سوريا 2022 كما يراها العرّافون: انقلاب النجوم على بشار

أيمن الشوفي | 2022-01-12 06:44 بتوقيت دمشق

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
سوريا التي استبْقتها الأيام رهينة فرجة العالم عليها، كسياج حزين يأوي داخله بشراً معذبي الملامح، مقيدي المصائر، مربوطين إلى نظام استدرجهم دون مزاح إلى جحيم حقيقي، ورجمهم هناك مرّات عديدة ليتأكد من تمام هلاكهم، وبقائه هو، هي ذاتها سوريا التي يصعب فيها تصديق بقاء نظامها السياسي حيّاً يرزق حتى الآن، وكأن في الأمر مراوغةً إدراكية يستحيل معها تجنّب الانزلاق إلى عالم الاحتمالات والتفاضل الرياضي، واستعراض أصناف متعددة من الفرضيات الجيوسياسية التي تبرر عدم موته بعد، مقارنةً بسرعة زوال أنظمة استبدادية عربية أقل ضراوة وتنكيلاً بشعوبها من النظام السوري نفسه، وقد أطاح بها الربيع العربي بلمح البصر. ثم إن بعضاً من فروض الفهم تلك تكفّل بها العرافون الأكثر شهرة في العالم العربي، فهم يتقاسمون في آن وظائف المحللين السياسيين كمهنة تعتاش على البث الفضائي، أو على تدبيج الآراء على صفحات الإعلام المطبوع، مع وظائف المنجّمين كمهنة تعتاش على تزكية المخيلة الشعبية لها. وكلا الوظيفتين تحتاجهما بشدة التركيبات الاجتماعية القلقة حيال المستقبل، والتي تتهافت على نبشه قبل أوانه، لفهم واقعها الموصد بطريقة تبدو أكثر ألفةً من قبول فرضيات سياسية جاهزة تحاول إمساكه من أكثر من جانب حتى لا يفلت منها.
          

انقلاب وتنحّ على طريقة ميشال حايك


لم يتوانَ المنجّم الأكثر شهرة، ميشال حايك في تنبؤاته عن سوريا هذا العام عن تضخيم عناصر المراوغة والتشويق السياسي في إعادة تشكيل المشهد السوري الملتبس على الفهم أصلاً، والمتسم برصانة الثبات على حاله منذ أمد، إذ تنبّأ بحدوث انقلاب داخلي برعاية الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، وبتطور نزاعات محتملة بين المخابرات السورية وسلاح الطيران السوري، وبأن بشار سيقبل تسليم السلطة بشكل طوعيّ إلى شاب يافع، بالإضافة إلى تكهّنه السنوي المثير عن دروز سوريا، وهذه المرّة توقع تجمعهم اللافت حول ضريح السيدة زينب المهدد بالانهيار جرّاء ازدياد عدد الزلازل الأرضية التي ستزور سوريا خلال العام الحالي.

يختار حايك منطقةً معقدة التداخلات في أعلى هرم السلطة في سوريا لينصب فيها خيمته الفلكية ويراقب، من هناك تكون رؤاه أوضح وأكثر بهجة، لكنه لم يحسب حساباً إلى تجانس مصالح الأسرة الحاكمة، وذلك بإبقائها على الظرف السياسي الاقتصادي كما هو ماثلٌ في سوريا أطول فترة ممكنة، حتى لا تختل إيراداتهم الشخصية المتأتية من تقاسم المكاسب وفق أجندة معلومة، بحيث يعانق كل فرد من دائرة الحكم الضيقة مداخيله ومصادر ثرائه الفاحش كل يوم وبلا منغصات تذكر، فيكون من المستبعد حدوث انقلاب يقوده ماهر ليطيح بكل تلك الغنائم والإتاوات اليومية والشهرية، ويدخل في مغامرة قوامها الفراغ، عدا عن أنه شخصية غير سياسية، لا تصلح أن تقود دولة. وربما يعتقد ميشال حايك بأن بشار سيترك السلطة لابنه حافظ (الشاب اليافع في نبوءة حايك) وهذا ما قد لا يوافق عليه ماهر، وقد تدفعه هذه الخطوة إلى تحرك عسكري مناوئ لسلطة أخيه.



يحاول حايك إذاً استثمار مخيلته إلى أقصى الحدود، وزجّ أحداث غير عقلانية ذات معدنٍ فنتازيّ في منحى توقعاته تلك، وهذا ينطبق على صعوبة حدوث نزاع بين المخابرات وسلاح الطيران كما قال، إلا إذا كان حايك يلمّح إلى تعمّق الخلافات الروسية الإيرانية في تقاسم النفوذ والمصالح، وتجليات ذلك في خلافات تدور رحاها بين أجهزة المخابرات السورية التي باتت تتبع بولاءاتها إلى روسيا وإيران، وهما على أي حال ليسا على وفاق تام بكل ما يخص الشأن السوري، ويختلفان على ترتيب الأجندات والمحاصصة، ومن الطبيعي نشوب نزاعات بينهما قد تخرج من دائرة الكتمان والسرّية إلى العلن والوضوح، وربما هذا ما قد سيحدث خلال العام الحالي.

رئيس جديد برعاية ليلى عبد اللطيف

 
تبدو سوريا عام 2022 وهي بلا بشار محطة تلاقٍ بين نبوءات ليلى عبد اللطيف وميشال حايك، فهي ترى أن بشار سيغادر رئاسة البلاد، وبأن انتخابات رئاسية ستحدث خلال العام الحالي ستفضي إلى وصول رئيس جديد يحمل نوازع جادة لتطوير سوريا، وإنهاضها من بين ركام دمارها.   

تفضل ليلى عبد اللطيف في نبوءاتها ذات الصلة بالشأن السوري ألا تستقوي بمخيلة واسعة الطيف كالتي يجلبها معه ميشال حايك كلما شدَّ رحال التنبؤ إليه، فتختار عبد اللطيف مباشرةً العنوان السياسي الأكثر تعقيداً في الملف السوري، وهو بقاء بشار أو رحيله، باعتباره شأناً يستميل إليه كل السوريين تقريباً، لكنها وخلافاً لتوقعاتها في الأعوام السابقة تجد بأن بشار مغادرٌ كرسيّ الحكم هذا العام، وخلافاً لتوقعات حايك لم تتنبأ عبد اللطيف بعمر الرئيس المقبل لسوريا، أي ليس بالضرورة أن يكون يافعاً كما يرى العرّافُ زميلُها. ثم تتوقع انسحاب حزب الله من سوريا، ولعلها تراهن من وراء هذا التنبؤ على تحجيم الدور الاستعراضي للنفوذ الإيراني في المنطقة، إما بتوجيه ضربة عسكرية إسرائيلية قاصمة لنظام إيران تعيد حلم النفوذ الفارسي إلى مهده الجغرافي المحدود، أو بتسويات إقليمية شاملة تتضمن بشكل نهائي إقفال علبتي السردين السورية واليمنية، وتعيد أيضاً إفراغ البالون الإيراني من هواجسه التوسعيّة.

مثل تلك التنبؤات تجلب زاداً لا بأس به من الأمل للسوريين المتيقنين من استعصاء الحل السياسي للكارثة السورية بكل تلوناتها الاقتصادية والاجتماعية على الأقل في الوقت القريب المنظور.     

سوريا عقارٌ لدى مايك فغالي


يحرص العرّاف اللبناني مايك فغالي على الاحتفاء بالجانب السينوغرافي البصريّ لظهوره المتلفز، وهو يتلو تنبؤاته السنوية، فلديه الرداء الطويل المقصّب والملون، والخواتم التي يختارها بعناية لأصابعه، بالإضافة إلى صولجانه الشهير. لكنه وفي كل مرّة يتنبأ بها يجبرنا على الاعتقاد بأنه يملك مكتباً عقارياً في عقله الباطني، فيُكثر من تنبؤاته الاقتصادية الريعية العقارية منها والنقدية، ويعتقد بأن مؤتمراً دولياً ستلتئم أوصاله هذا العام، وسيكون هدفه إعادة إعمار سوريا وتنظيمها من جديد على حدّ زعمه، وإليه ستتوافد الدول العربية كما يعتقد، لكنه يرى بأن بشار باقٍ في منصبه، بل وسيستمد قوةً كبيرة خلال العام الحالي وفق رؤاه التي تجافي ما ذهب إليه زميلاه العرّافان اللبنانيان الآخران.

لكنه يجازف في سرديّته المملة تلك، ويرى بأن الرئيسين بايدن وبوتين سيزوران سوريا خلال العام الراهن، ليكون هذا التنبؤ أقرب إلى الهذيان السياسي المريض، فبايدن يستحيل أن يزور بلداً يحكمه نظامٌ سياسي مجرم، وفاقدٌ للشرعية كالنظام السوري، وبوتين لا يزور ولايات تابعة لروسيا إدارياً، وسوريا إحداها.

أما بخصوص محاكة رموز الفساد في سوريا، فهذا الذي لن يحدث على الإطلاق، إذ كيف لجسدٍ أن يحاكم رأسه، فيقطعه؟!   
ثمّة قائمة طويلة وغنية من أصناف التوقعات المرتبطة بالشأن السوري قادمة من مطابخ كثيرة، منها مطبخ سمير طنب، ومطبخ أخصائية الأبراج اللبنانية ماغي فرح التي رأت بأن بشار سيسيطر على كافة الأراضي السورية هذا العام، والذي سيحمل في نصفه الثاني استقراراً اقتصادياً واستثمارياً وفق ما ذكرت. في حين يعتقد الفلكي عبد العزيز الخطابي بأن اغتيالاً يطال شخصية سياسية كبيرة في سوريا سيؤدي إلى تغيّر في المعادلة السياسية العامة في البلاد، تاركاً الباب موارباً للتكهّن باسم هذه الشخصية، ووزنها السياسي الفعلي. فالسوريون المخذولون لم يعد بمقدورهم سوى "وشوشة الودع" أو قراءة طالعهم على تخت الرمل، هناك فقط قد يرتاح بالهم من شقائه القدريّ.  

التعليقات