الجيش في سوريا ودوره في السياسة والثورة

محمد صخر بعث 2022-02-26 06:00:00

ميليشيا أسد

تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على تأثير الجيش في سوريا على السياسة السورية خاصّةً في عهدي أسد الأب والابن، وصولاً إلى اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، الجيش الذي حاول حافظ أسد ورفاقه البعثيون منذ انقلاب آذار 1963 تأسيسه على أساس التكافل بينه وبين حزب البعث العربي الاشتراكي، بهدف استخدامه في دورين: ضدّ أي تهديد خارجي، وضدّ أيّة معارضة داخلية، فلم يُظهر سوى دوره الثاني في الوقوف ضدّ التهديد الداخلي فور اندلاع الثورة.  

الثورات العربية وتدخّل العسكر

تطوّرت العلاقة العسكرية-المدنية في البلدان العربية بين الجيش والمؤسّسة السياسية بشكل مختلف عمّا كانت عليه في معظم دول العالم، طبعاً بسبب غياب الديمقراطية وبسبب رزوح هذه البلدان بمجملها لوسائل حكم سلطوية متفرّدة، اتّخذت منذ البداية قرارها بعدم تحييد الجيوش عن العمل في السياسة، والهدف الحقيقي هو سوسها إلى حلبة الدفاع عن أنظمة الحكم، حتّى أصبحت آليات الإدارة السياسية تتشكّل من خلال الجيوش، مع فشل في القدرة على تشكيل أيّ جيش عربي حديث يمكن التعويل عليه لصدّ أي تهديد خارجي أو حرب، ولنا في الحروب العسكرية العربية مع "إسرائيل" أوضح الأمثلة. 

أظهرت نتائج تقرير فحص التغييرات الحكومية التي تحدث بموجب "قواعد الاستبداد أو العنف" الصادر في 2009 عن المجلّة الأمريكية للعلوم السياسية، أنّه بين عامي 1945 و2002 قد مرّ على العالم 316 حالة تغيير لأنظمة سياسية حاكمة، كان من بينها 30 حالة قام فيها زعماء بلدان بترك السلطة تحت ضغط شعبي، و32 حالة بسبب اندلاع الثورات والانتفاضات الشعبية، وأطيح بـ 16 منهم بوساطة تدخّل أجنبي، أمّا بقية الحالات وهي 205 حالات، فلقد فقدَ الزعماء فيها سلطاتهم عنوةً بإسقاطهم من داخل السلطة الحاكمة أو بانقلابات عسكرية، وتقول نتائج التقرير إن هذه الحالة بالذات هي ما يصلح لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط. 

في العالم العربي وبين 1949 و1978 وقعت خمس وخمسون محاولة انقلاب، وأصبح جميع الزعماء والسياسيين الطامحين في السلطة يعرفون مدى أهمّية السيطرة على الجيوش في بلدانهم، وكيف أنّ قوّة الجيش والعلاقة معه هي الحاسم الأهمّ لحدوث أيّ تغيير في أنظمة الحكم أو في الاستيلاء على السلطة، ويمكن القول: أصبحت الحاجة إلى حماية الجيش تستدعي الحاجة إلى الحماية منه!.

أمّا في الفترة بين 1979 وحتّى 2010، فلقد كانت العلاقات العسكرية السياسية في البلدان العربية أكثر استقراراً ونادراً ما وقعت محاولات انقلاب، وهذا يعني ضمان استمرار الوصاية العسكرية بأشكال مختلفة داخل كلّ دولة، ومهّد هذا لفكرة استخدام آليات القمع ضدّ حركات المعارضة عند الضرورة، ما يعني الاشتراك مع النظام الحاكم المالك أو القائد أو الحليف في إطالة عمره واستمرار الشراكة والسيطرة. 

في الفترة الثالثة وبعد 2010، لعبت الجيوش دوراً حاسماً بعد بدء المظاهرات الشعبية، وإن كان الجيش السوري لم يلتفت منذ البداية إلى سلمية المظاهرات وجماهيريتها، فبادر بقمعها فوراً فوقع فيها القتلى والجرحى منذ الأسابيع الأولى، لكنّ معظم الجيوش العربية الأخرى لم تتدخّل بهذا الشكل العنيف والإجرامي، ووقف الجيش التونسي تماماً مع شعبه. 

لقد امتازت المظاهرات العربية من حيث اتّساع نطاقاتها وأعدادها وارتفاع سقف مطالبها في التغيير السياسي، وكان متوقّعاً أن تلعب الجيوش العربية دوراً سلبياً في التعامل مع هذه الأعداد والمطالب، ومتوقّعاً أيضاً أن تتولّى قياداته الوصاية على الحكم حال سقوط أيّ نظام يقوده، لكن لم يكن أحد يعلم هل سيستطيع العسكر دخول حرب مفتوحة مع الشعب، وكم يمكن لهم الصمود، إلّا إذا فعلوا كما فعل بشّار أسد، حين انتهى أمر جيشه تماماً في 2015 وبعد أن استعان بإيران والميليشيات، حتّى أسعفه الروس بكلّ إجرام غير موصوف مستخدمين أعتى العتاد والأسلحة المحرّمة دولياً.

والسؤال الذي نريد أن نجيب عليه: لماذا قام الجيش في سوريا (وليس الجيش السوري) بكلّ هذا البذل، مستخدماً أبشع أشكال الجريمة لحماية بشّار أسد؟ ما هو هذا الجيش؟. 

الجيش السوري، والجيش في سوريا

تاريخياً، يمكن تقسيم تاريخ الجيش السوري إلى مرحلتين: من 1919-1945، ومن 1946-1970، ثمّ ليصبح اسمه الجيش في سوريا أو جيش نظام أسد الأب وأسد الابن منذ استيلاء الأوّل على السلطة في 1970 وحتّى وجود ابنه فيما تبقى له منها وحتّى الآن.

في 1919 صاغت "عصبة الأمم" صكّ الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، وحتّى 1946 كان لفرنسا الدور الأكبر في تشكيل الجيش السوري، ولقد فضّلت في البداية تمكين الطبقات الاجتماعية العليا في البلدين من "السنّة" والقبائل من القيادات ومراكز النفوذ واعتبرت مشاركة الأقلّيات الدينية والعرقية وسيلة لرفع مكانتهم، أدّت هذه السياسة وخلال عشرة سنوات إلى تشجّع هذه الأقلّيات على الدخول في الجيش من أجل زيادة أعدادهم ومكانتهم فيه، وبالفعل فمنذ الثلاثينيات بدأ "العلويون" يحقّقون المكاسب وصار وجودهم أكثر وضوحاً، وحسب المجلّة الدولية لدراسات الشرق الأوسط "التوازن السكّاني العسكري في سوريا" (العدد 4، تشرين الثاني 1993) فلقد أصبحت نسبة العرب السنّة في الجيش السوري سنة 1945 نحو 30% فقط، وأصبحت الأقلّيات تهيمن عليه، وهي السنة التي بدأ فيها حزب البعث بالصعود، ما سهّل التعاون بين الطرفين الجيش والحزب اللذين باتت منذ ذلك الوقت ترعاهما الكثير من المصادر البشرية المتماثلة مناطقياً وطائفياً واجتماعياً. 

ما بين 1946 و1970 وقع في سوريا خمسة عشر انقلاباً ومحاولة انقلاب عسكري، انتهت بانقلاب حافظ أسد في 1970، الانقلاب الأخير الذي تمّ قبله منذ الثلاثينيات البدء بإبعاد العرب السنّة عن منافذ القرار الحقيقي في الجيش العامل مع انخفاض أعدادهم تدريجياً، حتّى استقرّ لحافظ أسد أن يحكم سوريا من خلال جيش طائفي أكسب طائفته من العلويين القوّة ليس في الجيش فقط، بل في حزب البعث أيضاً وفي كلّ مؤسّسات الدولة العميقة والرسمية، ما يمكن تسميته بـ "الكتلة الحاكمة" في سوريا.

لا جديد عند الحديث عن انقلابات البعث نفسه على السلطة وعلى نفسه ثمّ على نفسه مجدّداً في 1963 و1966 و1970، لكنّ من المهمّ الإشارة إلى أنّ هذه الانقلابات كانت تعني بالضبط أنّ البعث لم يكن حاكماً أبداً، وأنّ الصراع على السلطة والوصول إليها هو ما جعل عسكر البعث ينقضّون كالذئاب الجائعة على بعضهم، حتّى استتبّ لحافظ أسد أن يبقى في السلطة ثلاثين عاماً بفعل الطائفة أوّلاً والجيش الطائفي ثانياً وبسكوت وانبطاح قيادات الحزب الوهمية، ثمّ انتقلت السلطة بكلّ سلاسة وسرعة وشطارة إلى ابنه دون أن يفكّر أحد منهم بهذه الطريقة التي اتّبعت لنقل منصب رئيس جمهورية، أو يرفّ لأحد منهم جفن!.

لقد كانت إحدى أهمّ نتائج عدم فترة الاستقرار السياسي بين 1949 و 1963 في سوريا، أنّ الأقلّيات التي كانت محرومةً في السابق من السلطة والنفوذ بسبب تراجعها الاجتماعي والتعليمي، أصبحت أكثر فاعليةً واهتماماً بالحصول على السلطة، فلقد رأت أنّها كانت مهمّشةً وينبغي لها أن تسعى إلى التصدّر، لكن يجب ملاحظة أنّ هذا التهميش لم يكن بسبب العرب السنّة السوريين بل بسبب الطريقة الأرستقراطية التي أدار بها الفرنسيون في البداية أحوال الجيش السوري الناشئ، وبسب الظروف الاقتصادية والأوضاع التعليمية المتردّية، وربّما كان ذلك ثمناً دفعوه جرّاء المعاملة العثمانية في فترة من الفترات، أو بشكل ما بسبب الاختلاف عن معظم المجتمع السوري لأسباب عقائدية دفعتهم إلى العزلة أو الانزواء.

بالنتيجة، كان انقلاب البعث في آذار 1963 مواجهةً أخيرةً بين فصائل ومجموعات الجيش الطائفية والإيديولوجية، بين السنّة والعلويين والدروز والإسماعيليين، وبينهم أنفسهم في الأحزاب القومية من البعثيين والقوميين السوريين والشيوعيين، فلقد كان هذا الانقلاب حاسماً من ناحيتين: تحقيق التعايش بين العسكر والبعثيين، والتخلّص من أكثر من 700 ضابط أغلبهم من العرب السنّة واستبدالهم بضبّاط علويين وإسماعيليين ودروز، لقد كان انقلاب الثامن من آذار 1963 انقلاباً طائفياً بامتياز!.  

عندما وصل حافظ أسد إلى السلطة كان يفهم مثل جميع الديكتاتوريين العسكريين في العالم أهمّية حماية الجيش له وأهمّية سيطرته عليه ومدى خطورته، وكان يعرف ماذا يعني خمسة عشر انقلاباً في عشرين سنة، ويعرف كيف وصل إلى السلطة، وكيف ينبغي له البقاء فيها، وكيف يستقرّ، ولذلك وطّد نفسه على عدم استبعاد الجيش بأي شكل من الأشكال من المعادلة السياسية، كي لا يكون مصدر تهديد له، بل إشراكه وبشكل مباشر في العمل السياسي والحزبي أيضاً، والأهمّ أن يكون الحارس الأمني الوفيّ الذي يتمتّع بكلّ صلاحيات ممكنة وبالامتيازات اللازمة لضمان الولاء وعدم الاستعصاء. 

بعد توقيع "السادات" لاتّفاقية "كامب ديفيد"، كان أحد أهمّ أهداف أسد توسيع عدد الجنود، فلقد كان جيشه يتكوّن من 50000 جندي قبل حرب حزيران 1967، ثمّ من 170000 في حرب تشرين، فصار 300000 جندي سنة 1982، وفي السنة التالية أصبح عدد الجنود السوريين نصف مليون جندي، حسب كتاب "بال سيز" (الجيش السوري على الجبهات المحلّية والداخلية) المنشور سنة 2001.

وكان أسد الأب منذ 1976 قد بدأ بتشكيل قوى مسلّحة تتبع الجيش إدارياً لكنّها عملياً لا تتبعه، بل تمّ تأسيسها لأغراض مختلفة آخرها المشاركة في أعمال القتال ضدّ أيّ تهديد خارجي، وهذا ما لم يحدث أبداً لا مع الجيش النظامي ولا مع غيره من القوّات المسلّحة منذ مسرحية حرب تشرين، التي كانت "مسرحية تشرين" أفضل إعداداً وإخراجاً منها، فبدأ بإنشاء أو الإيعاز بتكوين سرايا الدفاع والقوّات الخاصّة والحرس الجمهوري وغيرها.

أسّس أخوه رفعت أسد سرايا الدفاع، وكانت مكوّنةً من خمسين ألف عنصر من عناصر الجيش أو المتطوّعين والملزمين بالخدمة العسكرية الجدد بكلّ حرص وعناية على أن يكونوا من الطائفة العلوية ومن بعض الأقلّيات والقليل جدّاً من السنّة، وضمان ولائهم القطعي والنهائي لحافظ ورفعت وأسرتهما، قبل أيّ شيء آخر، السرايا التي أمعنت في تدمير حماة وقتل أهلها عند نشوب انتفاضة 1980، فقمعتها بأشدّ أساليب العنف والإجرام. 

ثمّ قام حافظ أسد بحلّ هذه السرايا بعد محاولة انقلاب أخيه رفعت الفاشل عليه، محاولة الانقلاب التي كلّفت السوريين إفراغ مصرفهم المركزي من المال عن بكرة أبيه ووقوع السوريين تحت نير الحاجة والفقر بسبب التضخّم وغلاء الأسعار وانخفاض سعر صرف الليرة أضعافاً، ونقل أسد الأب معدّات "سرايا الدفاع" بعد حلّها إلى الفرقة الرابعة التي آلت قيادتها إلى ابنه ماهر، واستمرّت بالطبع هيكلتها وتنظيمها وتجنيدها على نفس النحو، بطريقة طائفية واضحة وعلنية، فلم يخفَ ذلك على أحد من السوريين يوماً. 

قادت الفرقة الرابعة بقيادة ماهر أسد وضبّاطه العلويين كمحمود عمّار وعلي درغام أبشع عمليات القمع والقتل والتدمير ضدّ السوريين الثائرين وبيوتهم وأرزاقهم، وأثخنت فيهم كما فعل السلف "سرايا الدفاع" في حماة وجسر الشغور وحلب. 

تمّ أيضاً ومنذ 1976 تنظيم "القوّات الخاصّة" بقيادة الضابط العلوي "علي حيدر"، الذي استخدمها للتدخّل لصالح حافظ أسد ضدّ أخيه رفعت بعد محاولته الانقلابية في 1984، علي حيدر نفسه قام حافظ أسد باعتقاله بعد موت ابنه باسل في 1994 لأنّه لم يكن يشجّع وراثة بشّار أسد للسلطة، فلم تغفر له المشاركة في تمكين الأب من السلطة، بل كان لزاماً عليه تمكين ابنه أيضاً وعدم الاعتراض أو الإشارة إلى عكس ذلك أبداً!. 

وفي كلّ الحالات كان لجميع عناصر وضبّاط "سرايا الدفاع" و"الفرقة الرابعة" مهمّة أساسية واحدة يعرفها جميع السوريون، إبقاء حافظ أسد وابنه على سدّة حكم سوريا، واعتقال وقتل كلّ من يفكّر في غير ذلك كائناً من كان، وللعلويين أنفسهم في "علي حيدر" مضرب مثل صريح. 

لكن، هل بالطائفية وحدها؟

يعتبر الكثيرون أنّ جيش النظام الأسدي الطائفي كان أهمّ عامل ساعد على استمراره وبقائه، وأنّ هذا الانتماء كان سبباً رئيساً في تأجيج الكراهية والعنف وعدم التردّد في القتل والجريمة بسبب القرابة أو الارتباط الطائفي، وهذا صحيح لكن ليس بالمطلق، فثمّة استراتيجيات وآليات أخرى تمّ وضعها لحماية الأسرة- العصابة الحاكمة ولمنع حدوث انقلابات أو ثورات أو حتّى احتجاجات في سوريا، وأهمّها إفساد الجميع في كلّ مكان ومهما كانت رتبهم ومراتبهم العسكرية والإدارية أو انتماءاتهم الدينية والقومية والإيديولوجية، الجميع بلا استثناء. 

فلقد جعلت محاولة رفعت أسد الانقلابية على أخيه يشعر أنّ مجرّد الانتماء للطائفة قد لا يعني الكثير، فالمحاولة الانقلابية الوحيدة التي تعرّض لها من العسكر أو الجيش طوال فترة حكمه كانت من الأخ القريب وليست من ابن الطائفة العلوية وليس من وزير دفاعه السنّي "مصطفى طلاس"، ما جعله يشعر أنّ الولاء له ليس مضموناً أو محقّقاً، فكان الحلّ الذي اتّخذه هو إغراق الجميع بالفساد، ثمّ تهديدهم بالمحاسبة والعقاب، ولقد شرع بذلك فعلياً بعد انتهاء تلك المحاولة، وكانت مخابراته أفضل عون في كشف كلّ التفاصيل الدقيقة عن الجميع، وفسادهم وعملياتهم غير المشروعة في التهريب والرشاوى والاعتداء على المال العامّ وشتّى أنواع الكسب غير المشروع، فكانت هذه ورقته الرابحة ليسرّح من يريد ويسجن من يريد ويجعل عبرةً ممّن لا يريد لمن يريد له أن يتذكّر العواقب!.

الثورة السورية وجيش أسد

(لا يمكننا فرض ديمقراطية الآخرين على أنفسنا، إنّ سوريا ستتابع بعناية عملية بناء على أرضية سليمة)، بهذه العبارة خاطب بشّار أسد الشعب السوري يوم 17 تمّوز 2000 أمام مجلس الشعب بعد استيلائه على السلطة، فتوسّم الكثير من السوريين خيراً، ولم يكن الكثيرون يفكّرون بالطريقة التي تمّ بها انتقال منصب رئيس جمهورية إلى ابنه، فلقد وقعت الفاس في الراس، وكان همّ السوريين ابتداء حركة إصلاح وإطلاق الحرّيات واحترام الحقوق، إضافةً إلى أنّ أسد الأب لم يترك أصلاً خياراً آخر مقبولاً، عبد الأحمر الإمّعة، أم عبد الحليم خدّام صاحب النفايات النووية، أم مصطفى طلاس أبو النسوان، هؤلاء أهل السنّة الذين تركهم أسد الأب للسوريين ولابنه على وجه الخصوص، كي يصفّقوا له ويهلّلوا، ثمّ كي يبتهلوا إلى الله ألّا تطالهم يد الإصلاح والمحاسبة التي توعّد بها بشّار. 

بعيداً عن الأحداث السياسية الداخلية والخارجية التي مرّت على سوريا بعد هذا التنصيب الخرافي لرئيس غير مؤهّل، مروراً بإطلاق الوعود في رفع القبضة الأمنية وإطلاق الحرّيات والتأكيدات للمعارضة السياسية بالحفاظ على الحقوق والإفراج عن المعتقلين وممارسة الحياة السياسية، ثمّ غزو العراق وما تسبّب به ذلك من الضغط على بشّار كي يستمر في مفاوضاته مع المعارضة، وحتّى اغتيال الحريري في شباط 2005 ثمّ إجبار الجيش السوري على الانسحاب من لبنان في نيسان من نفس العام، فلقد استمرّت محاولات الضغط الدولية الخجولة المتقطّعة لمطالبة بشّار بتنفيذ وعوده بالإصلاح، لكن لم يحدث شيء أبداً، وبقي المعتقلون في سجونهم، بل زادت أعدادهم بعد انطلاق "ربيع دمشق" ثمّ إيقافه، حتّى اندلعت الثورة في تونس وتبعتها مصر وليبيا واليمن، جاء دور السوريين فاندفعوا أخيراً إلى الساحات والشوارع يطلبون حقّهم الإنساني الأساسي، الحرّية والكرامة. 

كيف عمل جيش النظام أو الجيش في سوريا؟

بعد اندلاع الثورات العربية التي سبقتها، وقبل اندلاع الثورة السورية، قال بشّار أسد في مقابلة له في كانون الثاني 2011 مع "وول ستريت جورنال": (إنّ هناك فرقاً بين وجود سبب ووجود فراغ، قد يكون لدى الناس شكاوى، لكن من المستحيل التحكّم بتغيير سريع)، وطبعاً سارت كلّ خطاباته ولقاءاته وتصريحاته ومقابلاته على هذا النحو، ابتداءً من نكتة نصف الكأس الفارغ ونصفه الملآن والأهزوجة التي تقول: نحن لا نملك عصا سحرية. اندلعت الثورات العربية في أربع دول، لكنّ بشّار اعتبر نفسه بمنأى عن ذلك، وأخذ يتحدّث للسورين والعالم عن السبب والفراغ!. 

كان يعتبر منذ البداية أنّ تغييره بالقوّة أو تغيير النظام ليس محلّ مناقشة، وكلّ ما يمكن الحديث عنه هو مجرّد إجراء بعض الإصلاحات، لكن عرف السوريون أخيراً أنّ مجرّد قيام هذا النظام بأيّ إصلاح مُعتبر يعني سقوطه، لذلك لا إصلاحات، بل ثورة. 

اتّبع نظام أسد وإداراته العسكرية والأمنية والحزبية أيضاً منذ بداية الثورة استراتيجية باتّجاهين: الأوّل تنظيم احتجاجات شعبية مضادّة فيما عرف بمسيرات وفعاليات التأييد المختلفة، والتي أنتجت في النهاية قطعاناً من الموالين والشبّيحة الذين دافعوا عن النظام بلا سبب مفهوم في أكثر الحالات، وأنتجوا ما أنتجوا من عناصر الدفاع الوطني وغيره من الفئات الموالية التي تطوّر أكثرها لتتحوّل إلى عصابات وميليشيات مسلّحة، وأما الاتّجاه الثاني فهو اتّخاذ الأجهزة الأمنية والجيش أقصى حالات التأهّب للتعامل مع المظاهرات بكلّ حزم في البداية ثمّ بكلّ عنف ثمّ بكلّ إجرام وخلال أسابيع قليلة، فقط لأنّها استمرّت. 

عمل نظام أسد بعد ذلك في اتّجاه ثالث، وهو إقناع مؤيّديه بكلّ أشكالهم أنّ الإسلام المتطرّف هو الوجه البديل للدولة حال سقوطه، وإقناع طائفته من العلويين بأنّ التطهير العرقي هو مصيرهم حال سيطرة أهل السنّة على مقاليد الحكم في سوريا، وشدّد كثيراً على أن يتبنّى جميع عناصر طائفته في الجيش وجميع القوى المسلّحة والقوى المسلّحة الرديفة هذا التصوّر، وزيّف الحقائق وزوّر كلّ ما أمكنه تزويره وسخّر الإعلام والدعاية المضادّة الرسمية وحتّى الأجنبية في الكثير من الأحيان، كما وأطلق الإرهاب من كلّ الأنواع من السجون، وإلخ..

كان بشّار أسد بلا شكّ هو مصدر إرادة الجيش والقوّات المسلّحة والقوّات العسكرية والأمنية الرديفة في قمع انتفاضة السوريين السلمية ثمّ في قتال الجيش الحرّ والمجموعات الأخرى التي وقفت في وجهه على اختلاف أشكالها، بدعوى أنّه يقاتل الإرهاب ويدافع عن الوطن في وجه مؤامرة كونية كبيرة تستهدف وحدة سوريا واستقلال قراراها، وإلى آخر هذه "الديباجة". 

تساءل الكثيرون: لماذا لم يسر الجيش في سوريا على خطى الجيش المصري الذي تخلّى عن "مبارك"، فاختار حماية أسد ونظامه؟، والجواب أنّ هوية القوّة الحاكمة للجيش في سوريا هي السبب، ولم يكن ثمّة فرصة للتفكير بالفصل بين الرئيس والجيش نفسه، فهما ركيزتي هذا النظام، أي إنّ كلّاً منهما سيسقط بمجرّد سقوط الآخر، ولقد تألّفت قيادة الجيش منذ عقود قبل الثورة من الأشخاص المقرّبين جدّاً من أسد وابنه ومن مجموعة كبيرة من أقرباء الدم الذين لا جدال في ولائهم، وطبعاً كان لهذا الولاء رغم القرابة بأشكالها أثمان وميزات قدّمها الأب والأبن لضمان استمرارهما.

لا داعي للحديث عن أرقام أو إحصائيات تثبت أعداد العلويين بالمجمل في جيش نظام أسد وأعداد قياداته ومواقعهم النافذة والعميقة فيه، الشيء الذي لم تعرفه مصر أو غيرها، بسبب عدم وجود مثل هذا النسيج غير المنطقي في بنية جيش يفترض أن يكون وطنياً وللجميع، ولقد كان لدى مشغّليه الفرصة لتداعي كلّ ما حدث في سوريا منذ اللحظة الأولى، لكنّ الدوافع الذاتية والطائفية والمصلحية غير الوطنية كانت فوق كلّ اعتبار، حتّى سُلّمت سوريا تسليماً إلى التدخّل الخارجي والاحتلال والتقسيم ونحو انهيار المؤسّسات والبُنى والفقر والمجاعة، دون أن نتحدّث عن حجم الدم الذي سُفك والسوريين المعتقلين تحت الأرض والمشرّدين في أصقاعها، وعن المدن والقرى التي دمّرت، والأهمّ عن السلام الذي بات مفقوداً. 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة