التدكين والدكاكين..مهارة أتقنـتها النخب السورية

مصطفى المصطفى 2022-01-20 07:24:00

من اجتماع المعارضات السورية في إحدى جولات ما يسمى اللجنة الدستورية

بالأصل تشير كلمة "تدكين" إلى جعل اللون ضارب إلى السواد، لكن استخدامها هنا سوف يكون بمعنى جديد مبتكر لن يجد القارئ له وجوداً في قواميس اللغة العربية، وهو تحويل المؤسسات والمنظمات وشتى أنواع الهيئات إلى "دكاكين"، والدكاكين جمع لكلمة دكان التي تعني الحانوت أو المتجر. ويعتقد أنه لا أحد من القراء سيطالب بالأدلة والبراهين التي تثبت هذه التهمة. أي تحويل المؤسسات بشتى أشكالها إلى دكاكين من قبل القائمين عليها لأن القضية أصبحت حديث الشارع ولم يعد الأمر خافياً على أحد.

سيكون الحديث عن الدكان الأكبر: الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، خاصة وأن القائمين على هذه المؤسسة بدؤوا يتحدثون عن مشروع إصلاح لهذه المؤسسة، ولكي يكون الحديث بعيداً عن التحيز والكيدية لا بد من البدء في معالجة بعض المقولات التي تصب في خانة الدفاع عن هذه المؤسسة. 

أولا: تعدّ مؤسسة الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة بغض النظر عن أشخاصها مكسباً مهماً للثورة السورية على اعتبار أنها مؤسسة تمثل الثورة لديها الشرعية السياسية التي منحها إياها المجتمع الدولي.

 وكونها تأسست بجهود قوى خارجية فهذا يعني أن مَن ساهم بتشكيل الائتلاف من هذه القوى الدولية يستحق الشكر؛ ذلك أن الأمر لو ترك للقوى المحلية فإنها حسب المعطيات لن تتمكن من إنجاز هذا العمل. وبالتالي الاعتراض على كون الائتلاف غير منتخب اعتراض ضعيف. 

ثانيا: الحديث عن استقلالية القرار فيه الكثير من البعد عن الواقع والتجني، ويعدّ الحديث عن استقلالية القرار بالطريقة التي تطرح إحدى آليات تفكير العقل الجمعي الموروث عن عهد الاستبداد. فمثلا: دولة مثل الولايات المتحدة لا يمكنها أن تدّعي أنها صاحبة قرار مستقل.

ثالثا: يحسب لبعض شخصيات الائتلاف اعترافهم الصريح بضعف الخبرة والمعرفة السياسية، وهي مشكلة يعاني منها السوريون بشكل عام؛ كنتيجة طبيعية لعهود من القمع والمنع والتهميش والتجهيل. 

ولكن في المقابل، يمكن القول: إن الظروف التي أتاحت لبعض الأشخاص أن يكونوا في موقع المسؤولية في إدارة هذه المؤسسة أتاحت لهم فرصة أن يصبحوا الآباء المؤسسين لسوريا الحديثة ورموزا وطنية تنال احترام الجميع. إلا أن الذي حصل أن هؤلاء لم يكونوا على قدر المسؤولية التي ألقيت على كاهلهم، فانشغلوا بالتنافس فيما بينهم على حساب العمل فكان الأداء السياسي مترهلاً لا يرقى إلى طموحات الشعب السوري. وبالمحصلة، تراجعت مستويات الشرعية الممنوحة للائتلاف من قبل المجتمع الدولي وفشل في كسب شرعية الشارع الثوري.

من جهة ثانية، ليس الاعتراف باستحالة الوصول إلى حالة استقلالية القرار السياسي مبرراً للانصياع الكامل لإملاءات الآخرين، فشتان بين الاعتراف بوجود مؤثرات خارجية يجب مراعاتها والاعتراف بها، وبين الانصياع الكامل لإملاءات الدول الداعمة أو الصديقة، حيث لا بد من وجود هامش للمناورة والمواقف التي تحفظ للائتلاف بعض ملامح الشخصية المستقلة إلى حد ما، وهو ما لم تظهر ملامحه لدى أغلب المتابعين.

أما بخصوص نقص المعرفة السياسية وضعف الخبرة، فهذه الحجة المنطقية والواقعية لم تعد مقبولة بعد مرور أحد عشر عاماً من عمر الثورة، لكن ملامح الإصلاح المرتقب الذي يتم الحديث عنه، وهو محاولة توسيع الائتلاف من خلال إشراك ممثلين عن النقابات وبعض منظمات المجتمع المدني الفاعلة يشير إلى أحد أمرين: فإما أن الشخصيات الرئيسية في الائتلاف مازالت لم تتقدم على مستوى المعرفة والخبرة السياسية قيد أنملة، وإما هم قد اكتشفوا أساليب التحكم التي تتّبعها الأنظمة الشمولية وقرروا اللجوء إليها. فمنظمات المجتمع المدني هي تلك المؤسسات البعيدة عن السلطات الحكومية، التي يؤسسها الأفراد أو الجماعات الإنسانية، مستندة إلى قيم عديدة تستند في جوهرها إلى الأبعاد الإنسانية الخيرية. فأهم ما تمتاز به هذه المنظمات حركتها السريعة المعتمدة على نشاط أعضائها، والمستقلة عن السلطات الحكومية بكل ما فيها من بيروقراطية، وأبعاد سياسية، قد تؤثر في عملها. وينظر إلى منظمات المجتمع المدني على أنها تخلق التوازن بين سلطة الدولة من جهة، والهيئات والتجمعات الخاصة من جهة أخرى. وبالتالي، وجود هذه المنظمات يحد من قدرة السلطات الحاكمة على الاستبداد. لذلك فالأنظمة الشمولية مثلاً تقوم على إلغاء المجتمع المدني أو السيطرة عليه وتحويله إلى أجهزة حكومية تعمل لصالح السلطة وتأتمر بأمرها كما كان متبعاً من قبل النظام السوري، فلا أحد يستطيع الإنكار أن النقابات والاتحادات العمالية والفلاحية وغيرها من منظمات يفترض أنها منظمات مجتمع مدني لكنها كانت أجهزة حكومية بكل معنى الكلمة.

الأنكى من ذلك أن القائمين على هذه المنظمات (منظمات المجتمع المدني) يلهثون خلف تلك الوعود، بل ويطالبون بها، من هنا يمكن القول إن العملية برمتها لا تعدو عن كونها تحالف النخب، أو تحالف الحانوتيين لإعادة إنتاج سلطة أقرب ما تكون إلى نسخة طبق الأصل عن السلطة التي طالب الشعب السوري بإسقاطها. أو هي محاولة لتكميم الأفواه عن طريق الاسترضاء من خلال الاستقطاب المتمثل بتوظيف بعض الأشخاص تحت مسمى "عضو ائتلاف"، لأنه في النهاية لن يكون هؤلاء سوى موظفين برواتب مقبولة دونما فاعلية تذكر.

مما سبق، يمكن للمرء أن يكتشف بسهولة أن المعضلة ثقافية بالدرجة الأولى؛ فثقافة الدكان ليست سوى امتداد لثقافة "الوطن المزرعة" و"الدولة الغنيمة" التي تنهش الذئاب جسدها. إنها عقلية المستبد التي لم تغدرنا للحظة واحدة، وإن كان ثمة حل لهذه المعضلة، مع افتراض الرغبة الجادة في الإصلاح، فأفضل ما يمكن أن يحصل؛ هو سن قانون للأحزاب وتشجيع الناشطين على تنظيم أنفسهم ضمن أطر حزبية لها أهدافها ومواقفها الواضحة، ومن ثم بث الروح في الحياة السياسية التي طالما اتهمْنا النظام بأنه عطلها. فلا سياسة خارج إطار الأحزاب والتنظيمات السياسية. وبدون ذلك، لا يمكن النظر إلى الشخصيات المهيمنة في الائتلاف خارج إطار الممثلين للحزب القائد، ولن ينظر إلى باقي الترقيعات إلا كترقيعات البعث من خلال الجبهة الوطنية التقدمية. ولعل النصيحة الأهم من ذلك؛ هي إحداث وزارة تُسخّر لها الكثير من الموارد والطاقات تحت مسمى: "وزارة اجتثاث ثقافة الاستبداد". فالثقافة كالإناء الصلب، سواء سُكب فيه ماء أو زيت أو أي سائل آخر سوف يأخذ نفس الشكل.

التعليقات