(الشمس تغرب من الشرق) لسمير إلياس حداد: سورية في أتون النار وفساد حكم الطائفة!

أورينت نت- نينار محروس 2022-04-14 07:04:46

كتاب الشمس تغرب من الشرق

تناول العديد من كتّاب العالم في مؤلفاتهم أدب الحروب ليسطروا ما خلّفته تلك الحروب من مآس تمسّ بالإنسانية، فمثلاً  تناول  الأديب الروسي يوري بونداريف  في روايته "الثلج الحار" أحداث حرب (ستالينغراد) في الحرب العالمية الثانية مستفيداً من خبرته كضابط مدفعية, ولم يغب عن الأدباء مسألة  النزوح وهذا ما استطاع تسطيره الكاتب (خالد الحسيني) في روايته (عدّاء الطائرة الورقية) عند نزوح الأفغان إلى باكستان والولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط النظام الملكي الأفغاني وتدخل الاتحاد السوفيتي. روايات عدّة يختلط بها الحديث بالدم والتشتت متّكئة على واقع مرير خلّفته الحرب وتداعياتها ولعل رواية (الشمس تغرب من الشرق) تأتي في السياق ذاته.

تحت عنوان  مكثّف لافت يحمل في طيّاته العديد من التساؤلات قدّم الكاتب سمير حداد روايته،  حدّاد  الذي استخدم  أسلوب السرد التاريخي متوقّفاً عند أبرز المحطات السياسية التي مرّت بها سورية، محاولاً التصويب على القاسم المشترك بين تلك السياسات من ممارسات قمعية وكمّ  للأفواه  إلى  الملاحقات والاعتقالات منذ عهد الإقطاع واستبداده، كما إنه دخل في دهاليز اللعبة السياسية وكشف الستار عن خفايا ونوايا الممارسات الحزبية ولعبة الانقلابات العسكرية والتقاء مصالح الدول الغربية وتآمرها بطريقة مشوّقة ووصف دقيق يدفع القارئ ليعيش كل حدث وكأنه إحدى شخصيات هذه الرواية

ليه صار معنا هيك؟!

اتصال هاتفي دفع الكاتب للقفز نحو مغامرة جادّة  لم تكن بحسبانه. نقطة تحوّل من السينما والتلفزيون والموضة والأزياء إلى الكتابة وربما كان هذا الاتصال كنار أشعل فتيل حنقه ما آلت إليه البلاد ووجد بهذا سبيلاً ليفرغ حزنه، مستعيناً بأحداث تاريخية وشخصيات حقيقية وحوادث واقعية  مازجاً سرده بمراوغة خيالية على جغرافيّة مناطق يعرفها جيداً جميعها تصبّ في قضية واحدة "الواقع السوري"

واقع حقيقي لم يكن فيلماً يجلس وراء كاميرا تصويره مساعداً للمخرج ليراقب إتقان الممثلين لأدوارهم، لا مشاهد ستعاد لتجنُّب أخطائها بهدف صناعة فيلم متقن، لا سائل أحمر تُلطَّخ به وجوه الممثلين بديلاً عن دم يُراق، ولا رصاصات خلّبيّة تدكّ في مخازن الرشاشات، لا خدع سينمائية  كل ما يجري أمامه الآن حقيقي، سلسلة بشرية تُساق نحو المقابر، بحر يبتلع الهاربين، بيوت تساوت بالأرض على رؤوس قاطنيها، نواح ودم ونار  ومعتقلات تضجّ بالمتظاهرين، تماثيل القادة تسقط تحت أقدام الناس.

 

على يد من تُحرق سورية؟

يليا شهادة تاريخ" استعان الكاتب بشخصية إيليا ليسلسل بتراتبية الأحداث السياسية، إيليا الرجل المسيحي الذي يشكّل مثالاً عن رجال قاوموا الظلم ولم يتوانوا عن قول الحق والوقوف في وجه كل ظالم، رجال تركوا بصمة حقيقية عبر الزمن. إيليا الذي كان فعّالاً في المراحل التي مرّت بها البلاد من ثورة الفلاح على الإقطاع والانتداب الفرنسي ونفيه إلى سلسلة من الانقلابات العسكرية تخللها إنشاء دولة إسرائيل وصولاً لملاحقة الشيوعيين واعتقاله متهماً بهم، ليندمج القارئ بالسرد التاريخي ووصف الكاتب الدقيق للأماكن والشخصيات.

"مضافة إيليا" أو ربما تكون المقاربة ناجحة لو أطلقنا عليها اسم قصر العدل حيث كانت المضافة مكاناً آمناً ليفض إيليا فيها خلافات سكّان المنطقة وكل من يقصده ليحل نزاعاً ما. ومن خلال الحوارات والنقاشات التي كانت تدور بين روّاد المضافة وإيليا يفهم القارئ ما يريد الكاتب إيصاله من رسائل معلوماتية حيث إنه تغلغل في عمق المجتمع السوري وتناول جميع قضاياه، ولم يكتف بذلك وحسب إنما قام بوصف دقيق للمناطق ومعالمها ليرتسم أمام القارئ مشهد حيّ تضج به الحياة، جرس كنيسة يُقرع في رأسك، صوت ماريا زوجته تدعوهم لتناول الفطور، تشتّم رائحة اللحم المسقّى بالسمن العربي، مذيع يرمي بخبر سياسي تلتقط أنفاسك لتكمل السطور ولتعرف ما مفاده، وكأنك فعلاً بضيافة إيليا تشاركه القهوة المرّة وتنتظر مفاد الخبر على لسان المذيع وتعليق إيليا وروّاد المضافة وتضارب آرائهم حول ذلك، ثم يباغتك ماهر الذي أخذ عن والده إيليا وأعمامه الحذاقة، ماهر الذي كان ينضج  كلّما قلبت صفحة من الرواية حيث رمى الكاتب على عاتقه إكمال السرد التاريخي بحوارات متبادلة مع محيطه  والتصويب على ما خلّفته لعنة اللعبة السياسية.

 

سورية والعالم من حولها

لم يكتف الكاتب بالحديث عن سوريا منذ عهد الوحدة ونكسة الانفصال وحرب تشرين مسهباً بالحديث عن الأحزاب وتنوع إيديولوجياتها وشعاراتها، وصولاً إلى حزب البعث ضارباً شعارات هذا الحزب "أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة" بعرض الحائط، فلم تكن الأمة واحدة فقد استطاع القادة استغباء الشعب وتحويله لببغاوات تردد ما لا تفهمه أو تردد ما تريده السلطة السياسية فقط تبعاً لمصالحها.

  كان لا بد له من إحاطة القارئ بكل حدث سياسي في العالم تزامن أو سبق أو أعقب ذلك ربما بهدف صياغة بعض المقاربات لتتضح فكرة المصالح والمطامع الغربية بدول المشرق، غزو العراق، أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتفجير مبنى البنتاغون وتبنّي القاعدة لذلك، اجتياح الكويت حرب لبنان، وغيرها من الأحداث الذي وضعها الكاتب بذكاء نصب عينَي القارئ تاركاً له مهمة الربط والتحليل.

 

النزوح الأبدي

  مخاوف ماهر الذي أصبح مغترباً وضعت أمام عينه مشاهداً مشابهة لما حصل في سورية، حين انهارت يوغسلافيا وترك سكان مقاطعة سلافوتيا بيوتهم نحو نزوح أبدي. سورية لا تستحق مصيراً كهذا! لم يغب عن الكاتب أيضاً الإشارة إلى الفساد الذي تغلغل في مؤسسات الدولة وسيطرة المحسوبيات والوساطات وبخاصة بعد سيطرة بيت الأسد وتزاحمهم على كرسي الرئاسة وصياغة دستور دولة على مقاس حزب البعث وأهداف الرئيس، دستور ينص على الحرية والديمقراطية بين أفراد شعب لا يحق لهم الإشراك بالحياة السياسية والمساس بشخصية الرئيس. دستور لدولة من المفترض أن يكون حكمها جمهورياً إلا أن الواقع الذي يعيه الجميع أنه مجرد حبر على ورق، فالحكم أشبه بالحكم الملكي، والمسار: تهيئة الابن لاستلام الحكم وسط برزو مطامع العم! انتخابات روتينية، استفتاء شعبي، ضحك على الذقون، حصر المناصب والوظائف بطائفة الرئيس وأوراق توصية لمن أطاعوه.

إجاك الدور يا دكتور

استطاع النظام السوري منذ عهده الأول إفلات مخبريه لمعرفة كل صغيرة وكبيرة. لاحق الشيوعيين والإخوان المسلمين، احتشدت المعتقلات بكل من حاول الخوض في السياسة أو الاعتراض على أهداف البعث لكن حان وقت الانتفاضة التي أشعل فتيلها أولاد درعا ثم امتدت لتطال كل المدن والقرى السورية، قتل واعتقال ومداهمات، استخدام السلطة كرتَ الطائفة لضرب المتظاهرين ببعضهم  تحرير المعتقلين الإسلاميين ليعطوا للثورة طابعاً دينياً، فوضى عارمة، انشقاقات في صفوف الجيش، انقسم الناس بين معارض وموالٍ، تدخلات خارجية، هجرة.

ربما حاول الكاتب إفراغ ثقل ذاكرته بهذه الرواية، تاركاً العديد من الخبايا التي لا يعيها سوى من ترعرع في تلك البلاد ثم ذاق مرارة التشرّد والنزوح والغربة ويبقى السؤال: هل سيكون  للحديث النازف  تتمّة؟


الرواية والراوي:

-        الشمس تغرب من الشرق - رواية من جزأين

-        عدد الصفحات في الجزء الأول ٣١١ صفحة

-        وفي الجزء الثاني ٣٣٦ صفحة من القطع المتوسط

-        للكاتب سمير إلياس حداد

-        صادرة عن دار موزاييك للدراسات والنشر 2022

التعليقات