنا العالم بلا حرب،.. بعضنا يتذكر ذلك،.. لكن غالبيتنا ينسى أنّ البارحة اغتال بعضُهم بعضنا،.. وأنه قبل البارحة عاد كثيرون منا إلى بيوتهم فوجدوا أقفالها قد تغيرت وأقام فيها الأغراب، تاركين أمام البوابات الخشب العتيقةِ صورهم، وألعاب  أطفالهم،.. وأكواماً من الذكريات في أكياس القمامة.  

وغالبيتنا ينسى أيضاً أنّ الريح العاتية غزت الكثير من القرى،.. وأن أشجار الزيتون تشلّعت،.. والساحات تحولت إلى مقابر للشهداء،.. وصارت خانة الأهلية في الأحوال المدنية لنسائنا تحمل صفة أرملة..

غالبيتنا ينسى أن فلاناً خذلنا البارحة، فعاودنا اليوم تصديقه من جديد، وتوّجناه حارساً على أمنياتنا،.. وأن فلاناً سرقنا قبل أيام،.. فعدنا وأسلمناه مفاتيح أرزاقنا..

أنظف ما فينا أدمغتنا 

شعوب بلا ذاكرة نحن،.. لم نولد هكذا،.. لكننا خلال تاريخنا الحافل بالانكسارات تعرّضنا للعديد من عمليات غسل الدماغ، حتى صار أنظف ما فينا أدمغتنا، وأكثر ما فينا اتساعاً فراغ أرواحنا من القلق الذي يربط الحاضر بالأمس ويشد الأمس إلى المستقبل..

يقضم أرواحنا الذئب، فنسى رائحته الدموية،.. وننسى مخالبه تحفر في أوصالنا، لنجالسه ثانية على مائدة التصالح..

يلتهم أحلامنا،.. يشوّه معالمنا وملامحنا،.. وحين نتأمل مرايانا نبتسم لأنفسنا ونحن شعوب قادرة على الغفران والتسامح..

ما أعظمنا نعفو عند المقدرة،.. ومن دونها أيضاً،.. وندير خدودنا اليسرى واليمنى لكل من يصفعنا،.. ونحب أعداءنا، ونهمس لقاتلينا سامحكم الله، قبل أن نحملَ قتلانا إلى المقبرة،.. ما أعظمنا، نقيم أعراسنا في مواقع المآتم بعد ثانيتين على جفاف الدم..

نفرشُ على أرض المجزرة سجاجيدنا، وندعو الله خالق كل البشر، أن يغفر لهم لأنهم لا يدركون ما يفعلون..

لسنا أنبياء، ولا ملائكة، ولا آلهة، لنمارس الغفران في مواقع تستحق الثأر..

ولسنا أمناء على المستقبل، لنقدم له الحاضر كلّه أضحية على مذبح الغاشم..

 

أعداد الشهداء والقتلى أكثر من عدد المواليد 

منذ اندلعت الثورة السورية ولغاية اليوم ، تجاوز عدد الشواهد على القبور أكثر من عدد البراعم على أشجار الحقول، تجاوز عدد الشهداء والقتلى أعداد الولادات بأضعاف، تجاوز عدد المهاجرين واللاجئين إلى كل بلاد الأرض أكثر من عدد الذين ظلوا في الأرض مجرد جثث تنتظر الدفن، ورغم ذلك ننسى، ونتابع حياتنا وكأن شيئا لم يكن، ورغم ذلك نعتقد أن الشمس فاتحة نهارات جديدة، وكل نهار يعيشه السوريون يشبه السابق، بل يتعداه سوءاً على لوائح الأمل والتغيير.

مجزرة التضامن على قسوتها، على شناعة المشهد والدلالات كانت منسية، أعادتها عدسةٌ ما لأحدهم، وثمة عدسات كثيرة لا تزال متوارية خائفة من العلن، ستعلن يوما ذاكرة الحريق، وسنرى بأم العين كيف أن ذاكرة الموتى لا تموت، وكيف أن التراب سيرفع صرخته ذات صحوٍ لعلنا نفيق من الغيبوبة.

وكم من مجازر تختبئ فظائعها في أدراج السر، كم من ذئاب يعيشون اليوم على الأرض ذاتها التي ابتلعت الضحايا ، يسرحون ويمرحون ويبتسمون ويمارسون حياتهم وكأن شيئا لم يكن.

 

هل ينسى السوريون حفلات البراميل؟

شعوب نحن بلا ذاكرة،.. أو أننا بذاكرة مثقوبة،. استنسابية، تنفتح وتنغلق وقت نشاء. هل تعيدُ إلى الحياة آلافَ الضحايا ابتسامةُ الطاغية لو أنه قرّر أن يبتسم لنا،. ويمّد كف الاعتذار..

هل ترجع إلى دمشق وحلب وإدلب ودرعا وجوه صغارها، لو أن قائد الجماعة التي تشهّتِ الجثث وحققت حلمها على أرضنا، شعر بالندم وتأسف لنا عن غلطته الدموية..

هل تغفر شعوبنا في المناطق الساخنة للطغاة مذابحهم ؟..

وهل ينسى السوريون حفلات البراميل، وتسابق الصواريخ على نهش وطنهم وأحلامهم؟..

أجمل ما فينا ما علينا تذكّره، ولا نفعل.. وأقبح ما فينا أننا لا ندوّن على كرّاساتنا اليومية، سوى تاريخ اليوم..

نحن أولاد اليوم،.. مَثَلٌ نؤمن به جميعنا،.. كأننا بذلك نعلن أننا لقطاء..

 

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة