في شهادة عن الشاعر فرج بيرقدار: الفارس الذي يموت من أجل كلمة شرف قالها!

ميخائيل سعد 2022-01-16 12:52:00

مقالات سورية مختارة: ميخائيل سعد يكتب عن فرج بيرقدار

في شهادة عن نشاطهما السياسي في سبعينيات القرن العشرين.. يكتب الأستاذ ميخائيل سعد ابن مدينة حمص، عن رفيق دربه الشاعر البارز فرج بيرقدار، وعن السجن السياسي والتسريح التعسفي في زمن حكم الديكتاتور حافظ الأسد. كلمات توثق مرحلة مهمة من حياة الشاعر وزمنه. (أورينت نت).

لم يكن فرج بيرقدار، في نظري، مجرد صديق، كنت أراه فارسًا منقرضًا، في عصر لم يعد يحتمل الفرسان؛ كان كذلك وهو بعثي، وخارج الأحزاب، ثمّ وهو يحاول البحث عن حزب ينضم إليه، وهكذا كان وهو سجين. سأكتفي بكتابة بعض المواقف التي كانت بيني وبينه، لأنّها الأصدق، ولأنّني سأكون مسؤولًا عمّا أكتبه.

كنتُ سجيناً سياسياً عام 1976 عندما عاد فرج إلى سوريا، بعد أن تمّ إيقاف منحته الدراسيّة إلى إحدى دول أوروبا الشرقيّة، زارني في سجن حماه المدني وكان غاضبّا، ويريد الانخراط في عمل سياسي ضدّ نظام حافظ الأسد، فأوصيته بالتعرف على إسماعيل محفوض. وبعد خروجي من السجن، انفصلت مع آخرين عن جماعة 23 شباط، وحاولنا تأسيس تجمع سياسي، كان إسماعيل محفوض أبرز المنظرين له، وكان فرج بيرقدار معنا. بعد فترة غير طويلة، اعتقلت المخابرات السوريّة إسماعيل محفوض في بيروت وانتهت تجربتنا. 

كان فرج ما يزال غاضباً، ويبحث عن حزب، فوجد ضالته في رابطة العمل الشيوعي، وانضم إليها، ولم أكن مؤيداً لانضمامه ذاك، وبقينا أصدقاء كما كنّا في كلّ حالاتنا.

في بيروت بعد السجن، أديت خدمتي العسكريّة. ولما كنتُ قد سُرّحت من عملي كمعلم على المادة 85، ذهبت إلى بيروت وعملت في جريدة (القاعدة)، التابعة لجبهة التحرير الفلسطينيّة. وفي أحد الأيام جاء فرج إلي مقر الجريدة مع صديقته "شفق"، التي ستصبح زوجته لاحقًا، وغادرنا المكان معًا، وكنّا في المصعد، عندما قلت لفرج: "أقترح عليك أن تبقى في بيروت، في بيتي، وأنا أتكفل بالبحث عن عمل لك، فتكريس اسمك كشاعر سوري أهم من عملك السياسي، ففي سوريا كلّ يوم يولد عشرات السياسيين، ولكن قد يمر عقد من الزمان قبل أن يولد شاعر، والبلد بحاجة لك كشاعر أكثر من حاجتها لك كسياسي". قبل أن يرد فرج بادرت رفيقته وحبيبته شفق قائلة: "إذا أنت هربت من مسؤولياتك السياسيّة، فليس كلّ الناس مثلك". نظرتُ إليها بحزن وقلت: "آمل يا سيدتي أن لا تندمي يوماً على ما قلته الآن".

في دمشق، وبعد سنوات، كنت قد عدت إلى سوريا بعد سقوط بيروت بيد الإسرائيليين عام 1982، وكان فرج ملاحقاً من قبل الأمن ومتخفياً، وزوجته في السجن، وكنت قد اشتقت لرؤيته فرتب لي المرحوم (جميل حتمل) موعداً معه. وفي شوارع مساكن برزة، أمضينا عدّة ساعات معًا، نتحدث في كلّ شيء، وكان في جيبي 500 ل.س، فوضعتها في يده، وقلت له: هذه لك، فأنت بحاجة ماسة للنقود، قال: سأقبلها فقط إذا كانت تبرعاً منك للحزب، قلت له: أنا لا أتبرع لحزب لست مقتنعاً بأفكاره، هي لك. قال: لن أقبلها. وكدنا نتخاصم، ولكني أعرف عناده في مواقفه المبدئيّة، فقرّرت قبول شرطه، وافترقنا ولكن بقي فرج في ذهني، الفارس المنقرض، الذي كان يشبه فرسان العصور الوسطى، والذي كان يموت من أجل كلمة شرف قالها. 

من حسن الحظ أنّ فرج عاش.


المصدر: صفحة الكاتب الشخصية على (فيسبوك).

* لقراءة مقالات أخرى في هذه السلسلة اضغط على الرابط التالي:

مقالات سورية مختارة

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة