0 من التحليل الاجتماعي إلى السياسي.. كيف نفهم نظرية المؤامرة؟ - أورينت نت

من التحليل الاجتماعي إلى السياسي.. كيف نفهم نظرية المؤامرة؟

مقال اليوم || مصطفى المصطفى 2022-02-16 07:10:00

نظرية المؤامرة
نظرية المؤامرة

قد يعتبر نوعاً من التبسيط؛ الادعاء بأن العلاقات الدولية والسلوك الدولي يشبه إلى حد بعيد العلاقات الاجتماعية وسلوك الجماعات المكونة للمجتمع الداخلي؛ إذ يمكن للمرء على سبيل المثال أن يجد تفسير الحفاوة الزائدة التي يُستقبل بها زعيم دولة قوية بربط الفكرة باستقبال الأشخاص ذوي النفوذ في المناسبات الاجتماعية. وتفسير لجوء الدول الضعيفة لطلب الحماية من الدول القوية بإسقاط ذلك على حالات شديدة الشبه في العلاقات الاجتماعية. لكن رغم ذلك؛ يبقى هذا التبسيط غير كاف، فتفسير السلوك الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، أو حتى الفردية يخضع هو الآخر - في أغلب الأحيان – لأساليب قمة في السطحية؛ كأن تفسّر بعض النزاعات العائلية الحادة بأنها وقعت لخلاف حول مبلغ زهيد من المال، أو نتيجة لفظة نابية من أحد أفراد العائلة الفلانية، أو أي حدث شديد الصغر من هذا القبيل. أي يتم تفسير النزاع من خلال ربطه بالشرارة التي أطلقت العنان لهذا النزاع، بينما الأمر في حقيقته أعمق من ذلك بكثير، فلو تفحّصنا الأمر لوجدنا الأسباب غالبا ترتبط بالصراع على النفوذ، وبالمنافسة الحادة التي وصلت إلى مرحلة الصراع العنيف، وأحيانا يرتبط الأمر بالدفاع عن الهيبة، أو ربما لفرض هيبة، وهكذا.

من التحليل الاجتماعي إلى التحليل السياسي

رغم ذلك، هناك كثيرون ممن يستطيعون الوقوف على الأسباب الحقيقية للنزاعات والصراعات الاجتماعية، وهؤلاء لو استطاعوا أن ينقلوا مهارتهم في تحليل الظواهر الاجتماعية إلى تحليل العلاقات الدولية سيجدون تفسيراً لكثير مما يدور حولهم من أحداث سياسية، وخاصة فيما يتعلق بالقضية السورية، ومن يفعل؛ سيجد سببا وعلة منطقية لكل شيء، وإن لم يجد السبب والعلة؛ يكفي أنه سيعتقد بوجود سبب وعلة واقعية. وبالتالي الاستعداد لتقبّل التفسير المنطقي. لكن ما يحدث غالبا، أن التحليل السياسي يخضع لمحددات العقل الجمعي الذي يختلف اختلافاً جذرياً عن العقل الفردي، إذ يخضع العقل الجمعي لمنظومة من المحددات والأطر والخرائط الإدراكية عند تفسيره للظواهر السياسية، وعندما يتعلق الأمر بالشأن السياسي، خاصة عند الأنظمة الشمولية، يمكن القول إن هذه الأطر والمحددات والخرائط الإدراكية تكون من صنع السلطة لما تمتلكه من أدوات للتأثير يصعب الإفلات من براثنها. فعلى سبيل المثال: السوريون وعلى مستوى النخب، أمضوا عقوداً من حياتهم وهم يتلقون التفسير لكل الأحداث السياسية الخارجية منها والداخلية من خلال نظرية المؤامرة لدرجة أنهم أصبحوا يتقنون استخدام هذه النظرية في تفسير الظواهر السياسية بمهارة قل نظيرها.

التحليل السياسي ونظرية المؤامرة

يقول الفيلسوف الأمريكي "هنري ديفد ثورو": "عندما يشكو المرء شيئا يحول بينه وبين القيام بواجباته، حتى عندما يجد ألماً في أمعائه... فإنه يبادر إلى محاولة لإصلاح العالم". أي إن الإنسان بطبعه لديه نزعة إلى البحث عن أسباب خارج نفسه، حتى عندما يكون من الواضح أن أسباب التعثر أو الفشل داخلية أو ذاتية، لذلك تأتي نظريات المؤامرة كمنقذ لتغذية هذه النزعة من جهة، وكستارة تسدل لإخفاء جهلنا. نستحضرها عندما لا يكون لديبا تفسير آخر، أو عندما لا يكون لدينا الحافز للبحث عن تفسير آخر. ضمن هذا السياق انقسم السوريون إلى أغلبية ساحقة تفسر تعثر الثورة من خلال نظرية المؤامرة وتلقي مسؤولية التعثر بالكامل على المجتمع الدولي، وأقلية ليست أقل تطرفا تلقي مسؤولية التعثر  بالكامل على العوامل الذاتية. ويمكن الادعاء أن هناك من يعتبر المسؤولية مشتركة.

تعثر الثورة والعوامل الذاتية

بغض النظر عن وجهات النظر المختلفة لا بد من الاعتراف بوجود أسباب وعوامل ذاتية أرخت بظلالها على مسيرة الثورة السورية مسببة الكثير من العثرات، وهو ما يعني بشكل من الأشكال وجود بعض الخلل على مستوى التفكير أو على مستوى السلوك. وقد تجد هذه الفكرة من يتقبلها على سبيل التواضع، لكن المعضلة تتجلى عند محاولة التحديد، أو تشخيص المرض؛ لأنه في أغلب الأحيان، من يمتلكون سلطة الموافقة على إقرار التشخيص السليم هم ذاتهم بعض مظاهر المرض إن لم يكونوا هم المرض ذاته. لذلك، عندما تكون الحاجة ملحة لتشخيص المرض؛ يكون التشخيص مضللا، وبالتالي تكون الوصفة مؤذية، أو كما يقول الفيلسوف الليبي "الصادق النيهوم" فيما يشبه الحكمة: "الشعوب التي تفشل في تشخيص أمراضها بشجاعة تموت نتيجة تناول الدواء الخطأ".

أحد المعارضين السوريين في معرض إجابته عن سؤال حول مشروعه السياسي يقول بجرأته المعهودة: ليس لدي مشروع سياسي، تبيّن أننا لا نفقه بالسياسة، نحن نتقن التخريب فقط، سنظل نخرب كل المشاريع والطروحات التي لا تعجبنا إلى أن يجبر المجتمع الدولي على إيجاد الحل الذي يناسبنا.

مبدئيا، يمكن القول إن غياب الوعي السياسي لدى السوريين عموما أصبح ظاهرة لا يمكن إنكارها، وهي تعدّ أحد الأمراض الخطيرة التي يعاني منها المجتمع السوري في غالبيته العظمى، لكن البديل الذي تم طرحه كبديل للوعي السياسي والممارسة السياسية؛ أي: التخريب، هو في الحقيقة مرض آخر أشد خطورة من سابقه، وربما يكون نتيجة له. وبالعودة إلى التحليل السياسي المبسط؛ نحن السوريين في غالبيتنا العظمى نتقن السياسة دون أن نعلم. المطلوب فقط أن نعلم ما هي السياسة، وأنها ليست أكثر من سلوك نمارسه يومياً دونما توقف. ويتضح ذلك عندما نعلم أن كافة خلايا المجتمع؛ ابتداء من الأسرة، مروراً بأي مؤسسة صغيرة، وانتهاء بأكبر التنظيمات الاجتماعية ليست سوى حكومات مصغرة تدار فيها الأمور بتراتبية واضحة؛ لها رئيس يتخذ القرار بطرق تشبه إلى حد بعيد الطرق المستخدمة لدى الحكومات بشتى أشكالها. ومن هنا، يمكن للإنسان العادي إن تمكّن من إتقان مهارة بسيطة (تشبيه سياسة الدول بسياسة خلايا المجتمع) أن يصبح محللاً سياسياً ناجحاً إلى حد ما.

ممارسة السياسة خارج إطارها الحقيقي

يقع السلوك السياسي في غالبيته بين حدين متطرفين من السلوك الإنساني، والقصد: الانبطاح والتملق الزائد كحد أول، والعنجهية الزائدة كحدٍ ثانٍ. كلا هذين السلوكين هما خارج نطاق السياسة، وما بينهما كله سياسة، فالمرء يتقبل من أبيه احترام مديره، وتقربه ممن لديه مصلحة معه، ويشعر بالرضى عن سلوك أو سياسة أبيه مادام يقوم بواجبه تجاه أسرته، بل ويتفهم سلوك أبيه المهادن تجاه جهة وجهت الإهانة له (للولد) باعتبار تلك الجهة تمتلك من القوة ما يفوق طاقتهم. الشيء الذي يرفضه الأبناء بشدة ويشعرهم بالخجل؛ هو أن يكون أبوهم بلا كرامة. أي، منبطحاً متملقاً زيادة عن الحد. كذلك الأمر فيما يخص العنجهية والتعنت الزائدين، إذ لطالما انتقد الأبناء الآباء على هكذا سلوك إن وجد. 

من خلال الملاحظة، يمكن القول إن من انخرطوا بالشأن السياسي بعد الثورة، في غالبيتهم العظمى يمارسون السياسة من خلال أحد هذين البابين: الانبطاح الكامل، والعنجهية البلهاء. أي من خلال السلوك المستثنى من السياسة. ويمكن القول أيضاً: إن كلا السلوكين مستوحى مما تعلمناه سابقا، فالانبطاح والتملق كان الأسلوب المعتمد للصعود والترقي، والعنجهية الجوفاء تمثل الخطاب الخشبي للنظام السوري الذي ثقّب آذننا لعشرات السنين.

أخيرا، من أجل النجاح في التحليل السياسي من خلال هذا المدخل، لا بد أن يكون اختيار المثل أو السلوك المجتمعي المماثل من بين سلوك الجماعات الأكثر عقلانية، فالإنسان العادي في الواقع، كثيرا ما يستخدم مثل تلك المقاربات، لكنه يختار المثل الذي يناسب مزاجه، والذي يحتوي في طياته على الكثير من الحماقة: كرد الاعتبار والثأر والتهور، وهكذا.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات