0 هل نحن مغسولو الدماغ..وكيف؟ - أورينت نت

هل نحن مغسولو الدماغ..وكيف؟

مقال اليوم || مصطفى المصطفى 2022-02-07 06:48:00

الحرب الإعلامية وغسل الدماغ
الحرب الإعلامية وغسل الدماغ

ولد مصطلح "غسيل الدماغ" في أتون الحرب الكورية عام 1950 عندما غزت كوريا الشمالية جارتها كوريا الجنوبية التي أرسلت لها الأمم المتحدة الناشئة حديثا قوة متعددة الجنسيات، وسرعان ما لاحظت الولايات المتحدة الأمريكية وهي المشارك الرئيس في هذه القوات شيئا غريبا يحدث لأفراد قواتها الذين يقعون أسرى في أيدي العدو؛ إذ خرج بعضهم من معسكرات أسرى الحرب وقد تحولوا إلى الشيوعية، مستعدين لنبذ موطنهم الذي ولدوا فيه.

في البداية، كان مفهوم غسيل الدماغ يعني أنه آلية تسيطر عليها الدولة وتديرها أنظمة شمولية ضد المنشقين، سواء كانوا مواطنين أم أجانب، ثم سرعان ما طُبق تعبيراً عن الإساءة إلى مجموعات أصغر، بل وإلى الأفراد. وتعددت معاني المفهوم بحسب خلفيات من يتداولونه وطموحاتهم. لكن التركيز في هذا المقال سوف يكون حول الآليات التي تستخدمها الأنظمة الشمولية تجاه مجتمعاتها.

غزو الخصوصية

يمثل غسيل الدماغ أقصى غزو للخصوصية؛ إنه لا يسعى للتحكم في كيفية تصرف الناس فحسب، بل أيضا فيما يفكرون فيه. وحسب "إدوارد هنتر" صاحب كتاب "غسيل الدماغ": "القصد هو تغيير العقل بصورة جذرية بحيث يصبح صاحبه دمية من دون أن يلاحظ هذا العمل الشرير من الخارج، الهدف هو إنشاء آلية من اللحم والدم بمعتقدات جديدة وآليات تفكير جديدة تولج في جسم أسير، ما ترمي إليه هو البحث عن عرق مستعبد يمكن الوثوق به، على عكس عبيد الأزمنة الغابرة، بألا يثور أبدا، وأن يكون خاضعا دائما للأوامر مثل حشرة تسيرها غرائزها".

وحدد عالم النفس الأمريكي "روبرت ليفتون" ثمانية عناوين نفسية تميز إصلاح التفكير لدى الأفكار المذهبية الشمولية بصورة عامة على الشكل التالي:

1- السيطرة على المحيط: هي محاولة للهيمنة "ليس على اتصال الفرد مع الخارج فحسب (كل ما يرى ويسمع، ويقرأ ويكتب، ويشعر به ويعبر عنه)، وإنما أيضا – في اختراقها لحياته الداخلية – ما يمكن أن نقول إنه تواصله مع نفسه".

2- التلاعب الغيبي: "تحريض أنماط معينة من السلوك والعاطفة بطريقة يظهران فيها وكأنهما ظهرا بصورة عفوية من ضمن البيئة".

3- الحاجة إلى النقاء: الاعتقاد أن العناصر الموجودة خارج المجموعة المختارة يتعين حذفها لمنعها من تلويث عقول أعضاء المجموعة. وتنبع من الثنائيات المتعارضة الكامنة في الفكر الشمولي؛ مثل: الخير/الشر، الحزبي/غير الحزبي، العدو/الصديق.

4- عقيدة الاعتراف: التي ترفض الخصوصية وتمجّد الاعتراف بوصفه غاية بحد ذاته، مستعملا في الاستغلال والسيطرة بدل المواساة.

5- العلم المقدس: تصوير العقائد الأساسية للمذهب الفكري بكونها غير قابلة للطعن أخلاقيا ودقيقة علميا، وهو ما يزيد في سلطتها الظاهرة.

6- تحميل اللغة: هي عملية تخدير للعقل، ومن خلالها تضغط أكثر مشكلات الإنسان شمولا وتعقيدا إلى عبارات قصيرة ومختصرة جدا تبدو حازمة يسهل حفظها والتعبير عنها، وهدفها هو إيقاف التفكير المستقل.

7- صدارة العقيدة على الفرد: وهي فكرة أن العقيدة أكثر حقا وواقعية من أي شيء اختبره فرد من البشر.

8- سلب الوجود: الحق في السيطرة على نوعية الحياة والمصير النهائي لكل من أعضاء المجموعة وغير الأعضاء.

تغيير تلاعبي مقصود

رغم أن غسيل الدماغ كثيرا ما يُصور على أنه تعذيب قسري، لكن مفهومه الجوهري هو التغيير التلاعبي المقصود للتغيير، ولا يتطلب بالضرورة القوة القسرية، فعلى سبيل المثال؛ الإعلام ليس قسريا، لكنه محاولة مقصودة لتغيير العقول. يكون غسيل الدماغ مكثفا وشخصيا ومؤلما ومرعبا عندما تستخدم القوة في السعي إلى السيطرة على الفكر، ولكن غسيل الدماغ يمكن أن يحصل في مجالات أخرى من النشاط الإنساني، وخاصة: الإعلام والتعليم، فكلا هذين المجالين يسعى لتغيير العقول، ويعتقد أن كلا منهما يستخدم قوة كبيرة ولكنهما لا يطبقان أساليب قسرية؛ معتمدين بدلا من ذلك على أشكال أكثر خفية في الإقناع، وكلاهما يبث مجموعة من الاعتقادات عن العالم. أي إنه فكر مذهبي يحدد الأدوار الاجتماعية للأفراد بوصفهم تابعين للدولة؛ تعلمهم أماكنهم المناسبة في الوضع الراهن. وغالبا لا يذكر هذا الفكر المذهبي نفسه صراحة، وقد لا يعي الأفراد الذين يعملون في الإعلام أو الذين يعطون الدروس على الإطلاق أنهم يعززون اعتقادات معينة، لكن الرسالة الضمنية أقوى بكثير لأنها خفية. بعبارة أخرى: إن التعليم ووسائل الإعلام جزء مما سماه الفيلسوف الماركسي "لويس ألثوسير" (الجهاز الفكري المذهبي للدولة) فهما يحافظان ويعيدان إنتاج اعتقادات أولئك الذين يسيطرون على الدولة. إذن، قد تستخدم أجهزة الفكر المذهبي القوة أو التسلل، أو كلا منهما في فرض رسائلها.

ثنائيات الأبيض والأسود.. والخائن والوطني!

حاول البشر أن يغير بعضهم عقول بعض منذ اكتشافهم أول مرة أن لديهم عقولا، وكان ذلك يحدث غالبا بنيات حسنة، إلا أن مثل هذا السلوك لا يندرج تحت مسمى "غسيل الدماغ"، لأن غسيل الدماغ عمل متعمد، وهو مجموعة من التقنيات وحلم ورؤية للسيطرة القصوى ليس على السلوك فحسب، بل على التفكير. وهو – في نفس الوقت - ليس رصاصة سحرية، وطريقة مختصرة للتحكم في التفكير؛ إنه – خلاف ذلك – ظاهرة معقدة تستخدم عمليات نفسية يتزايد فهمها باستمرار لتعيث الخراب، وفي حين يبدو ذلك مطمئنا، فإن العواقب هي أنه لا توجد في المقابل رصاصة سحرية (مضاد لغسيل الدماغ)، فغسيل الدماغ قبل كل شيء ظاهرة اجتماعية وسياسية، وأفضل الدفاعات ستكون أيضا على مستوى المجتمع: هي التي تستطيع أن ترفع الحماية إلى الحد الأقصى. فللدفاع عن أنفسنا نحتاج إلى تفضيل أنواع معينة من التوجهات السياسية – تلك التي تؤكد أهمية الحريات الشخصية – وتجنب الأنظمة العقائدية التي تعطي قيمة أعلى للثقافات أو المنظمات أو المجتمعات من القيمة التي تعطيها للكائن البشري المنفرد.

الآن، وبعد كل تلك المقدمة الطويلة جدا، أصبح السياق مناسبا لطرح بعض الأسئلة؛ لماذا يسيطر علينا تفكير الثنائيات المبسط؛ مؤيد/معارض، خائن/ وطني، صديق/ عدو؟ لماذا نحن مصممون على شيطنة العالم بأسره؟ لماذا تكون معظم استنتاجاتنا خاطئة؟ ألأنها مبنية على مقدمات خاطئة؟ لماذا كتّابنا ومحللونا مصممون على تخوين النظام من خلال محاولة إثبات عمالته لإسرائيل بدل التركيز على إثبات خيانته من خلال انتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان؟ 

لماذا نوجه سهام النقد والقذف والذم تجاه الأعداء الذين حددهم لنا النظام سابقا؟ فنحن ننتقد هؤلاء ونصب عليهم جام غضبنا أكثر بآلاف المرات من أعدائنا الحقيقيين؛ فيما يبدو وكأنه محاولة لاشعورية لتبرئة الأعداء الحقيقيين الذين هم في ذاكرتنا الجمعية الموروثة أصدقاء. لماذا، ولماذا، وألف لماذا. ولكن، يبقى السؤال الأهم: هل نحن مغسولو الدماغ؟! 

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات