أهم الأخبار

 

كيف تُصرف أموال التبرعات المخصصة لبناء مساكن للنازحين شمال سوريا؟

أخبار سوريا || عقيل حسين 2022-01-31 06:37:00

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

أثارت الحملات التي أُطلقت مؤخراً من أجل جمع التبرعات للنازحين في مخيمات الشمال جدلاً في الأوساط السورية، وتركّز الجدل في أحد جوانبه الرئيسية حول تكاليف نقل الأُسَر إلى وحدات سكنية مؤقتة، سواء من الناحية المادية أو من الناحية القانونية.

الأرقام التي أعلن عنها منظِّمو هذه الحملات بدت ضخمة جداً، حيث تجاوز مجموعها 14 مليون دولار، ما جعل البعض يعتقد أنها كافية لتحويل كافة المخيمات إلى شقق صغيرة أو بيوت مسبقة الصنع، بينما تكشف التفاصيل عن الحاجة لأضعاف هذه المبالغ من أجل إتمام المهمة.

فبالإضافة إلى أن الحملة التي أطلقها اليوتيوبر الكويتي "أبو فلة" وجمع خلالها 11 مليون دولار غير مخصصة لهذا الهدف، فإن عدد المخيمات والأسر المقيمة فيها يبلغ أضعاف العدد الذي يمكن للتبرعات التي جُمعت من خلال حملة فريق ملهم التطوعي (٢ مليون دولار) والناشطين الفلسطينيين (مليون دولار) إيواؤهم في منازل.

إحصائية المخيمات

بلغ عدد المخيمات في محافظتي إدلب وحلب حتى مطلع العام الحالي 1409 مخيمات، بينها نحو 400 مخيم عشوائي، يتركز جهد القائمين على الحملات الأخيرة من أجل مساعدة القاطنين فيها على تحسين ظروف العيش فيها أو الانتقال إلى منازل مؤقتة.

وكان فريق "منسقو استجابة سوريا" قد نشر إحصائية سابقة العام الماضي، أظهرت أن عدد المخيمات في شمال غرب سوريا بلغ (1137 مخيماً) وأن عدد النازحين في تلك المخيمات يقارب مليوناً ونصفاً.

وتضم هذه المخيمات، حسب آخر إحصائية لمكتب اللاجئين في الائتلاف الوطني نحو مليون و 700 ألف نسمة، يشكّلون 321 ألف عائلة، بينهم 45 ألفاً من ذوي الاحتياجات الخاصة.

مشاريع الإسكان.. بداية متعثرة

خلال السنوات الماضية ظهرت عدة مبادرات من أجل تحويل بعض المخيمات إلى وحدات سكنية بسيطة، لكن لم يتم إنجاز سوى عدد محدود منها، بسبب عدم انخراط المنظمات التابعة للأمم المتحدة أو المموَّلة من الحكومات في هذا المشروع، نتيجة تحفظّات بدا أنها قانونية.

ويقول محمد سالم، رئيس "تجمّع شباب وعلماء النهضة": "إننا كمنظمة كنا أول من بدأ فعلياً بإنشاء مخيم سكني من الطابوق والحجر (قرية نموذجية) في عام 2014، وهو (مخيم النهضة ببلدة دير حسان بريف إدلب، بالتعاون مع منظمة كويتية، وكانت تكلفة المنزل في ذلك الوقت بحدود 750 دولاراً".

ويضيف في حديثه لـ"أورينت نت": "أنجزنا المشروع بشكل تدريجي بحكم الإمكانات المحدودة، وقد استفدنا من خبرتنا السابقة في بناء عدد من الوحدات السكنية قبل ذلك في مخيمين، الأول في بلدة أطمة والثاني في بلدة سرمدا، بحيث تمكنّا مع تجربة مخيم دير حسان من تحويله إلى قرية سكنية مجهزة بالخدمات الأساسية، إضافة إلى مدرسة ومسجد وحديقة أطفال".

لكن المنظمة توقّفت عند هذا الحد بسبب "الكثير من النقد الذي وُجّه إلينا والتحذير من أننا نسعى لتوطين النازحين والتغيير الديمغرافي بدون أن نعلم، ولهذا لم نكرّر المشروع مرة أخرى"، كما يقول سالم.

محاولات أخرى

بعد سنوات على هذه المحاولة، ومع تكرار معاناة النازحين في فصل الشتاء، والأضرار في استبدال الخيم القماشية بشكل دوري، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار المواصفات القياسية المطلوبة، ما يجعل منها مُكلفة، وجدت العديد من هذ المنظمات أن الحل الأنجع بالفعل هو بتحويل الخيم إلى بيوت.

أطلقت بعض المؤسسات السورية مشاريع من هذا النوع بالتعاون مع جهات مانحة أو أشخاص متبرّعين، وتم إنجاز العديد منها على مدار السنوات الثلاث الماضية، من بينها المشاريع التي نفذتها منظمة "Syria Relief" البريطانية، بالتعاون مع جمعية "عطاء" السورية" حيث أنهى الشريكان بناء 100 شقة من أصل ألف شقة تم الإعلان عن بدء العمل فيها عام 2021، بتكلفة ألفي دولار للشقة.

ومن المقرّر أن يصبح 150 منزلاً آخر جاهزين قريباً، وستضم المدينة نحو (ألف منزل) لنحو ستة آلاف نسمة، بالإضافة إلى مدرسة ومستشفى وحديقة ومسجد، وتبلغ تكلفة المشروع نحو مليونين و144 ألف دولار.

سبق ذلك مشروع "عشرة آلاف منزل" الذي أعلنت عن إنجاز أول جزء منه “هيئة الإغاثة التركية IHH" عبر حسابها الرسمي بـ“تويتر” في 30 يناير/كانون الثاني 2020، وقالت إنها سلّمت 200 أسرة مُهجّرة مؤخراً من إدلب، بيوت الحملة الطارئة، وهي ماضية في إتمام الـ (10 آلاف منزل).    

من ناحيتها أنهت منظمة "أبرار للإغاثة والتنمية" مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2021 المرحلة الأولى من مشروع قرية "حلم صغير" في بلدة دابق بريف حلب الشمالي، مع إنجاز 100 شقة سكنية بمساحة 30 متراً لكل شقة، تشمل غرفتين ومطبخاً وحماماً، إضافة إلى أنها مجهزة بكافة الاحتياجات الأساسية للقاطنين من شبكات مياه نظيفة وكهرباء وشبكات صرف صحي.

وكانت منظمة "بنيان" أنشأت 98 شقةً سكنيةً في منطقة الراعي بريف حلب الشرقي، بالتعاون مع شركاء ماليزيين، بينما كان وزير الداخلية التركي قد أطلق وعداً عام 2020 بـأن 30 ألف شقة ستكون منفّذة أوائل 2021، وذلك بعد أيام من زيارته لمحافظة إدلب السورية.

وحسب وكالة الأناضول فإن سليمان صويلو "تعهّد ببناء 52 ألفاً و800 منزل من الطوب في إدلب، يستكمل بناء 30 ألفاً منها نهاية كانون الثاني/ يناير 2021".

الموقف القانوني

لكن على ما يبدو فإن التحفظات التي تُبديها الأمم المتحدة والكثير من الجهات الدولية حول إمكانية أن يعتبر ذلك سبباً في توطين النازحين وعدم عودتهم إلى منازلهم التي خرجوا منها، قد دفع الحكومة التركية إلى عدم استكمال ما تم البدء فيه.

ومع ذلك لا تبدو هذه التحفظات واقعية، بالنظر إلى المعاناة المتكررة للنازحين في مخيمات الشمال كل شتاء، وطول الفترة التي قضوها تحت رحمة الظروف المناخية، وعدم وجود أمل بعودة قريبة إلى الديار.

ولذلك يرى المحامي عبد الناصر حوشان، عضو هيئة القانونيين السوريين أن مثل هذه المشاريع لا يمكن اعتبارها عملية توطين بالمعنى القانوني "طالما أن النقل ليس على سبيل التوطين والتمليك"، وإنما هي إعادة توزيع المهجرين والنازحين داخلياً، وتحسين ظروف النزوح من خلال استبدال الخيام بمساكن معقولة تحترم الكرامة الإنسانية.

ويضيف في تصريح لـ"أورينت نت": "تبقى هذه المشاريع ضمن الإطار القانوني المنظّم للتشريد الداخلي، والمعروفة بـ"المبادئ التوجيهية الدولية بشأن التشريد الداخلي"،  وخاصة المبدأ "18" منها الذي ينصّ على أنه: "لكافة المشرّدين داخلياً الحق في التمتّع بمستوى معيشي لائق، وأن توفّر السلطات المختصة للمشرّدين داخلياً، كحد أدنى وبغض النظر عن الظروف ودونما تمييز، اللوازم التالية: الأغذية الأساسية والمياه الصالحة للشرب، المأوى الأساسي والمسكن، الملابس الملائمة، الخدمات الطبية والمرافق الصحية الأساسية". 

تكاليف واستطاعة

وعليه تم استئناف العمل في مشاريع تحويل بعض العائلات إلى الإقامة في وحدات سكنية، ومنها فريق ملهم التطوعي الذي أنجز مجمع "عزيز السكني" في ريف مدينة إعزاز شمال حلب، استكمالًا لمشروع "ألف شقة سكنية" الذي بدأ ببنائه مطلع العام 2020، ويتضمن المجمع 472 وحدة سكنية، بالإضافة إلى 600 وحدة سكنية تم تنفيذها بريف إدلب سابقاً.

وحول تكاليف بناء المسكن الواحد يقول محمد سالم: "بدأنا بـ 750 دولاراً للمنزل عام (2014)، ثم زادت الأسعار والمواصفات عامي 2015 و2016 إلى 900 دولار، أما بعض المشاريع في 2020 فقد وصلت لـ 2000 دولار ثم إلى 2500 و 3500، والآن بدأت تصل إلى 4000 بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء عالمياً على مدار السنوات الماضية، وارتفاع تكاليف الشحن بعد أزمة كورونا، كما ينبغي ملاحظة التفاوت بالمساحات والخدمات".

وإجابة عن السؤال الذي يردّده الكثيرون لدى سماعهم أرقاماً ضخمة يتم جمعها كتبرعات للنازحين يقول سالم: "إن كل ما يتم جمعه من تبرعات للنازحين السوريين بالكاد يكفي لسد ٣٥ بالمئة من احتياجاتهم، ومعاناة أكثر من مليون ونصف في المخيمات لن تحلّها حملة ولا حملتان ولا حتى 100 مليون دولار !!".

 

هل يمكن تحويل كل المخيمات إلى شقق؟

وفق التقديرات السابقة والإحصاءات التي تؤكد وجود أكثر من 1400 مخيم، وبمعدل وسطي مئة خيمة (أسرة)، فهذا يعني الحاجة لمئة وأربعين ألف منزل، تكلفتها الحالية نحو ٥٠٠ مليون دولار، وهذا يجعل الرقم الذي تم جمعه غير كاف لنقل سوى ما بين 500 إلى 800 أسرة من الخيم إلى البيوت، مع الأخذ بعين الاعتبار أن حملة "أبو فلة" غير مخصصة لهذا النوع من المشاريع ولا تدخل في حساباتها.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات