أهم الأخبار

 

في تحقيق خاص لأورينت.. النفط السوري من جيوب عائلة الأسد إلى الخزينة الروسية

أخبار سوريا || سامي جمعة 2022-01-25 06:40:00

النفط السوري إلى الخزينة الروسية
النفط السوري إلى الخزينة الروسية

في واحدة من مسرحيات ما يسمى مجلس الشعب السوري، تحدث عضو المجلس وائل ملحم عن وجود فساد بمليارات الليرات في قطاع الجيولوجيا، وأن وزارة النفط والثروة المعدنية حقنت آباراً بالغاز، بمدينة قارة في ريف دمشق، لتظهر على أنها منتجة أمام وسائل الإعلام، لتتوقف بعد ساعات من عملها". وانضم له زميله بسيم الناعمة، في الجلسة المنعقدة في 3 شباط/فبراير الماضي، بالحديث أيضاً عن أن أحد آبار الغاز تم حقنها بالغاز من خط الرئيسي لتبدو أنها تنتج أثناء التدشين أمام الإعلام فقط، مؤكداً أن الإنتاج من البئر المذكورة لم يستمر سوى أربع ساعات على الأكثر وهي كمية الغاز التي جرى حقنه بها.

ومؤخراً، وافق المجلس على تشكيل لجنة خاصة مؤقتة للتحقيق بموضوع البئر الغازية رقم 8 في منطقة قارة، بريف دمشق.

ولكن لم يطل الوقت حتى انفضحت مسرحية برلمان أسد (ما يسمى مجلس الشعب) الجديدة واتضح أن كلام ملحم والناعمة ليس سوى فقاعة إعلامية، وذلك استناداً إلى صورة عقد موقّع بين حكومة أسد، ممثلة بوزارة النفط والثروة المعدنية، وبين شركة "أس تي جي انجينيرينغ" الروسية"، من أجل حماية وتطوير حقول نفط الثورة بلوك 22، والذي يمتد على مساحة جغرافية واسعة انطلاقاً من الحدود اللبنانية في منطقة القلمون في ريف دمشق في الجنوب الغربي من سوريا إلى نهر الفرات في الشمال الشرقي.

فالعقد الذي حصل "أورينت نت" على نسخة عنه، تم إقراره من قبل مجلس الشعب هذا في جلسته المنعقدة بتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر 2020.

ووفقاً لبنود العقد، تحصل حكومة دمشق على نسبة 12.5% من كل البترول المنتج والمحتفظ به من المنطقة، طيلة مدة العقد البالغة خمسة عشر عاماً وأي تمديد لاحق له، الأمر الذي وصفه الكاتب والمحلل السياسي ياسر العيادة في حديثه لـ"أورينت نت" بأنه "أشبه بعقد إذعان".

مسؤول يقدّر حجم مسروقات أسد من النفط 

يمكن تقدير قيمة النفط التي ذهبت لحساب عائلة أسد في مصارف خارج البلاد عوضاً عن دخولها الخزينة العامة للدولة، بالاعتماد على تصريح وزير نفط النظام بأن "خسائر قطاع النفطي منذ بداية الأزمة <عام 2011> بلغت 91.5 مليار دولار". 

وبالقياس على فترة أربعين سنة سبقتها تكون العائلة قد اكتنزت ثروة طائلة جرّاء الاستيلاء على هذا القطاع وإبقائه بعيداً عن أي نوع من الرقابة الحكومية وإدراجه تحت موازنة القصر الجمهوري. ويمكن تخيّل ضخامة الرقم إذا ما علمنا أن موازنة سوريا لعام 2021 كانت أقل من ثلاثة مليارات دولار.

خلال حكم أسد الأب (1970-2000) لم تكن كميات النفط المستخرجة معروفة ومصرّحاً عنها. لكن في عهد بشار بدأت بعض الإحصاءات بالظهور. 

إذ في عام 2019، قدّرت شركة "بريتش بتروليوم" البريطانية إنتاج سوريا من النفط بنحو 406 آلاف برميل في عام 2008، ليتراجع إلى 24 ألف برميل في 2018. لكن الكاتب غازي دحمان أكد أن نظام أسد أنتج ما بين 1.4 و1.6 ملايين برميل يومياً قبل 2004، وكانت عائدات 380 ألف برميل فقط تذهب إلى الخزينة السورية، فيما الباقي يذهب لأصحاب امتيازات مقربة من النظام وعائلة أسد.

لكن بحسب الخبير الاقتصادي السوري يونس الكريم، فإن "حافظ أسد لم يدخل النفط في الموازنة العامة، وإنما في ميزانية وزارة الدفاع، وهي ميزانية مغلقة غير قابلة للنشر، وساد عرف أن عائدات النفط تندرج تحت بند الأمن القومي غير قابل للنقاش، حتى 2001 حين طلب بشار إدخال جزء من عائدات النفط إلى الموازنة العامة".

وقد اعتبر أسد الأب، كما أضاف الكريم لـ"أورينت"، أن النفط وسيلة دبلوماسية يتم من خلالها خلق لوبيات داعمة للنظام من خلال التعاقد مع شركات نفطية وأبرزهم توتال الفرنسية.

النفط مقابل الحكم

العقد الموقّع بين حكومة دمشق و"أس تي جي انجينيرينغ" الروسية، يعكس "السيطرة الروسية على المقدرات وحتى القرارات السياسية، بحكم السيطرة على الأرض والوجود العسكري"، برأي خبير الطاقة الأردني عامر الشوبكي. لافتاً أيضاً في حديثه لـ"أورينت" إلى خطورة جانب طول المدة الزمنية بالاتفاقية وغياب الدور السوري. 

وتختلف أنواع العقود النفطية الموقعة بين حكومات الدول الراغبة في استثمار ثرواتها النفطية وبين الشركات النفطية المتخصصة. إذ منها مثلاً، كما أوضح الخبير الكريم، ما هو متبع في العراق حيث يستأجر القطاع العام شركات تبدأ بالمشروع من مرحلة الاستكشاف لحين خروج النفط ومن ثم تتولى شركات وطنية الاستثمار. وبسبب العقوبات الدولية قد تضطر دولة ما إلى التعاون مع شركات في المرحلة التسويقية.

أما النوع الثاني من العقود، فهو نظام "حق الاستخراج" أو الامتياز، وما يعرف بالنظام الضريبي أو الريعي، بحيث يصبح النفط بموجب هذا العقد ملكاً لشركة البترول، ولها كامل حرية التصرف به مقابل عائدات ضريبية يتوجب على الشركة دفعها للدولة صاحبة الآبار. 

ويندرج عقد "أس تي جي انجينيرينغ" تحت هذا النوع وجزء من بنوده تحت النوع الثالث الذي نأتي على توضيحه لاحقاً. مع ضرورة "أن نلفت إلى نقطة مهمة"، قال الكريم، هي "أن هذا النوع من العقود يتم إبرامه في حال عدم وجود دراسات تثبت جدوى الاستثمار في بقعة جغرافية ما"، لكن في الحالة الروسية فإن العقود تبرم على أساس دراسات سابقة وكان بإمكان النظام السوري أن يتعاقد مع شركات أخرى ويمنحها نسبة فقط "هذا في حالة العقود الطبيعية وليست عقود إذعان وإملاءات".

اعتماد الشركة الروسية على دراسات سابقة زودتها بها حكومة موسكو، تطرّق لها أيضاً رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا الدكتور أسامة القاضي في حديثه لـ"أورينت نت". مشيراً إلى أن "المنطقة المحددة بالعقد ليست غنية بالنفط والغاز، وبالتالي ستتحمل حكومة النظام السوري كل التكاليف في حال لم تجد الشركة الروسية النفط أو الغاز في المنطقة المذكورة، بكميات تجارية".

أما النوع الثالث وهو cost oil أو profit oil، وتسمى عقود اتفاقيات مشاركة الإنتاج وبموجبها تتقاضى الشركة النفطية أجور أتعابها نسبة من النفط المستخرج من الدفعات الأولى من النفط وينتهي العقد باستملاك النفط بالكامل للدولة صاحبة الآبار. لكن العقد بين النظام وروسيا هو دمج بين النوعين الثاني والثالث لأن شركة النفط تستطيع الحصول على كامل تكاليفها بشكل سريع جداً ومن ثم تستحوذ على نسبة من النفط على المدى الطويل.

والنظام بهذا النوع من العقود يضحي بالنفط كسلعة وطنية استراتيجية، ويضحي بالقطع الأجنبي الذي يجب أن يتأتى من الشركة المستثمرة.

المخاطر الجيوستراتيجية للعقد

سيطرت روسيا قانونياً بموجب العقد على "قلب سوريا بالمعنى الحرفي للكلمة، وبما نسبته أكثر من 20% من الأراضي السوري" بحسب الشوبكي وهو ما عده "أمراً مقلقاً وينافي ركيزة الأمن الاستراتيجي للطاقة، ومخالفاً للأمن الاقتصادي لأنه يضع مجمل مقدرات سوريا واحتياطاتها من الغاز والنفط في يد شركة واحدة".

ويتمثل "أحد أوجه الإجحاف بحق السوريين في العقد"، كما أضاف الخبير، في "أن منطقة الامتياز للشركة الروسية هي مناطق منتجة للنفط، وسوريا كانت تنتج في عام 2011 أكثر من 350 ألف برميل يوميا، وقد تخطت قبل ذلك 600 ألف برميل حسب الأرقام المعلنة، وبإمكانات متواضعة. وحسب وكالة الطاقة الدولية تمتلك سوريا 0.14 من الاحتياطي العالمي للنفط، كما أن لديها احتياطياً كبيراً من الغاز الطبيعي. لذا وفي مثل هذه الأحوال، من المفترض أن لا تتخطى نسبة عائد الشركة الروسية المستثمرة 25%".

"أعتقد أن الهدف الجيوسياسي هو إبقاء مناطق الامتياز تحت إدارة الشركة الروسية لفترة زمنية طويلة وقابلة للتمديد"، بحسب الشوبكي. إذ "رغم أن العقد احتوى على بعض العبارات الدبلوماسية من قبيل أن تستأنس الشركة الروسية برأي الحكومة السورية، فإن هذا يجعل الموافقة الروسية أساسية ومطلوبة في حال طلبت الحكومة العراقية تنفيذ خط النفط الواصل لبانياس في الساحل السوري، أو في حال تنفيذ خطوط غاز يمر عبر الأراضي السورية من دول الخليج إلى أوروبا".

العقد يظهر رأس جبل الجليد

يبدو أن ما خفي من اتفاقات يتم ترتيبها بين نظام أسد وحكومات الدول الداعمة له، أخطر بكثير من التي يتم كشفها. وهذا ما أكده الصحافي الاقتصادي في قناة "CNBC عربية" معمّر عوّاد أن بنود العقد "ستكبل يد السوريين، وستجعل موسكو صاحبة اليد العليا في ملف الطاقة والقطاعات المرتبطة به في البلاد لفترة طويلة من الزمن".

كما أكد د. القاضي على فكرة العمل في الخفاء بين النظام والأطراف المساندة له، إذ "يعود الحديث عن عقد حقل الثورة النفطي وإحياء 107 آبار نفطية إلى عام 2015  في عهد رئيس الحكومة الأسبق وائل الحلقي، وربما تمت صياغته بشكل نهائي عام 2020، وربما هناك عقد آخر عن إمكانية التنقيب عن النفط والغاز في كامل الأراضي السورية وليس فقط المنطقة المحددة بالعقد. وبالتأكيد اليد العليا للروس، حيث لا تستطيع إيران الدخول ومنافستها في  قطاع الثروة النفطية، إذ لم تسمح روسيا لإيران بالسيطرة على الفوسفات بالحد الأدنى فكيف بالنفط والغاز. وعلى الرغم من أن إيران وقعت عقداً للاستثمار في الشركة العامة للفوسفات، لكن الروس عطّلوا هذه الاتفاقية".

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات