عن زيارة الوفد الفتحاوي الرفيع إلى دمشق

ماجد عزام | 2022-01-10 06:10 بتوقيت دمشق

جبريل رجوب
جبريل رجوب
وفد فلسطيني رفيع يزور دمشق من أجل التحضير لدورة المجلس المركزي المقررة في رام الله نهاية الشهر كانون ثاني/ يناير الجاري، هكذا كتبت عديد من وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الأخرى الإثنين الماضي.

 بدا العنوان متناقضاً وحتى حركياً ،كوننا نتحدث عن وفد فتحاوي فصائلي لا فلسطيني بالمعنى الرسمي. أما السؤال الكبير عن سبب ذهاب الوفد إلى دمشق من أجل التحضير لدورة المركزي في رام الله فهذا ما سنجيب عنه بالتأكيد في ثنايا السطور القادمة.

إذن نتحدث عن وفد فتحاوي فصائلي لا فلسطيني رسمي، بمعنى أن الزيارة حزبية بحتة مع السعي لإعطائها ثوباً أو إطاراً وطنياً فلسطينياً جامعاً، علماً أن الوفد تشكّل من أعضاء في اللجنة المركزية للحركة برئاسة أمين سرّها جبريل الرجوب وعضوية مفوّض العلاقات الدولية روحي فتوح ومفوّض الأقاليم الخارجية سمير الرفاعي، وكلّف بتنفيذ ثلاث مهام أساسية كما قال عبد الله عبد الله نائب مفوّض العلاقات الدولية بالحركة..

المهمة الأولى تتمثل بإيصال رسالة من الرئيس محمود عباس إلى رئيس النظام بشار الأسد تتعلق بالتطورات الأخيرة في فلسطين، باعتبار سوريا عاملاً مركزياً في القضية الفلسطينية حسب تعبير عبد الله الحرفي. أما الثانية فتتعلق بالمشاركة في احتفالات ذكرى انطلاقة حركة فتح الـ57 بمخيم اليرموك. والثالثة خاصة بلقاء قادة فصائل منظمة التحرير، إضافة إلى حركة الجهاد الإسلامي للتحضير لاجتماعات المجلس المركزي للمنظمة بعد أسبوعين في رام الله، رغم أن هذا يمثل في الحقيقة العنوان والهدف العريض للزيارة، ولكنه وضع عن قصد في آخر المهمات كونها توصّل أو تمهد له.

لا يمكن الجدال في حقيقة أن سوريا كانت وستظل مركزية في القضية الفلسطينية، لكن الأمر يتعلق بسوريا التاريخية العظيمة التي كانت دوماً إلى جانب فلسطين، وأرسلت لها القادة العظام الشيخ عزالدين القسام والجنرال فوزي قاوقجي، وكانت عضواً مؤسساً بالجامعة العربية 1943 للدفاع عن القضايا العربية وفي القلب منها القضية الفلسطينية، كما استقبلت اللاجئين الفلسطينيين كما ينبغي في عام 1948 وأعطتهم أوسع مدى ممكن من الحريات والحقوق ، وكل هذا قبل أن يصل نظام الأب والابن الاستبدادي البشع والبغيض إلى السلطة.



أما سوريا التي يوجه محمود عباس رسائله لها فهي سوريا الأسد الطائفية المتجانسة والمحتلة، بعدما استجدى بشار الغزاة على اختلاف مسمياتهم لحماية سلطته. وبناء عليه فلا شك أيضاً أن النظام الفاقد للشرعية وحتى للسلطة الفعلية لا يملك ما يقدمه لفلسطين وقضيتها هذا على افتراض أنه يريد أصلاً.

وفي هذا السياق لا يمكن كذلك تجاهل حقيقة تدمير بشار الأسد للمخيمات في سوريا، وقتل وتشريد أهلها في خدمة مباشرة للاحتلال الإسرائيلي من خلال شطب حق العودة باعتباره أحد ثوابت وركائز القضية الفلسطينية عن جدول الأعمال الإقليمي والدولي.

كما أن قصة رسالة عباس للأسد حركية أيضاً، تماماً مثل مسمى أو عنوان الوفد. والهدف هنا من الزيارة والرسالة يتمثل بإرضاء فصائل منظمة التحرير المتحالفة مع نظام الأسد، والتغطية على لقاء عباس الأخير مع وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، وتليين مواقفها من اجتماعات المجلس المركزي التي يسعى عباس من خلالها إلى إعادة الشرعية لقيادته بعد انهيارها في الشارع الفلسطيني، وظهورها منفصلة عاجزة أثناء هبّة القدس ومعركة سيفها وماتلاها من أحداث في الشيخ جراح وسلوان وبيتا وبرقة وملحمة نفق الحرية.

بتفصيل أكثر، يسعى عباس إلى عزل خصومه وتبييض صورته بعد هروبه من الانتخابات، وتراجع شعبيته وشعبية السلطة، حتى أن ثلاثة أرباع الفلسطينيين يريدون رحيله، كما أظهرت نتائج استطلاع الرأي للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسيحية الشهر الماضي.

وفي قصة الانتخابات كان محمود عباس قد هنّأ بشار الأسد بانتخاباته المزوّرة العام الماضي بعدما هرب هو منها في فلسطين، ولو استطاع إجراء انتخابات معلّبة على طريقة بشار الأسد لفعل، ولو رأى هذا الأخير أن ثمة خشية من الهزيمة لما جازف بإجراء الانتخابات في سوريا ولهرب منها تماماً كما فعل حليفه المستجد عباس في فلسطين.

احتفالات ذكرى الانطلاقة تأتي أيضاً في نفس سياق تبييض صفحة نظام الأسد والتقرّب منه لإرضاء الفصائل وخلق إجماع مصطنع ووهمي معها لجلبها إلى اجتماعات المجلس المركزي وفي الحد الأدنى تخفيف انتقاداتها ومعارضتها لسياسات السلطة.

أما إجراء الاحتفالات في مخيم اليرموك المدمّر ،فيظهر نفاق الفصائل وانفصامها عن شعبها والواقع، كما سكوتها عن تدمير الأسد للمخيم، بل تبرئته ومسايرته في أكذوبة إعمار المخيم رغم عدم إخفاء النظام وحلفائه الطائفيين أطماعهم فيه، وسعيهم للتخلص منه ومحوه تماماً عن الخريطة لإرضاء هوسهم الأمني والطائفي والديموغرافي.

وبالعودة إلى العنوان والهدف العريض للزيارة والمتمثل بالاستعداد لاجتماع المجلس المركزي واجتماعاته، وهذا أمر ما كان يقتضي الذهاب إلى دمشق لولا نفاق نظام الأسد وأدواته الفلسطينية، كون المقرّات المركزية للجبهتين "الأهم نسبياً" الشعبية الديمقراطية تقع في الداخل وفي رام الله تحديداً وعلى مرمى حجر من مقر اللجنة المركزية لحركة فتح التي انطلق منها الوفد الفتحاوي.

وبالتأكيد لا يمكن تصور أن يسافر وفد فتحاوي إلى دمشق للقاء قادة الجبهة الشعبية القيادة العامة وتنظيم الصاعقة الجناح الفلسطيني لحزب البعث بكل ما يحمله الاسم من دلالات سيئة الصيت، ولا حتى للقاء قادة حركة الجهاد الإسلامي التي لا تملك تأثيراً كبيراً في الساحة  الفلسطينية، اللهم إلا من أجل دقّ إسفين بينها وبين حماس في غزة.

من هذه الزاوية لا يمكن استبعاد أو تجاهل هدف مهم للزيارة أيضاً يتمثل بعزل حماس وقطع الطريق عليها، خاصة بعد لقاءاتها المكثفة مع الفصائل نفسها في العاصمة اللبنانية بيروت خلال الفترة الأخيرة والتي حملت توافقاً سياسياً وانتقاداً كبيراً لمحمود عباس وسياساته.

ثمة استنتاج محزن ومؤلم هنا، مفاده أن طريق عباس إلى استرضاء الفصائل الهامشية ولكن صاحبة الصوت العالي يمر عبر بوابة بشار الأسد ونظامه في مشهد سوريالي واستغلال انتهازي ومنافق، كذلك لفشل أو للدقة تعثر مساعي التطبيع بين النظام وحماس "غزة "التي تقودها إيران وذراعها الإقليمي والمركزي حزب الله.

في الأخير وباختصار وبناء على ما سبق كله، يمكن القول إن الطبقة السياسية الفلسطينية برمتها تقريباً تصطفّ إلى جانب بشار الأسد فكرياً وسياسياً، ولا تريد أن ترى أو تفهم أنه فاقد للسلطة والسيادة، ولا يستطيع ولا يريد أصلاً تقديم شيء لفلسطين وقضيتها، كونها جزءاً من سوريا التاريخية العظيمة التي دمّرها وتآمر عليها واستجدى الغزاة لاحتلالها. أما الاستنتاج الآخر الضروري أيضاً فمفاده أن الطبقة نفسها لا تملك الشرعية الديموقراطية والأخلاقية لتمثيل الشعب الفلسطيني، وبالتأكيد هي عاجزة عن قيادته إلى الحرية والاستقلال والسيادة وتقرير المصير.

التعليقات