عن الدلالات السياسية لتضامن عرب 48 مع النازحين السوريين

مقال اليوم || ماجد عزام 2022-02-12 06:56:00

مخيمات السوريين
مخيمات السوريين

تبدو حملة التضامن الإنسانية لإخواننا وأهلنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، مع النازحين في المخيمات بالشمال السوري ثرية وحافلة بالدلالات التاريخية والفكرية والسياسية حتى مع طابعها أو إطارها الإنساني الصرف.

الحملة انطلقت أصلاً عبر دعوات لجمع التبرعات من أجل تمويل مشروع تدفئة النازحين بالمخيمات أثناء العاصفة الثلجية الأخيرة، ثم كبرت بل تعملقت لتصل إلى حد السعي لبناء بيوت لهم حيث صدرت نداءات للتبرع من خلال ثلاث فعاليات - إنسان ودفء القلوب الرحيمة وفاعل خير - تم عبرها جمع 13 مليون دولار تقريباً في أيام معدودة فقط. لم يبخل الفلسطينيون خلالها سواء من عرب 48 أو عرب 67 بأعزّ وأغلى ما يملكون من حليّ ومصوغات وحتى سياراتهم وبيوتهم الشخصية، ومن صُوَر باهر وشعفاط في القدس إلى البعينة والناصرة وأم الفحم والنقب والجليل وباقي البلدات والقرى المحتلة، شهدنا ما يشبه التسابق والتنافس المحمود والسامي بين كافة الفئات والأجيال للتبرع للنازحين السوريين وتخفيف معاناتهم.

بداية لا بد من التأكيد أن عرب 48 هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية. أما مصطلح عرب إسرائيل الذي تم إطلاقه عليهم لفترة، فغير دقيق وظالم ومُجافٍ للحقيقة كونهم صامدين في أرضهم وشوكة في عيون العدو، وسكين في خاصرته وخاصرة المتواطئين معه. أما عرب إسرائيل الحقيقيون فهم أنظمة الاستبداد والفساد - بما فيهم نظام الأسد الأب والابن - التي هُزِمت أمام إسرائيل في الميدان وهرولت وركضت للتطبيع والتفاوض والصلح واعتبار السلام خياراً إستراتيجياً معه. وهم أنفسهم من قال عنهم وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موسى دايان بعد النكبة الثانية في حزيران/ يونيو 1967 التي أسموها "نكسة" كي لا يدفعوا الثمن: "نحن محظوظون بأعداء كهؤلاء"، وهم أنفسهم أيضاً من توسّلوا واستنجدوا بحماية الدولة العبرية ضد شعوبهم عندما اندلعت الثورات العربية الأصيلة حسب نداء رامي مخلوف سيّئ الصيت، والذي اعتبر فيه أن أمن نظام  الأسد من أمن إسرائيل.

يُفترض أن العرب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 مواطنون إسرائيليون ولكنهم يتعرضون للتمييز العنصري على مستويات مختلفة، كما قال عن حقٍّ تقرير منظمة العفو الدولية أمنستي الأخير، وعلى سبيل المثال لا الحصر هم يشكّلون 20 بالمئة من السكان ولكن لا يحصلون سوى على 5 بالمئة من الميزانيات الحكومية. أما نسبتهم في المناصب الرسمية والجهاز الإداري البيروقراطي فأقل من ذلك بكثير، ويبلغ نحو ثلاثة بالمئة.

مع ذلك تبدو أحوالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية أفضل، وبما لا يقاس من أحوال بقية إخوانهم العرب تحت حكم أنظمة الاستبداد والفساد، في تأكيد بشع على عجز تلك الأنظمة عن توفير الحد الأدنى من معايير الحياة الكريمة لشعوبهم قياساً حتى لما يوفره الاحتلال الإسرائيلي للمواطنين الفلسطينيين.

اللافت أيضاً، أن منظِّمي الحملات لم يتعرضوا لأي عراقيل من المؤسسة الإسرائيلية لأنها استوفت معايير الشفافية والنزاهة وتتماشى مع القوانين الإنسانية والدولية، وحتى مع قوانين الدولة العبرية نفسها ولكنها  للأسف تعرضت لممارسات صبيانية من شبيحة بشار الأسد وأبواق الحشد الشعبي الإعلامي الذين أغاظتهم مظاهر التضامن الفلسطيني مع إخوانهم النازحين السوريين كونهم ببساطة فهموا المغزى التاريخي والفكري السياسي لها، ووصل الهوس والعداء والذهنية المتوترة المريضة بتلك الأبواق إلى حد اتهام تركيا بالوقوف وراء الحملة وتشجيعها وتسهيل وصول التبرعات والمساعدات للنازحين عبر أراضيها.

وعموماً، فأول ما يمكن قوله عن الحملة أنها تمتعت ولا تزال بالتواضع وإنكار الذات وطبعاً الشفافية والنزاهة وذهنية الحكم الرشيد، وأساسها التاريخي والفكري والسياسي أن الفلسطينيين تصرفوا بعقلهم الجمعي وتعاطوا مع إخوانهم النازحين السوريين بصفتهم الحقيقية والصحيحة كضحايا لنظام بشار الأسد والتقاعس العربي والدولي عن نجدتهم كما ينبغي.

في السياق عبّرت الحملات عن القناعة بأننا فعلاً شعب واحد إضافة طبعاً إلى استيعاب ما فعلته سوريا التاريخية العظيمة لفلسطين وقضيتها من إرسال الشيخ عز الدين القسام والجنرال فوزي قاوقجي إلى استقبال اللاجئين الفلسطينيين، وتقديم كل المساعدات والخدمات والحقوق اللازمة لهم، كما استيعاب حقيقة ما فعلته سوريا عبر التاريخ بشمالها وجنوبها "فلسطين" مع النازحين واللاجئين إليها على مرّ العصور بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية.

سياسياً؛ أيضاً لا شك أن ما فعله إخواننا في القدس والناصرة وباقي القرى والبلدات الفلسطينية وجّه صفعة للسلطة بل والفصائل والطبقة السياسية بشكل عام التي تتصرف كأنها جزء من منظومة الاستبداد والفساد العربية الراكضة واللاهثة خلف نظام بشار الأسد الساقط.

ومن ترتيبات القدر الجميلة أيضاً أن حملة التضامن الفلسطيني مع النازحين السوريين أتت زمنياً بعد زيارة مبعوث رئيس السلطة محمود عباس واللجنة التنفيذية "المفترض أنه قائد الشعب الفلسطيني" أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب إلى دمشق، حيث حمل رسالة من عباس لبشار، كما تبنّى علناً رواية هذا الأخير حول الثورة السورية بما في ذلك امتلاك الجرأة بل الوقاحة للمطالبة بعودته إلى الجامعة العربية إضافة إلى الاحتفال بذكرى انطلاقة الحركة الـ57 على أنقاض مخيم اليرموك المدمّر وبدون أهله وناسه، ولا شك أن حملة التضامن الشعبية جبّت ما قبلها سواء ما سمعناه خلال زيارة الرجوب أو مواقف الطبقة السياسية الفلسطينية التي اعتبرت نفسها جزءاً من منظومة الفلول القدامى والجدد أو حتى الحشد الشعبي الإيراني المتماهي مع الثورات المضادة في طول البلاد العربية وعرضها، مع الانتباه إلى أن بشار الأسد ركن أساسي ومركزي في منظومات الفلول والحشد أيضاً.

وفي كل الأحوال عبّرت حملة التضامن الفلسطينية عن المزاج والعقل الجمعي العربي، ولو أتيحت للشعوب العربية نفس مساحة الحرية لتصرفوا بنفس الطريقة، علماً أن حملة التضامن وفي سياقها العربي أيضاً وجّهت صفعة لأنظمة الاستبداد والفساد اللاهثة خلف التطبيع مع نظام الأسد والمتآمرة لإعادته إلى الجامعة العربية لولا الفيتو الأمريكي الذي أفشل الهرولة - لأسباب وحسابات أمريكية خاصة - باتجاه النظام الساقط الفاقد للحيلة والسيادة.

في الأخير وباختصار وتركيز، مثّلت حملة التضامن المؤسساتية والشفافية والنزاهة، ولا تزال مصدر فخر للفلسطينيين والعرب، وقدّمت تعبيراً حقيقياً عن وحدة الشعوب وعواطفهم الصادقة، وأعادت إظهار الصورة كما هي على حقيقتها حيث العقل الجمعي الفلسطيني العربي المنحاز بوضوح إلى الثورات والثائرين باعتبارهم محقّين ومظلومين، كما كرّست فشل رواية أو سردية نظام الأسد وشبيحته الصغار لجهة شيطنة اللاجئين ووصمهم بالإرهاب، وقبل وذلك وبعده فإن أهل القضية الفلسطينية الأكثر عدلاً في التاريخ لا يمكن أبداً أن يتنكّروا لقضايا وثورات الشعوب العربية، والفلسطينيون ببساطة كانوا ولا يزالون فعلاً مع كل النشامى حسب كلمات النشيد الثوري الذائع الصيت في الزمن الفلسطيني الجميل.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة