"نيويورك تايمز": قنبلة أمريكية كادت تقتل مئات الآلاف في سوريا

متابعات 2022-01-22 08:11:00

صورة تعبيرية

كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أنه في ذروة الحرب ضد تنظيم "داعش" الإرهابي قامت وحدة من القوات الخاصة الأمريكية باستهداف سد  الفرات، أكبر السدود في سوريا، بعدد من القنابل، إحداها فراغية لم تنفجر، وكان من الممكن أن تتسبب بمصرع مئات الآلاف من المدنيين والتسبب بكارثة إنسانية في المنطقة.

وكانت الولايات المتحدة قد نفت استهداف السد في 26 آذار / مارس 2017، إبّان سيطرة "داعش" الإرهابي على مدينة الطبقة، مشيرة إلى أن السد "ليس هدفاً للتحالف الدولي"، إلا أن تحقيقاً لصحيفة "نيويورك تايمز" كشف خلاف ذلك.

وحدة عسكرية متورّطة بقصف السد

ذكرت الصحيفة في تقريرها أن النفي الأمريكي لم يكن صادقاً، إذ قام أفراد من "الوحدة التاسعة"، وهي وحدة سرية من القوات الخاصة الأمريكية، كانت مسؤولة عن العمليات البرية في سوريا، وقد عملت بسرية تامة، إلى درجة أنها لم تكن تبلغ شركاءها في التحالف بتحركاتها؛ بطلب ضرب السد بأكبر القنابل التقليدية في ترسانة الولايات المتحدة، بما في ذلك القنبلة BLU-109 الفراغية، المخصصة لاختراق التحصينات الخرسانية السميكة، وذلك رغم وجود تقرير عسكري يحذّر من ضرب السد، "لأن الأضرار قد تتسبب بفيضان قد يقتل عشرات الآلاف من المدنيين".

وأضافت أن الوحدة التاسعة اتبعت بشكل متكرر نمطاً احتيالياً سمح لها بتنفيذ الضربات بذريعة "الدفاع عن النفس" و"رداً على خطر وشيك"، ليشمل بحسب مصادر عسكرية راجعت سجل تلك الغارات، نسبة حوالي 80 بالمئة من الضربات الجوية التي طلبتها الوحدة.

وقد قتلت الضربات التي طلبت الوحدة تنفيذها على مواقع مثل المدارس والمساجد والأسواق أعداداً كبيرة من النساء والأطفال، بحسب ما تنقله "نيويورك تايمز" عن عسكريين سابقين، والوثائق العسكرية التي حصلت عليها، إلى جانب تقارير مواقع الغارات الجوية للتحالف في سوريا.

 

في حين كشف تحقيق سابق دور "الوحدة التاسعة" ذاتها في مجزرة الباغوز، حيث تسببت غارة عام 2019 وبأمر منها في مقتل 80 شخصاً، تأكد انتماء 16 منهم فقط للتنظيم الإرهابي.

كارثة إنسانية كادت تحصل

رداً على أسئلة "نيويورك تايمز"، أقرّت القيادة المركزية الأمريكية بإلقاء ثلاث قنابل زِنة كل منها 2000 رطل (907 كغ)، لكنها نفت استهداف السد. وقال العقيد بيل أوربان، المتحدث الرسمي باسم القيادة المركزية الأمريكية، إن تحليل الضربات أثبت أنها استهدفت الأبراج الملحقة بالسد، ولم تكن لتلحق ضرراً هيكلياً به، ودليل ذلك أن السد لم ينهَر! وأن تلك الضربات سرّعت بالسيطرة على السد وتجنيب الشعب السوري المزيد من المعاناة.

لكن مسؤولين عسكريين سابقين، وخبراء في السدود، وشهود عيان أكدوا للصحيفة أن الحقيقة كانت مغايرة، فقد دمرت الضربات معدّات أساسية، وتوقف السد عن العمل بشكل كامل، كما ارتفع منسوب المياه بشكل مطّرِد 50 قدماً، وانسكب تقريباً فوق السد، الأمر الذي أنذر بوقوع كارثة، بل إنه بعد هدوء الانفجارات عثر عمال السد على مفاجأة مخيفة.. قنبلة BLU-109 مضادة للتحصينات، وقد اخترقت خمسة طوابق من برج المراقبة في السد ولم تنفجر، كانت القنبلة محترقة ولكنها سليمة، وبحسب الخبراء فإنها لو انفجرت ربما كان السد بأكمله قد انهار.

ونقلت "نيويورك تايمز" عن مدير سابق في السد قوله: "لو انهار السد لكان الدمار لا يمكن تصوّره.. كان عدد الضحايا سيتجاوز عدد السوريين الذين لقوا حتفهم طوال الحرب".

وقبل بدء العمليات البرية، تكشف الصحيفة أن "الوحدة التاسعة" كانت طوال أشهر تحاول إيجاد طرق للاستيلاء على السد، وقد طلبت الفرقة من مهندسين متخصصين في مكتب الموارد الدفاعية والبنية التحتية، التابع لوكالة الاستخبارات، تقييم حجم القنابل التي يمكن استخدامها بأمان في الهجوم على السد. وسرعان ما جاء التقييم حاسماً: لا تضربوا السد.

تعنّت في قصف السد رغم التحذيرات 

أشارت "نيويورك تايمز" أيضاً، إلى تقرير من أربع صفحات، قال فيه المهندسون إن أسلحة صغيرة مثل صواريخ Hellfire الموجهة التي تحتوي على رؤوس حربية زنة 20 رطلاً (9 كيلوغرامات)، يمكن استخدامها لضرب الأجزاء الترابية من السد، لكن استخدام أية قنابل أو صواريخ مهما كان حجمها ضد جسم السد الخرساني ليس آمناً.

 

وقد حذّر التقرير من أن الضربة قد تتسبب في عطل خطير وفيضانات مدمّرة قد "تقتل عشرات الآلاف من الأشخاص". وتكررت التحذيرات ذاتها في تقرير للأمم المتحدة صدر في كانون الثاني/يناير 2017، ذكر أنه إذا تسببت الهجمات على السد في انهياره فإن المجتمعات المحلية التي تمتد لأكثر من 100 ميل (160 كيلومتراً) على جانبي النهر ستتعرض للغرق.

 

وتؤكد المصادر العسكرية أن التقرير أُرسل قبل العملية بأسابيع لـ"الوحدة التاسعة"، لكن الوحدة قررت ضرب السد على أي حال، وباستخدام بعض أكبر القنابل التقليدية المتاحة.

 

وقالت "نيويورك تايمز" إنه بينما كان السد لا يزال قيد الإصلاح، تم إرسال طائرة من دون طيار فوق بلدة مجاورة للسد وصودف تحليقها مع انتهاء ثلاثة من العمال المدنيين الذين هُرِعوا لإنقاذ السد من عملهم، حيث استقلوا شاحنة صغيرة وعادوا نحو منازلهم. 

 

وأضافت أنه "على بعد أكثر من ميل واحد من السد قامت الطائرة باستهداف الشاحنة، ما أسفر عن مقتل مهندس ميكانيكي، وفني، ومتطوّع في الهلال الأحمر السوري"، مشيرةً إلى أن الجيش الأمريكي نفى حدوث الضربة أيضاً وقال إنها مزاعم "غير موثوق بها"، ولم يتم الاعتراف رسمياً بمقتل المدنيين.

وبحسب تقارير عسكرية حصلت عليها "نيويورك تايمز" فقد اتصل عناصر "الوحدة التاسعة" بقاذفة قنابل إستراتيجية من طراز B-52، كانت تحلّق على علوّ مرتفع، وطلبوا منها تنفيذ غارة جوية فورية على ثلاثة أهداف، ولم تجد الصحيفة في التقرير أي حديث عن وجود "نيران القوات المعادية أو وقوع خسائر فادحة"، بل إن التقرير يذكر أن الوحدات الأرضية طلبت تنفيذ الضربات من أجل "التغلب على التضاريس".

وهكذا ألقت القاذفة في بداية الأمر قنابل مُعدّة للانفجار في الهواء، ثم طلبت الوحدة من القاذفة إلقاء ثلاث قنابل تزن كل منها 2000 رطل مضادة للتحصينات الخرسانية، إلى جانب قصف كانت تنفذه الوحدة باستخدام المدفعية الثقيلة.

ويُعد سد الطبقة ركيزة إستراتيجية في سوريا وقد سيطر عليه تنظيم "داعش" إبان سيطرته على محافظة الرقة، وقد تسبّبت الانفجارات المهولة التي ضربت السد في احتراق غرفة التحكم الرئيسية في السد وإلحاق أضرار كبيرة به، حيث دمّرت إحدى القنابل خمسة طوابق من السد، ما أدى إلى توقف التدفق المائي وبدأ مستوى الماء في السد بالارتفاع بشكل مقلق. وحينها، قامت القوى المسيطرة على الأرض بتحذير الناس في المناطق المحيطة عبر مكبرات الصوت بضرورة الإخلاء.

 

وتُظهر صور الأقمار الاصطناعية بعد الهجوم، وجود فجوات في أسطح برجَي السد، وحفرة في الخرسانة في السد بجوار البوابات، وحريقاً في أحد مباني محطة الطاقة، وبحسب الشهادات فإن الضرر الداخلي كان أقل وضوحاً في الصور الفضائية ولكنه أشدّ خطورة.

وتعرضت غرفة التحكم الرئيسية للاحتراق بفعل الغارة، بحسب مهندس الكهرباء الذي كان في السد حين تنفيذ الضربات، وتسبّب الحريق بتوقف مضخات المياه، وفشل الدارات الكهربائية، ومع عدم وجود طاقة لتشغيل الآلات المهمة تعطّل مرور المياه عبر السد، وبدأ مستوى التخزين يصل إلى أعلى مستوى. وبحسب المهندس فإنه كانت هناك رافعة يمكنها رفع بوابة الطوارئ، لكنها سبق أن تضررت بسبب العمليات العسكرية، وهكذا كان تشغيل الرافعة هو السبيل الوحيد لتجنب الكارثة.

التعليقات