الفكر المأزوم وغياب الإرادة الثورية

العميد د. عبدالله الأسعد 2022-01-21 06:30:00

ما تزال هياكل المعارضة السياسية تصر على مواقفها الكارثية المتعلقة بجهلها السياسي الذي فاق العادة وأصبح يستحق بجدارة مصطلح ( الفاقة والكارثة)، حيث لا يزال أزلام هيئة التفاوض واللجنة الدستورية يستصغرون الرأي العام الثوري، متمسكين  بخيارات فُرضت عليهم من أشخاص ودول ويرددونها كالببغاوات علماً أن الجولات التفاوضية برهنت على  كارثيتها، وأنها صُنعت في غرف مظلمة لخدمة الروس وإيران ونظام أسد وأزلامه.

إن نتيجة الجهل السياسي الذي انتهجه قادة المعارضة السياسية، كان من السهل استدراجهم واقتيادهم إلى مطبات المفاوضات وإيهامهم بأن الحل السياسي هو الخيار الوحيد، واعتقدوا بفكرهم المأزوم  أن الحل السياسي هو الجلوس على طاولة واحدة مع من قتل وشرّد وهجر شعبهم الذي يمثلونه ويتوصلوا معه إلى مبادئ وأفكار وتسوية سياسية وكأنه هناك خصمان تقاتلا على مكاسب ومصالح، وغاب عن عقولهم أن الحل السياسي الذي تريده روسيا هو ابتلاع جنيف والقضاء على هيئة الحكم الانتقالي وتقديم بدائل عن المطالب الأساسية التي انطلقت ثورة الشعب السوري من أجلها. 

وتعقيباً على ما سبق فالأمر ليس كما يرى هؤلاء ساسة المعارضة، فالحل السياسي يكون نتيجة معمقة لخبراء  أكفاء وطنيون، على أن تكون مناقشاتهم قادرة على رسم السياسة المستقبلية للبلاد، ويُسخرون أنفسهم في خدمة السياسة ويكونوا خبراء سياسيين بكل معنى الكلمة. 

إن الفكر المأزوم يظهر جلياً في سياق رؤية معاذ الخطيب المؤمن بأن الشمس تشرق من موسكو علماً أن وزير خارجيتها سيرغي لافروف صرّح منذ بداية الثورة بأن سقوط بشار الأسد سيمكن السنة من الوصول إلى الحكم، ولذا فهم لا يسمحون لبشار الأسد في السقوط، والمخجل أن معاذ الخطيب كان إمام وخطيب الجامع الأموي لأهل السنة، كما أن الخطيب أول من حاد عن النهج الثوري وطرح مبادرة الحوار مع النظام في شباط فبراير2013  والتي رفضها نظام أسد، وهذه إحدى دلالات الغباء السياسي التي أعطت نظام بشار أسد جرعة منشطة وتدل على أن الخطيب لا يفقه من مؤشرات الثورة سوى اسمها، فالثورة تعني (الخروج عن الوضع الراهن وتغييره باندفاع يحركه عدم الرضا أو التطلع إلى الأفضل) أي قلب مفاهيم المجتمع، وهذه من أول التنازلات عن النَفَس الثوري لدى الشعب السوري والانحدار بالخط البياني في عام 2013  من القمة باتجاه القاع، عندما كانت الثورة في ذروة عنفوانها وكان 60%من الجغرافية السورية في قبضة الثوار، وكان هذا الخطاب المهزوم له تأثير سلبي على الشعب السوري ومحفزاً ورافعاً لمعنويات نظام أسد الإجرام في دمشق.  

وتتوالى المحطات الانهزامية لأصحاب الفكر المهزوم الواحدة تلوى الأخرى في تصريح العميد مصطفى الشيخ الذي امتدح المحتل الروسي الذي سَخّر قواته الجوية لقتل الشعب السوري وتدمير مدنه وقراه وتمنى أن تفعل روسيا بالمحافظات والمدن السورية من حمص وحماه وإدلب ودمشق وريفها ودرعا كما فعلت بحلب.

ولا يختلف فكر الهزيمة للساسة المحسوبين على المعارضة بمفاوضة القادة الثوريين على تسليم وحل فصائلهم مقابل الحل السياسي الذي لا يعرفون ما المقصود به فهم يحملون أفكاراً منقولة (قيل عن قال).

إن ما زاد في الطنبور نغماً تجلى في خطاب أحمد طعمة صاحب الرقم القياسي في الفكر المنهزم بشكره المستمر في مناسبة أو غير مناسبة لروسيا وتصريحاته الأخيرة بأن المعارضة السورية أخطأت بحمل السلاح منذ انطلاقة الثورة السورية. وكأنه منفصل عن الشعب الذي خرج بمظاهرات سلمية وقوبل بالرصاص وكان يوجه شبيحته بقتل الشعب وخطفه واعتقاله وتغييبه قسرياً في غياهب السجون، ويندرج هذا الفكر المنهزم على وفد التفاوض واللجنة الدستورية الذين يعرفون أن سبعة ملايين سوري لاجئين في دول العالم يذوقون مرارة العيش وأربعة ملايين سوري نازح في المخيمات مهجرين قسرياً من ديارهم  يعانون من البرد والجود والعوز، لم يصبحوا مهجرون أو لاجئين لعدم وجود دستور في سوريا، بل لأن رئيس البلاد وشبيحته لا يحترمون الدستور، ويعتبرون البوط العسكري هو دستورهم ولازال حتى هذه اللحظة، ومشكلة السوريين الذين قتلوا وهجروا ونزحوا ليست مع الدستور، ولكنها مع رئيس أوعز لشبيحته بأنه فوق سقف الوطن وهو أكبر من البلد فكتبوا وأعلنوها عالياً (الأسد أو نحرق البلد) ويعلم المهزومون فكرياً أن الطرف الآخر يستغل تضييع الوقت من أجل إعادة ما تهشّم من صورته أمام العالم كي يعود إلى المحافل التي طُرد منها. ويتابعون في غيهم السياسي وتخبطهم في ظلمات يعمهون. 

 

 إن تصريحات لافرنتيف المبعوث الروسي الأخيرة  إلى سوريا لم تكن مقنعة لأصحاب الفكر المهزوم كرئيس اللجنة الدستورية وهيئة التفاوض لأنهم يعتقدون بأن هناك فتاتاً ربما يقتاتون عليها مستقبلا ً.

إن ما وصل إليه البعض من الشعب السوري من مآسٍ وويلات نراها اليوم، ما هي إلّا تراكمات سلفت منذ أزمان خلت، أذاقهم إياها قادة مهزومون كانوا مأجورين لنظام البعث ومخابراته والذين لم يكونوا يومياً رواد سياسة بل أداة مخابراتية مسلطة على رقاب الشعب السوري، وللأسف كان الشعب يتبع نهج القطيع بجمل حفظها الأب عن الابن (الحيطان لها آذان ) والمشهد يتكرر اليوم في خضم الثورة، وإن هوان الشعب السوري على العالم ما هو إلا تنازلات قدمها السوريون أمام حكوماتهم التي توالت عليهم، وحكم العسكرة والأجهزة الأمنية التي طوقت رقابهم بمعصم من نار وفرضت عليهم أن يسلموا رقابهم وإرادتهم لحزب أوحد في البلاد الحزب القائد للدولة والمجتمع، وكل من يخالف إرادة هذا الحزب فهو عاق للدولة والقائد ومُضعف للشعور القومي، ولا يجوز لأي شخص أن ينتمي لأي حزب سوى الأحزاب البالية التي تنطوي تحت مسمى الجبهة الوطنية التقدمية.

إن ما مرت به سورية من عقم سياسي وغياب الأحزاب والحياة السياسة السليمة جعل من الصعوبة بمكان أن يستطيع الشعب السوري الالتفاف حول قائد سياسي أو عسكري أو مفاوض أو ممثل عنهم يثقون به في المحافل الدولية، لذلك وجدنا أن معظم السياسيين الذين يقودون المعارضة السياسية هم من السياسيين الذين ينتهجون الجهل السياسي المعادي للشعب السوري والانبطاح تحت أوامر الدول وعلى مدى محطات خلت ومنذ بداية انطلاقة المفاوضات، ربما البعض يدري وربما البعض الآخر لا يدري وهنا تكمن المصيبة، حيث أصبح المفاوض عن الشعب السوري يرى بأن العدو هو الحليف للشعب السوري، ويلتقط الصور مع المحتل الروسي الذي دمر القرى والمدن والبلدات السورية فوق أجساد الأطفال الغضة، ودمر المشافي والأفران والبنى التحتية، بينما من سموا أنفسهم نواباً عن الشعب السوري يطمحون لأخذ الصور مع قاتل من يمثلون ويتوسلون إليهم بدل أن يفاوضوهم بقوة ويفندوا أخطاءهم بل أصبحوا من المهللين لهم.

  كل هذه الهزائم وضعف الإرادة الشعبية أجرعهم إياها حافظ الأسد منذ استلام سدة الحكم في سوريا  وسكتوا عنها هي التي صبغت الشعب السوري بصبغة الهوان والقبول بالإذلال، وبدأت تغيب شمسه من خلال تسليط مخابراته وقطعان سراياه الدفاعية، ومنتجات دورات المظليين بكل مفرزاتها عليهم وإجبارهم على المسير خلفهُ كالمرياع الذي يقودهم، حيث يسير، والشعب السوري بدأ بالتهاوي وبدأ يأفل نجمه بين الشعوب من خلال منعه من لعب دور أفضل في الحياة السياسية وسكوت مثقفيه ومفكريه وعلمائه وقادته، علماً أن الشعب السوري هو من رواد النهضة السياسية بل متقدم على أقرانه العرب ومحيطه الشرق أوسطي في عشق السياسة والعمل بآلياتها .

إن تهاوي إرادة الشعب السوري وانحدارها من محطة لأخرى كانت غاية حافظ الأسد من خلال تخريب  نسيجه الاجتماعي، وتعميق سياسة القطيع وتنفيذ أوامر مؤسسات الدولة بلا عقل ولا رؤية سياسية وغيبت عقولهم عن المشهد السياسي لبلدهم.

حقاً المعارضة السورية الموجودة - في الغالب - غير مُقنعة ولا ترقى إلى مستوى عدالة القضية والثورة وحقوق الشعب السوري المسكين المذبوح من الجميع من الوريد إلى الوريد ولو قارنّا المعارضة السورية مع المعارضات العربية الأخرى لوجدناها الأضعف والأهزل، ولو قارناها مع النظام لوجدنا أن النظام يتفوق عليها بحنكته ومكره ودهائه رغم أن رصيده الأخلاقي والشرعي أدنى من الصفر، وربما نلتمس العذر للمعارضة السورية لجهة ضعف أدائها أنها بالغالب معارضة حديثة العهد ولم تبلغ سن الرشد وبعضها بالأمس القريب كان في هرم أو تحت عباءة نظام أسد .

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة