أهم الأخبار

 

نحنُ كسوريّين لا نريد للتاريخِ أن يعيد نفسه!

"نحنُ

صورة تعبيرية

نبيل أدهم المحمّد

كلّ شخص لديه القدرة على أن يصبح عدوانيّاً ويستخدم العنف، لكن العدوان والعنف يختلفان اختلافاً كبيراً من شخص لآخر ومن ثقافة إلى أخرى، ولطالما فكّر الناس في الأمر لذلك فإنّ العديد من الأديان والفلسفات تتعامل أيضًا مع مسألة سبب قتل الناس.

وهناك العديد من الأسباب التي تلعب دوراً، فقد يتفاعل الناس بعنف عند تجاوز حد معين من الألم، وعندما يتعرّض الناس للعنف، فإنّهم يستخدمون العنف بأنفسهم في كثير من الأحيان. ومع ذلك، فإن أسباب قتل شخص آخر مختلفة تمامًا:

في الحرب على سبيل المثال، غالبًا ما يرى الكثيرون الخصم فقط على أنه عدوّ يجب قتله بناءً على الأمر، في المقابل غالبًا ما يكون القتل عبارة عن انتقام. وفي حالة الهجمات الإرهابية، يُفترض أنّ مرتكبيها مشحونون بآيديُولوجيا عالية الوتيرة، لكن في تركيا وبعد دخول اللاجئين السوريين الأراضي التركية كفارّين من الحرب (باعتبار تركيا ترفض منح صفة لاجئ للسوريّ الفار من بلاده ومنحه صفة أخرى هي مهاجرين أو ضيوف أو أو…)، أصبحت المشاعر المعادية للاجئين أكثر عدوانية.

عندما يتجاوز العنف مرحلة العنف!

مع كل سنة تزداد هجمات العنف ضدّهم ومع هذا التصاعد تكثّف أحزاب المعارضة خطابها كقول عمدة حزب الشعب الجمهوري في بولو إن "الأجانب" ببساطة لن يغادروا، حتى لو قطعت المساعدة ولم يحصلوا على تراخيص عمل. لذلك قرر زيادة أسعار المياه ورسوم الصرف الصحي عشرة أضعاف.

في السنوات الأخيرة تنامى الشعور المعادي هذا، وقد وصل إلى ذروته عندما بدأت ظاهرة القتل العمد تطفو على السطح، لا سيما أنّها ظهرت ممنهجةً سواء من قبل الشبّان الأتراك الّذين بدؤوا يشنّون هجمات بشكل جماعي على لاجئين سوريين في بيوتهم، منهم من تعرّض للحرق ومنهم من تمّ طعنه وهو نائم حتّى الموت، ومنهم من تمّ اختطافهم وثمّ وُجدوا مقتولين بشكل مجهول، ومنهم من قُتِلَ من أجل سيجارةٍ في الشارع وعلى رؤوس الأشهاد، ولكل شكل ممّا ذكرت توجد الكثير من الأمثلة والأدلة الموثّقة، (ولسنا بصدد ذكر الأسماء والحالات فهي موجودة على الكثير من المواقع الإلكترونيّة بوفرة) أمّا من جهة الدولة التركيّة فقد ظهر ذلك واضحاً في عمليّات حفظ الحدود وقد تمّ إطلاق النار على أعداد كبيرة من اللاجئين الّذين يحاولون عبور الحدود ما تسبب بمقتل مئات السوريين أكثر من مئة منهم هم تحت السنّ القانونيّة، وهذا العدد لا يوحي بأنّه تصرّف فردي أو تجاوز أو قتل بالخطأ، وهذا ما لم تنكره الحكومة التركيّة ولا إعلامها ولا حتّى منظّمات حقوق الإنسان، لكن اللافت للنظر هو عدم وجود عدد حقيقي موثّق لعمليّات القتل هذه، فهي متضاربة ولكنّها أعداد أكبر من عدد السوريّين الّذين تم قتلهم في الدول الّتي لجأ إليها السوريين كدول أوربا ودول شمال أفريقيا ودول الأميريكيّتين والشّرق الأوسط والقطب الشمالي، فإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على وجوب دراسة هذه الحالة بشكل أكبر من قبل مراكز الأبحاث، لا سيما أنّ التاريخ يلعب دوراً بالنسبة للسوريّين ولدولة تركيا في أوائل القرن العشرين.

سِيكولوجيا القتل المتعمّد والمنظّم

يوجد اليوم العديد من علماء الأعصاب الذين يتعاملون مع هذه النقطة، إنهم يفحصون ما إذا كان الأشخاص الذين يقتلون الآخرين يختلفون عن الآخرين أو ما إذا كان كل إنسان قادرًا بشكل أساسي على القيام بذلك، فمنذ الطفولة المبكرة آمنّا في السر على الأقل ألّا نقتل، حتى قتل الحيوانات، فإن إغراق قطة أو حبسها أمر سيّئ، أمّا قتل شخص ما عمداً فهو تدنيس للمقدّسات وخُطيئة لا تُغتفر، سواء كان من المنطلق الديني أو الأخلاقي، لذلك لدينا نحن البشر موانع عالية جدّاً تبعاً لذلك ثمّ تبعاً للقانون العالمي الّذي يحرّم القتل بكلّ أشكاله، لذلك يُعرَّف أي شخص يقتل بيده شخصاً آخر أو يدفعه إلى الموت أنّه يتجاوز الحد الأخير الثابت، هناك دوافع للقتل يغلب عليها الطابع العاطفي: بدافع الخوف، والدفاع عن النفس، والغضب، والانزعاج، والغيرة، والانتقام ….. وهي كثيرة جدّاً، وهناك جرائم قتل بدوافع عقلانيّة في الغالب: للحصول على نهبٍ مادي أو جنسي أو بدافع ثابت موجود ومخطّط له ويتم شحن الأشخاص عن طريقه.

لكن إن بحثنا في كلّ حالات التطهير الممنهج ضدّ الأقليّات في التاريخ وفي كلّ البقاع الجغرافيّة فإنّا سنلاحِظ نقاطاً ثابتة ومتشابهة بين كلّ الحالات، وهي كيفيّة البدايات، ومراحل الانتقال من التأزّم العاطفي تجاههم إلى الدعوات المناهضة لهم إلى حالات التجاوزات الفرديّة إلى الهجمات الجماعيّة الّتي يقودها العقل الجمعي "عقليّة القطيع" وصولاً إلى الكارثة النهائيّة، ابتداءً من عمليّات البيض ضدّ الهنود الحمر، الّذين تعاملت معهم الجماعات الّتي نزلت الأرض الأمريكيّة ثمّ بدأت تتعايش معهم وبعدها بدأت بتحريض الإنسان الأوربّي وبدأت هذه الجماعات بشحذ نفسها عبر الكثير من المسوّغات كهمجيّة الجماعات الأصليّة والتذرّع بشنّ الهنود الحمر لهجمات ضدّهم.

وعمليّات قتل سكان مدينة سوتشي من قبل الروس في القرن التاسع عشر، فقد شهدت المدينة مذابح دموية أثناء حرب الروس ضد السكان الأصليين من المسلمين، ما دفعهم إلى الهرب إلى الدولة العثمانية آنذاك..

حتّى الهجمات الطويلة في يوغوسلافيا ضدّ الأقليّات بدأت ملامحها في ثمانينيات القرن الماضي على شكل شحن عنصري وعرقي وتعليق المشاكل على شمّاعة الأقليّة، وصولاً إلى القتل والاغتصاب وتدمير الممتلكات والهجمات العشوائية وكل ذلك خارج إطار سلطة القانون والمحكمة والدولة ما أدى إلى ما أدّاه…

أمّا في الجغرافيا القريبة منّا كسوريين فإنّ الأراض التركيّة شهدت في أوائل القرن العشرين عمليّات كثيرة ضد الأقليّات الّتي هي أساساً من ساكني الأرض الأصليين، كالأرمن والأقليات المسيحيّة الأُخرى والّتي أيضاً بدأت بشكل تصاعدي بطيء وانتهت بعد الوصول إلى الذروة والهدف المنشود.

أحداث تدق ناقوس الخطر! 

أمّا إذا عدنا إلى تعريف مصطلح إبادة فهي سلسلة من عمليات القتل المنظمة والممنهجة والمخطط لها مسبقاً ضدّ جماعة عرقيّة أو دينيّة معينة بهدف إنهاء وجود هذه الجماعية (بصفة جماعة) والتخلص منها للأبد. كل هذا دون تحديد عدد القتلى الّذي يجب أن يتوفّر لكي ترتقي الحوادث لذلك، وإنّ عالماً لم يحذف حرف "قد" من جملته المعتادة (إنّ جرائم نظام الأسد قد ترتقي لإبادة) هذا العالم لن يلتفت لفئة غريبة يمارس عليها القتل المتعمّد بحجّة أنّهم غرباء وهم سبب البلاء.

إن عدنا إلى السبب المشترك بين الكثير من الحالات التاريخيّة المشابهة فإنّه يتلخّص في شعور المجتمع بعدم قبول بقاء الجماعة الأقل بينهم ويعززه مشاعر كثيرة، أمّا الشكل فهو التدرّج البطيء جدّاً وصولاً إلى الذروة، ولا توجد حالة تمّ تنفيذها فجأة، وجميعها استمرّت لسنوات بشكل تدريجي، أمّا التوقيت، فأغلبُها يوحي أنّها تمّت تزامناً مع أزمات إقليميّة أو حروب دوليّة، حيث يغيب الهدوء والقانون والانضباط والدقّة في التحرّي… 

لا يكاد يمرّ وقت قصير حتّى يتصدّر الصحفَ خبرُ مقتل سوريّ على يد شاب تركي، أعمال عنف ضدّ ممتلكات السوريين، هجمات لمجموعاتٍ غاضبة في أماكن مختلفة على منازل السوريين ومحالهم وأماكن أشغالهم، فإن بسّطنا الأمر نستطيع أن نقول إنّ حوادث كهذه تحدث في الكثير من المجتمعات، لكن تصاعد وتيرة أي ظاهرة وعدم وقوفها عند حدٍّ معيّن فإنّه ينذر بخطر أكبر يجب على الكثير من الجهات دراسته والوقوف عليه، ويدقّ ناقوس الخطر الأكبر الّذي ربّما يحدق بمن هبّ ودبّ، سيما عندما لا تكون هذه الجماعة المستهدفة موجودة في مكان جغرافيٍّ واحد تستطيع أن تتقوقع على نفسها وتصدّ أي اعتداء عليها "وحقُّ الدفاع عن النفس والممتلكات حقّ تقرّه حتّى الحكومة التركيّة وهو حق مقدّس" أمّا بالنسبة للسوريين فإنّهم يكادون ينصهرون في بوتقة المجتمع ككل ولا وجود لتكتّل يكان يلمح…. ربّما على السوريّين في المنظّمات القانونيّة والإنسانيّة في تركيا الوصول إلى حلّ جذريّ وجدّيٍّ بمساعدة الحكومة التركيّة والعالم، للحفاظ على الأرواح وإيقاف أيّ انزلاق لا يمكن أن يُتدارك بعدها.

ولعلّ مقولة السوريين الّتي كانوا يتداولونها "صِرنا بعرضِ الغانمين" تستعطف قلب كلّ غانم، أي أنّا أصبحنا غنيمة لكلّ غانم وغير غانم! أمّا الائتلاف وما شاكله من أشنيّاتٍ فيبقى عائماً في فراغ العطالة وعدم الإحساس بالمسؤولية.. إذ لا حياة لمن تنادي! 

اضافة تعليق

يرجى الالتزام باخلاق واداب الحوار

أرواح في عين الزلزال

أرواح في عين الزلزال

مقال اليوم
التداعيات السياسية لزلزال "كهرمان مرعش"

التداعيات السياسية لزلزال "كهرمان مرعش"

مقال اليوم