الرئيس السلفي فلاديمير بوتين

عقيل حسين 2022-03-05 06:00:00

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

اعتاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الخطاب الشعبوي الذي يدغدغ مشاعر الجماهير، وعمم ذلك على وسائل الإعلام التابعة له في استلهام متطابق تماماً للدعاية النازية قبل ثمانين عاماً أو أكثر.

وبينما يعتقد الكثيرون أن السلفية حكر في هذا العصر على المسلمين السنة، فإن الواقع يؤكد أن بين أتباع كل الأديان والمذاهب يوجد قسم كبير "سلفي"، بل حتى الذين يتبنون الأيديولوجيات القومية والعرقية هم سلفيون أيضاً "ذلك أن جميع الحجج تقريباً التي تُصاغ عادة للسؤال عن معنى السلفية متجذرة في مزاعم تاريخية" كما يقول المؤرخ الأمريكي هنري لوزيير في كتابه "صناعة السلفية: الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين".

وعليه، لم تكن الصورة التي نشرتها وزارة الدفاع الروسية لوحدات من الجنود الشيشان وهم يؤدون صلاة الجماعة قبل توجههم للمشاركة مع الجيش الروسي في احتلال أوكرانيا عادية، بل كانت نتاج تفكير دعائي ومن أجل التوظيف الهادف إعلامياً.

ليست هذه المرة الأولى التي تنشر فيها الحكومة الروسية صوراً لعناصر جيشها من المسلمين وهم يؤدون شعائرهم، فقد حدث ذلك من قبل عدة مرات، وتحديداً عند احتلال جزيرة القرم عام ٢٠١٤ وغزو سوريا عام ٢٠١٥.

في الواقع يعتمد بوتين بشكل كبير على الخطاب الشعبوي في دعايته وعلى دغدغة مشاعر الجماهير البسيطة واستغلال العواطف القومية والدينية في كل ما يقوم به.

لذلك توجه للحصول على بركات الكنيسة الأرثوذوكسية قبل إرسال طائراته إلى سوريا، وفي هذا دعاية شديدة التوجيه للمسيحيين في أوروبا والشرق أنه يدافع عنهم ضد "الإرهاب الإسلامي"، وفي الوقت نفسه كان يخاطب المسلمين في بلاده وفي سوريا وفي كل مكان عندما أوعز بنشر صور التشكيلات المسلمة في جيشه وهي تقاتل في سوريا أو تصلي في حلب أو توزع سلل الإفطار في رمضان جنوب دمشق، بينما كان طيرانه يدك المخيمات والأحياء السكنية في الغوطة وحلب وإدلب وريف حماة وغيرها.

وبالتوازي مع هذا وذاك، ركز الخطاب الروسي-البوتيني أيضاً على التوجه إلى اليمين الأوروبي المتطرف، من خلال التخويف من اللاجئين وإظهار روسيا على أنها تدافع عن أوروبا التاريخية "التي تتعرض للانجراف والتغيير" بسبب موجات الهجرة التي تتسبب بها سياسات حكوماتهم "الداعمة للثورات الشعبية" في الشرق الأوسط وغيرها من المناطق..إلخ.

كما إنه ليس أمراً عبثياً أن يكرر مسؤولون روس التأكيد على رفض الممارسات الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة، سواء لجهة رفض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو ضم الجولان السوري، فهو خطاب مثمر جداً بين الكثيرين من العرب والمسلمين الذين يؤيدون بوتين وروسيا بسبب هذا الخطاب، تماماً كما يؤيدون بشار أسد باعتباره "مقاوماً وممانعاً"!

لم يكن قادة روسيا سذجاً لكي يعتقدوا أن الجميع يصدقهم، بل كانوا يريدون أن يصدق نصف الجمهور دعايتهم، ونصف الجمهور نسبة ميسورة طالما أن أغلب سكان العالم، حسب الإحصاءات، من المحافظين دينياً وتعنيهم الطقوس بدرجة كبيرة، ولذلك ترى معظم الفاسدين واللصوص يبنون دور العبادة أو يُنشئون جمعيات خيرية ليقينهم أن هذا فعال بما يكفي لجعل الناس يغفرون لهم بل ويعتبرونهم حماة لعقائدهم ومقدساتهم!

في روايته "بقايا صور" يحكي الراحل حنا مينة كيف كان مرابي القرية الذي يمتص ما يبقيه الإقطاعي من دم الفلاحين، يشتري صمت الكنيسة بتكفله بحاجتها من الزيت سنوياً، وببعض التبرعات التي يقدمها متباهياً خلال العظات، ما يجعله إنساناً طيباً حتى أمام الناس الذين يسلبهم أقواتهم وعرق أطفالهم.

هذه حقيقة، أو لنقل طبع بشري ثابت في الإنسان على مدار الزمن، وإذا كان هناك من يعتقد جازماً أن الإنسان تغير بحكم التطور التكنولوجي والانفتاح وثورة المعلومات، فإن القيادة الروسية لا يغيب عنها ذلك، لكنها تعلم أن أدوات الإنسان في التعبير عن انتماءاته وقناعاته وأفكاره هي ما تغير وليست طبائعه غالباً، وإلا فلنأت بالإحصائية والأرقام عن الحروب والتطرف والعنصرية والكراهية التي تجتاح عالمنا اليوم.

خلال الحرب العالمية الثانية استخدم هتلر الأسلوب نفسه في جذب العالم الإسلامي إلى صفه، فأنشأ وحدات مسلمة في الجيش النازي، وقدم دعماً بدون مقابل للدولة العثمانية رغم قناعته أنها لم تعد مفيدة بشيء، ولكنه فعل كل ذلك من أجل كسب الكتلة البشرية المسلمة الضخمة في روسيا وفي المستعمرات التي كانت تسيطر عليها دول التحالف، مثل الهند ومصر والشام والعراق والجزيرة العربية والمغرب وشمال افريقيا وغيرها.

وبالفعل اختار بعض الزعماء الشعبيين المسلمين الوقوف بصف هتلر، ولا علاقة لذلك بدعم النازية والفاشية الموسولينية كما روج أعداء العالم الإسلامي، بل بسبب إجادة الزعيم الألماني وقتها التلاعب بعواطفهم ودغدغة مشاعرهم وأحلامهم، في وقت كانت دول التحالف الأوروبي تحتل معظم بلاد المسلمين.

وبالوقت نفسه كان هتلر يعزف على أوتار التفوق العنصري للعرق الآري، وعلى سيادة البيض على الملونين، وعلى كراهية المسيحيين لليهود والأقليات، وعلى محاربة قيم المساواة وترديد الشعارات المناهضة للحرية والديمقراطية وغيرها من القيم التي يكرهها المحافظون من كل الأديان، ويؤمنون بأنها تخالف شعائرهم وتهدد أديانهم.

إن ما يفعله بوتين اليوم هو تماماً وبالظبط ما كان يفعله هتلر. فروسيا تحتل المرتبة الأولى عالمياً اليوم في بث الأخبار المضللة والاختراقات الإلكترونية والتحريض على اللاجئين والتخويف من الحرية والديمقراطية، والمناداة بالحفاظ على القيم الاجتماعية والعادات والتقاليد، وهو ما فعله قبل هتلر كل الزعماء والقادة الشعبويين على مدار التاريخ.

لم يحقق هتلر النصر العسكري فقط، لكنه نجح في جني ثمار دعايته بأن قتلت الحرب التي أشعلها خمسين مليون إنسان معظمهم في أوروبا، والعدد الأكبر منهم (ككتل) كان كما هو معروف من الأقليات، كالغجر والأرثوذوكس إلى جانب اليهود وليس فقط اليهود، كما ترك الملايين خلفه يؤمنون حتى اليوم بالأفكار التي نادى بها، وهو الأخطر في الواقع، لأن هؤلاء الملايين هم من يستثمر بهم الشعبويون حتى اليوم ومنهم بوتين، الذي يأمل أن ينجح عسكرياً بالتوازي مع الأفكار والشعارات والدعاية التي يبثها.

في تبريره للحرب التي يشنها على أوكرانيا، لم يتوان الرئيس الروسي عن ترديد مقولة إنه ليس هناك "أمة أوكرانية" وإن هذا البلد هو جزء من روسيا التاريخية، وهو بذلك لا يعمل على كسب الرأي العام الروسي فقط، بل وحتى قسم من الأوكرانيين من غير ذوي الأصول الروسية، الذين يحنون إلى عصور المجد والقوة والتفوق على الآخرين الذي تحقق لهم بلحظات عابرة من الزمن خلال العيش في ظل إمبراطوريات سابقة، ليس الاتحاد السوفياتي سوى أحدها.

بوتين لا يقول إنه قومي فاشي، ولا يصرح بأنه مسيحي متطرف، بل غالباً ما يظهر كزعيم منافح عن قيم العلمانية، لكن العلمانية السياسية التي تقول بتساوي الجميع أمام القانون ومؤسسات الدولة، لكن ما هي هذه الدولة وما هو قانونها؟

هذا السؤال هو ما يجب التوقف عنده لنقض أي خطاب بوتيني عن العلمانية وإدعائها، تماماً كما هو الحال مع تابعه في دمشق، بشار أسد، الذي لا يقل مكراً ونفاقاً في ادعاءاته حول الدفاع عن العلمانية ومحاربة التطرف، بينما يغرق في بحور من التطرف الطائفي التي صنعها من الدم، في تطبيق فعلي لأفكار السلفية العلوية.

لقد كان أول تعليق لرأس النظام في سوريا على الغزو الروسي لأوكرانيا أن هذه الحرب تمثل "تصحيحاً للتاريخ" أي إن لروسيا الحق في ضم جارتها الغربية باعتبار ذلك أمراً مفروغاً منه، وهو تجلٍ سلفي لا يقبل التأويل ويحتاج فقط إلى الخروج من القالب المحكم الذي وضع فيه مصطلح "السلفية" المعاصر باعتباره مذهباً إسلامياً سنياً.

يوجد مسيحيون كثر يؤيدون بوتين حتى في الغرب، وكذلك يؤيدون بشار أسد متأثرين بدعايتهما وشعاراتهما المضللة، لكن هؤلاء بالأصل كانوا متعطشين لمن يخاطبهم باللغة التي استخدمها الزعيمان الدمويان، مثلهم مثل جزء غير قليل من العرب والمسلمين الذين يؤيدون بشار ويتغاضون عن كل جرائمه بحق السوريين والفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين وغيرهم، فقط لأنه يرفع شعارات المقاومة ومعاداة إسرائيل.

وهنا يبدو أن بوتين نفسه يستفيد من هذا الدرس ليكرر عدم اعتراف بلاده بضم الجولان وبالقدس عاصمة لإسرائيل، الأمر الذي أكسبه بالفعل تأييد فئة من الجمهور العربي، الذي لا يغفل فقط عن جرائم الاثنين، بل ويتجاوز حتى عن تناقضات خطابهما وما ينضح به هذا الخطاب من نفاق.. النفاق الذي يُعتبر أهم الأسلحة في كسب قلوب وعواطف المتطرفين من مختلف الأديان والقوميات.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة