أيمن زيدان في كربلاء: الدِّين والفنُّ بوصفهما أيديولوجيا!

د.مهنا بلال الرشيد 2022-04-25 07:22:32

أيمن زيدان مبتهجا بشتم عقائد أهله السنة في كربلاء

حضارتا العراق ومصر القديمتان من أعرق حضارات الدُّنيا وأكثرها إبداعًا وأصالة إن لم تكونا الأعرق فيها على الإطلاق؛ ولعلَّ الجذر اللُّغوي المشترك بين العراقة والعراق خير دليل على ذلك؛ ولهذا أقول في كثير من المجالس العلميَّة: على كلِّ إنسان أن يراجع إنسانيَّته إن مرَّ باسم مصر أو اسم العراق دون أن يشعر بكثير من الهيبة والعراقة وهو يلامس مُنْجَزًا حضاريًّا أصيلًا قلَّ نظيره في أرجاء الدُّنيا كلِّها؛ لذلك لا يرتوي الشَّخص المسكون بهذا الشّغف الحضاريِّ من تكرار زياراته إلى هذين البلدين العظيمين.

البحث عن "ذرّة" إنسانية!

قد يكون الشَّغف الكبير بحضارة العراق ورمزيَّة مدينة كربلاء المقدَّسة اثنين من أبرز الأسباب الَّتي دفعت أيمن زيدان الفنَّان السُّوريّ المؤيِّد للمجرم بشَّار الأسد إلى زيارة هذه المدينة في العراق؛ هذا البلد العريق الَّذي أنتجت حضارتَه القديمة مجموعةٌ من الشُّعوب العريقة المتجذِّرة في هذه الأرض من خلال تفاعل إنسانيٍّ وشراكة إبداعيَّة قلَّ نظيرها، إلى حدٍّ يستحقُّ فيه هذا التَّفاعل الإنسانيُّ وتلك الشَّراكة الإبداعيَّة أن يكونا مثالين تحتذي بهما كلُّ دولة تريد لشعبها أن ينهض ولأمّتها أن ترتقي. وإن كان الوقوف على دور التَّفاعل الإنسانيّ والشَّراكة الحضاريَّة في بناء حضارة العراق القديمة من أبرز الأسباب والمقاصد الَّتي تقود الفنَّان السَّائح إلى زيارة العراق؛ فإنَّنا نضيف إلى ذلك دلالات رمزيَّة أخرى يستلهمها زائر كربلاء المقدَّسة ذاتها؛ كالوقوف على معاني الثَّورة ضدَّ العنف والظُّلم من أجل تحقيق الحرِّيَّة والعدالة؛ فروح زائر العراق قبل الزِّيارة حتمًا لن تكون كروحه بعد الزِّيارة؛ هذا إن كان في تلك الرُّوح ذرَّة من الإنسانيَّة الواقعيَّة الحقَّة؛ لا إنسانيَّة المشاهد التَّمثيليَّة والشهامة المستعارة من مواقف الدّراما الاستعراضيَّة؛ لذلك يمكننا أن نبحث عن الفائدة الَّتي جناها الفنَّان الاستعراضيُّ السُّوريُّ أيمن زيدان من زيارة العراق، ومن حقِّنا أن نتساءل عنها أيضًا.

يشعر المواطن في البلدان العربيَّة بسعادة كبيرة حين يزور أيَّ ضريح فرعونيٍّ أو سومريٍّ أو بابليٍّ، وينتشي بالوقوف على قبور أجداده العرب والفينيقيِّين والأكديِّين في ماري وإيبلا وأوغاريت وسبأ ومأرب وغيرها، وتكون سعادته غامرة-دون أيِ تعصُّب دينيٍّ مذهبيٍّ أو قوميٍّ عنصريٍّ-حين يزور مقام قائد شجاع بطل؛ كالحسين بن عليِّ رضي الله عنه، وحين يقف على مقام صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ يتذكَّر مقولته الخالدة للصَّليبيِّين: (اذهبوا من غير رجعة)، ويستعيد قول الجنرال الفرنسيِّ غورو، حين عاد إلى سورية محتلًّا في نهاية الحرب العالميَّة الأولى، وداس بالقرب من صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ؛ وقال: (ها قد عُدنا يا صلاح الدِّين!)؛ فعلقت مقولة غورو المؤلمة في وجدان شفيق جبري؛ الَّذي حفظها ستًّا وعشرين سنة؛ وأنشد بسببها داليَّته الشَّهيرة فرحًا بجلاء الفرنسيِّين عن سورية بعد ما يقرب من عقدين ونصف من الاحتلال؛ فقال:

ليتَ العيونَ صلاحَ الدِّين ناظرةٌ  إلى العدوِّ الَّذي ترمي به البيدُ

انظر بعينِك هل تلقى له أثرًا  كأنَّه شبحٌ في اللَّيل مطرود

يا فتية الشَّام للعلياء ثورتكم   وما يضيعُ مع العلياء مجهود

جدتم فسالت على الثَّورات أنفسُكم علَّمتم النَّاس في الثَّورات ما الجود

نبل الشخصية ووضاعة الممثل! 

بعد هذا كلِّه نعود إلى أيمن زيدان؛ لنخاطبه بأسلوب تقريريٍّ مباشر؛ فنقول: يا مفيد الوحش! غالبيَّة الشَّعب في بلدان الوطن العربيِّ ليس لديها أيُّ تعصُّب دينيٍّ أو عرقيٍّ أو مذهبيٍّ؛ ولهذا تحبُّ الحسين رضي الله عنه أكثر من حبِّك له بأضعاف مضاعفة، وترى في شخصيَّتك عندما كنت ذاك الشَّهم مفيد الوحش الَّذي قطع ذنب الجحش نبلًا يتعارض مع شخصيَّتك الانتهازيَّة المنافقة والمؤيِّدة للمجرم بشَّار الأسد؛ فالنَّاس يا (مفيد/أيمن) لا تحبُّ صاحب الوجهين؛ وجه الشَّخصيَّة التَّمثيليَّة الشَّهم، ووجه الممثِّل الحقيقيِّ البراغماتيِّ النَّفعيِّ الانتهازيّ، الَّذي يؤيِّد بشَّار الأسد المجرم، ولا يمانع أن تنتشر صورته في مقطع فيديو يزيد في تفكيك الأمَّة وتفتيتها فوق ما تعانيه من تفكيك وتفتيت؛ مع أنَّ الواجب الأخلاقيِّ يفترض أن تحمل زيارةٌ كهذه بعدًا روحيًّا؛ لتُسهم في وحدة الأمَّة، وتبتعد عن أيديولوجيا رئيسك المجرم؛ الَّذي يدَّعي أنَّه طبيب عيون؛ وهو الَّذي قصف المساجد والآثار وبيوت المدنيِّين بالبراميل المتفجِّرة، وأمر جنوده بِسَمْلِ عيون الثَّائرين ضدَّ حكمه الوراثيِّ غير الشَّرعيِّ قبل قَطْعِ رؤوسهم، وطلب من مرتزقته انتزاع حناجر المنشدين ضدَّه مثلما فعلوا بحنجرة القاشوش، ومثَّلوا بجثث أطفال درعا؛ هذا هو المجرم بشَّار الأشد الَّذي تؤيِّده يا حضرة المدير العام!

هل بعد التَّمثيل بالجثث إجرام وفساد؟

أيُّها المدير العامُّ! 

يا ابن النَّايحة الَّذي مثَّل علينا حلقات كثيرة، وهو يحارب الفساد؛ فهل بعد التَّمثيل بالجثث إجرام وفساد؟ لقد لجأ الثَّائرون والأطفال إلى المساجد والأوابد الأثريَّة؛ فلحقتْ بهم براميل رئيسك المجرم؛ فهدَّمت المآذن والصَّوامع، وحطَّمت الأضرحة الَّتي تزور بعضها في العراق؛ فإن وجدتَ مَن ينتقد زيارتك يا أيمن! فلا تكذب على متابعيك! وقل لهم: لقد غضبوا منِّي بسبب كذبي ودَجلي وازدواجيَّة معاييري وموقفي المؤيِّد للمجرم بشَّار الأسد؛ قل لمتابعيك: النَّاس لا تنتقد الزِّيارة ذاتها؛ إنَّهم ينتقدون ازدواجيَّة أدلجة الدِّين والفنِّ؛ نعم نحن ننتقد أدلجة هذه الزِّيارة وتوظيفها من قِبَلك وقبل إعلام  بشَّار الأسد ووضعها ظلمًا وبهتانًا في باب الاغتياظ المذهبيِّ أو التَّعصُّب الدِّينيِّ، ونحن الَّذين لم نعرف تعصُّبًا عرقيًّا أو مذهبيًّا قبلك وقبل هيمنة حافظ الأسد على سورية بانقلاب عسكريٍّ، وتسليمها لوريثه القاصر بشَّار الأسد دون أيِّ وجه حقٍّ.

يطول الحديث كثيرًا لو أردت الاستفاضة حول أدلجة الدِّين والفنِّ في وقتنا الرَّاهن، ولا سيَّما أنَّ كثيرًا من الحكَّام المستبدِّين لا يرون في الدِّين أيَّ بعدٍ روحيٍّ؛ يقود إلى السَّكينة والطَّمأنينة، وما الدِّين عندهم إلَّا شكل عالٍ من أشكال الأيديولوجيا؛ ولا يؤمنون بالفنِّ إلَّا بمقدار ما يخدم أُفُقَهَم الأيديولوجيِّ الضَّيق؛ ولهذا كلِّه أتوجَّه لأهلنا الأنقياء في كربلاء بتحيَّة احترام وتقدير، وأقول لهم: إنَّني على ثقة تامَّة أنَّ نفسًا ثائرة توَّاقة للحقِّ والعدل والحرِّيَّة والمساواة كنفس الحسين رضي الله عنه تنفر من شخوص المجرمين مثل بشَّار الأسد، وتشمئز من شخوص مؤيِّديهم المنافقين الدَّجَّالين كشخص المهرِّج الكوميديِّ المضحك أيمن زيدان.

التعليقات