مشواري مع الثورة والأدب-4: زيارتي الأولى للمخيم أشعرتني بتفاهة أيامي في مصر!

أورينت نت- ابتسام شاكوش 2022-04-18 07:38:32

الكاتبة ابتسام شاكوش

ذهبت إلى مخيم (جيلان بينار)  بعدما علمت أن معظم أهل الحفة قد تجمعوا فيه. دخلت مع مرافقي, كان الوقت ليلاً, لكن ظلام الليل يبدده ضوء المصابيح المنتشرة بكثافة في كل مكان, والتي تكشف هذا الكم الهائل من الحزن, الموزع في خيام تمتد على امتداد النظر, بحر من الخيام؟ بحر من الدموع والثكل والآلام, أية عصابة مجرمة تحكم بلادنا؟؟ سألت عن أهل الحفة, فقيل لي إن أخي أسامة يقيم هنا. أخذنا رقم الحي ورقم الخيمة، ومشى معنا شرطي يرشدنا للطريق.

الخيام موزعة على الجانبين، الأطفال منتشرون في كل مكان، شعرت بغصة في قلبي. وتذكرت حكايات كنت أسمعها من جدي ومن أخته وابنة عمه، عن رحلة (المهاجرة) حيث هجر أهلنا السنة من منطقة الحفة وما حولها، إبان قيام الدولة العلوية في الساحل تحت الانتداب الفرنسي.

تهجير السنة والدولة العلوية! 

كأن سكان هذه البلاد منذورون للتهجير. في تلك (المهاجرة) لم يسكن أهلنا في مخيمات, بل توزعوا في القرى والمدن التي امتدت حتى أطراف جبل الزاوية، ونحن الآن منتشرون في كل بقاع الأرض. هذه الهجرة تشبه تلك، تشبهها إلى حد التطابق، ففي شهر نيسان 2012 كنت شاهدة على حديث لأحد عناصر أمن الدولة في الحفة، قال حينها إن تقسيم سورية أمر حتمي، وإن قيام الدولة العلوية أمر متوافق عليه دولياً ولابد منه، الخلاف على حدودها فقط. وقال أيضاً: في دولة العلويين لن نسمح لامرأة محجبة بالسير في شوارعنا، ولن نسمح لصوت الأذان أن يرتفع في فضائنا. من أعجبه هذا فليعش بيننا و(بالصرماية) مثلما تريد الأكثرية، ومن لم يعجبه فليبحث لنفسه عن وطن بديل، لا مكان له بيننا.

وصلت خيمة أخي, بينما ذهب مرافقي ليبحث عن أقاربه في المخيم, وانتشر الخبر, ابتسام شاكوش هنا قادمة من مصر, كل سكان الحفة والقرى المحيطة بها يعرفونني. لأني اشتغلت عشرين سنة في دائرة السجل المدني, أعرفهم كلهم بالاسم ورقم الخانة. كانوا يسألون عني في دائرة عملي فإن لم يجدوني أجلوا  معاملتهم حتى عودتي, كنت لا آخذ رشوة من أحد, ولا أترك الفرصة لزملائي لابتزاز أهلي وأهل بلدي من السنّة، نعم لقد مارست التمييز الطائفي خلال تلك السنوات، لذلك تجد لي مكانة في نفوس الجميع.

ما الذي يمكن فعله لأهل بلدتي؟

ازدحام شديد حول خيمة أخي, الكل جاء يسلم علي. الكل يبلغني الأشواق. سعدت جداً بذلك الاحتفاء. استمرت السهرة إلى ما يقارب الفجر, وفود  قادمة بعد وفود, وأنا أفكر ما الذي يمكنني فعله لكل هذه الأعداد من أهل  بلدتي. يجب ألا أخيّب آمالهم.. فمثلما كنت أنقذهم في (السرايا) يجب أن أفعل لهم شيئا أنقذهم به. كانت فرحة طاغية عندي وعند المحتفلين بي, قلت في نفسي: بهذه الروح, وهذه الهمة سنبني جيلاً من السوريين لا يعرف الخوف ولا الخنوع. جيل يعرف كيف يرفع رأسه ويقول لا حين يجب أن تقال. هنا، كل الأطفال لو سألتهم لماذا أنتم هنا في المخيم؟ لأجابوا: لأن بشار الأسد هدم بيوتنا. ولا تخلو إجابتهم من شتيمة! وهذا وحده أعتبره مكسباً كبيراً وبداية التحرر من الرعب الذي سيطر على بلادنا، منذ انقلاب حزب البعث المشؤوم.

في مصر كنت أشعر بالضياع وبتفاهة أيامي، لأني لا أفعل شيئاً للثورة. نعم لقد حضرت إنشاء أحزاب سورية وتكتلات، وأعطيت حديثاً لمعظم الصحف المصرية وقنوات الإعلام.. كل القنوات حذفت من حديثي ما قاله الدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب، و بعضها كصحيفة (روز اليوسف) وضعت عنواناً سخيفاً لمقابلتي: (ابتسام شاكوش تتحدث عن أدب الأظافر الطويلة) وكل القنوات سألتني هل يوجد تمييز عنصري أو طائفي في المخيمات؟ (وكنت قبلها قد زرت مخيمات أنطاكية والإصلاحية في تركيا) أيها الناس، التهجير لم يشمل أية طائفة سوى المسلمين السنة. كل الطوائف تعيش بسلام في بيوتها. وهذا أيضاً حذف من كل المقابلات وقنوات الاعلام,  يا للسخافة في مكوثي بالقاهرة. ليس هذا مكاني، هذا لا يكفي  يجب أن أفعل شيئاً. هذا المخيم هو المكان الأفضل للعمل، نعم سأترك مصر وأسكن هنا، في هذا المخيم. 

في الصباح بعد وجبة الفطور التي كانت تقدم يومياً من إدارة المخيم, يوزعها موظفون يرتدون ملابس موحدة وقفازات وكمامات, كما في أرقى المطاعم, طلبت من أخي إحضار الشاي, تبادل مع زوجته نظرات كأنه يستنكر ما قلت, ماذا في الأمر؟ سألته, قال, منذ وصولنا إلى المخيم لم نشرب الشاي, لا يوجد لدينا شاي ولا سكر, ولا نقود لنشتري بها, بسيطة, خذوا نقوداً واشتروا بها الشاي والسكر.

إبريق الشاي صار جاهزاً. وضعه أخي مع الأكواب في صينية، وحمل الصينية إلى فسحة أمام الخيمة، وتجمع الجيران من كل حدب وصوب. كلهم يريد المشاركة في شرب الشاي.

التعليم أولاً

سألتهم عن التعليم في المخيم, قيل لي إن الإدارة قد خصصت في كل حي صالة كبيرة للتعليم, فالمخيم مقسم إلى ثلاثة عشر من الأحياء, تفصل بينها أسيجة من الشبك المعدني. في كل حي خيمة كبيرة أعدت كمسجد، وأخرى أعدت للاستراحة فيها جهاز تكييف وفيها تلفزيون، وثالثة أُعدت كمدرسة.

في البداية تطوّع بعض المعلمين والمعلمات، فجمعوا الأطفال في خيام وراحوا يعطونهم دروساً مما يحفظون في ذاكرتهم, فلا كتب هنالك ولا دفاتر ولا أقلام, أكثرهم توجه إلى تحفيظ القرآن الكريم, أردت استكشاف العمل هنا, تجولت بين الأحياء, دخلت عدداً من الخيام (المدارس) تحدثت إلى بعض المعلمين والمعلمات، فهمت منهم تفاصيل الوضع, ووجدت أني أقدر على فعل الكثير هنا.

المسافة بين كل خيمة وأخرى تكفي فقط لتثبيت الحبال في الأرض. مسافة أقل من متر واحد, عمل السكان على استثمارها. زرعوها بأنواع الخضار والأزهار. حولوا بؤس حياتهم وشظفها إلى حديقة غناء.. أية طاقات تملكها أيها الشعب؟ وأية طغمة مجرمة كبتت هذه الطاقات وحولتها إلى رعب دائم؟!

قرار العودة إلى المخيم

توقفت مطولاً أمام طفل يجمع الحجارة الصغيرة ويصفها لتأخذ شكل مستطيل. لم يبال الطفل بنا، كان منهمكاً في عمله يتصبب عرقاً، سألته: ماذا تفعل هنا؟ وما هذا الذي تبنيه؟ قال: هذا قبر. قبر من يا صغيري؟ نهض بكتفيه ولوى فمه في إشارة إلى أنه لا يعلم. صرخ طفل يجلس بجانب الخيمة يراقب الوضع: قل لها سنقبر بشار الأسد!

أضحكني جوابه وأحزنني المنظر. صار الموت والقبر مفردات في ثقافة أطفالنا. ورجعت إلى خيمة أخي، أغالب الصداع والحمى، أصابتني ضربة شمس..

قررت العودة في اليوم التالي إلى القاهرة, سأنهي ارتباطاتي هناك. وأسلم البيت الذي استأجرته, وأعود إلى هذا المخيم. لأعمل فيه حتى يقضي الله أمره.

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة