سميح شقير بين الشعر والغناء: تجربة جمالية مركبة متعددة الجوانب والوجوه

أورينت نت – إيمان أبو عساف | 2022-01-08 07:31 بتوقيت دمشق

سميح شقير وآخر دواوينه الشعرية
سميح شقير وآخر دواوينه الشعرية
(القرّيا) هي الثريا في ذاكرة أهل سورية، مرة لأنها معقل ومسقط رأس قائد ثورتها في الخامس والعشرين من القرن الفائت (1925)، ومرّات لأن لأهلها معتركاً مع الأحزاب والسلطات، وغير مرة لأنهم أصحاب ذائقة موسيقية وشعرية وكل الفنون التشكيلية وكم لها من حسن القمح.. وعسيلة العنب المخمر.. وذهب الأصالة المعتق.
وأما أنسالها فتشبه آل شقير، فيها كل النواميس وكل الوفرة الوطنية والإنسانية والأخلاقية.. وفيها (سميح)  الذي اكتنز سر الإنسان. قد يكون كما تقول العلوم النفسية والعلوم المجاورة أن الاستعداد في البدء يكون، ثم تأتي بيئة ثرية فيها وفرة خاصة ومكنة بموضوع ما، لتكون حاضنة لذلك الاستعداد، وكم يكون المؤثر مُثرياً ومُخصباً إذا كانت الأسرة ممتدة عدداً وتاريخاً وحضوراً.

سيرة المنبت العائلي


 لا بد حين نتحدث عن مشروع سميح شقير الفني والثوري، أن نشير لشخصيات متنوّعة ومتعددة الاتجاهات والمشارب، رسمت ملامح ومحددات وارتسامات مشروع سميح.  فالجد من جهة الوالد كان رجل الدين الأول في القريا، له كل صفات الرزانة والجدية التي يقتضيها موقعه، وقد أبلى حسناً مسلكاً وإيماناً. وكان الأب قاضياً مستشاراً في محكمة الجنايات العسكرية، قاضياً استثنائي الضمير والمبدأ، برع إلى حد أنه خرج من موقع بغاية الحساسية رجلاً نظيف اليد والعقل. كم كانت مهمته الطويلة معقدة ووعرة الدروب، وكم كان صبره لا ينفد وهو يراقب ذاته وما حوله، رابط الجأش صاحب همّة ورسالة. كان عسكرياً وطنياً رمى بذار سوريا الحبيبة في حرث أبنائه، ودعاهم ليأخذ كل منهم ما استطاع إليه سبيلاً.

وما كان على غسان وسميح وسهير ....الخ إلا حمل أمانة الإثمار، بعد لأي ومشقة ونكسات وانشغالات تحددت الملامح. غسان كاد أن يكون أحد موظفي وكالة ناسا المهمّين لولا أنه حوسب من بلد يدّعي الديمقراطية على برنامجه المستمر في إحدى المحطات العربية والذي كرّسه للقضية الفلسطينية، وتقضي الظروف أن يتابع حياته في المغترب شخصية متعددة المواهب، إلى جانب كونه مهندساً جيولوجياً بارعاً، وسهير الوحيدة تزهر موهبتها غناء وتلحيناً وشعراً ورسماً.

المغنّي شاعراً.. والموهبة نهراً 


في هذا الوسط عاقر سميح إدماناته الشعرية والموسيقية غيرها، وفي الحقيقة أصابتني الحيرة وأنا أحاول توصيف وتشريح شخصية سميح، ثم اقتنعت أنه شخصية مركبة لها جوانب متعددة، كل جانب يقتضي مبحثاً خاصاً، وخاصة أنه صاحب مشروع له خصوصية استثنائية ارتبط بتاريخ سورية الأكثر راهنية، ولك عزيزي القارئ أن تقدّر ازدحام المرحلة بالأحداث المتشابكة، وانفجارها بشكل غير مسبوق. انفجار مدوٍّ
وسط هذا وذاك احتشد الزمكان بالصدام بين قوى الاستبداد نفسها وبينها وبين القوى الناشئة التي ابتغت التغيير، ومعترك قديم متجدد مع عدو اغتصب أرض فلسطين، وكان لنا معه معارك حقيقية وأخرى وهمية.. وأجد نفسي هنا كلما حاولت أن أختصر قد غصت بذكر الصراع الدراماتيكي الذي -مرة واحدة- أشعلت ناره في كل المواقع والجبهات، والقصد هنا المراد منه ذكر الروافد التي غذّت نهر الموهبة سميح شقير في الموسيقا والغناء والعطاء الفني المتنوع المكلل بمجد الشعر.

ولما كانت مهمتي عقدة كأداء رأيت أن ألامس بعض شعره الذي قاله حديثاً جداً، وأتوخى أن أقدم للجمهور بعض مذاق وملامح تجربة شقير بآخر فصولها، وتحديداً شعره الذي بلغ مقاماً سامقاً، والذي نشره على صفحة النت الخاصة به، دون أن أنسى أن لسميح شقير مجموعتين ضمّنهما العديد من القصائد. الأولى صدرت عن دار كنعان في دمشق عام 2006. والثانية صدرت عام  (2018) تحت عنوان: (ولا يشبه النهر شيئاً سواك) عن دار ميسلون للطباعة والنشر والتوزيع. 

قراءة في قصيدتين: لا تكن صياد روح! 


وقد اخترت هنا قصيدتين من آخر ما كتب ونشر على صفحته، متوخية الدلالة على تطور تجربته الشعرية. 
القصيدة الأولى كتبها بلا عنوان واخترت أن تكون تحت عنوان (لا قلب لك)
حقا تكون لا قلب لك
إذا تعثر في ظلام الدرب قربك خطو مكلوم ولم تمدد يدك
لا قلب لك
أو إن رأيت حمامة جوعى ولم ترم بكسرة خبزة
أو إن وصلت بمركب الناجين من غرق ومن بلوى ولما تلتفت لترى
 من الأصحاب من منهم نجا أو من هلك
لا قلب لك
تتسرب قصيدة سميح في البداية واضحة شفافة لا لبس في كلماتها، قوية السبك في قافية بلا تكلف، حيث تقوم المفردات بأداء الدور المباشر لتحديد المعنى الشعري، فهي تنصر الإنسانية وتنتصر لها، وتدين من يتجاهل هويته وحضوره أثناء تقاطعه مع موقف إنساني.
ولا تقتصر دعوة سميح في القصيدة على موقف الإنسان من الإنسان، بل تتعداها إلى موقف الإنسان من الطبيعة وكائناتها (إن تعثر في ظلام الدرب قربك خطو مكلوم ولم تمدد، يدك/ أو ان رايت حمامة جوعى ولم ترم بكسرة خبزة).
- في المقطع الثاني:
والروح إن فرحت ستأخذ شكل عصفور يطير


 فلا تكن صياد روح
ودع المصير تحده جهة لتقويم قديم مسرف بالزخرفات
 وفيه نايات تنوح
أو حده جهة السؤال أو حده الخيل الجموح.
- هنا يبدأ المجاز عند سميح بالتوهج، حين يطلب من الإنسان أن يطلق العنان لروحه وأرواح الآخرين، لتفرح وتعبّر عن مكنونها، وقد يكون صياد الروح هو أي شخص يقوم بقمع سعادة شخص آخر، أو ربما يكون شخصاً نرجسياً لا يبذل ولا يعطي.
أما فيما يخص المصير الذي دعا سميح في قصيدته لأن تحده جهة لتقويم قديم؛ فأعتقد أنه يطلب من الإنسان ألا يتخلى عن ذكرياته أو عمّا يلمع من ماضيه، الذي يتجلى كلمحات باذخة. ربما تكون زخرفات.. أو شدو ناي أو الأسئلة بفضاءاتها وأنبائها، أو جموح الحرية التي ترتقي بمخيلتنا.
- في المقطع الثالث:
دع زينة الأشجار تأخذنا إلى رأس السنة
دع غيمة بيضاء من أمل لتهطل في السفوح وفوق أسطحة البيوت
مرورها عطر لياقوت وطعم التوت
والريح إذا هجعت ورداءها نزعت
عند انتصاف الليل وحكت عن المسكوت
لو كنت ثلجاً هذه الليلة كنت سأطرق البيبان
فهناك من هم ساهرون لوحدهم 
من دون مدفأة ولا صحب وتخفي عتمة الجدران غصتهم
لكنت أتيت من جهة المداخن نحوهم
ودخلت أجراساً وموسيقا تبث الدفء في قلب المكان
لو كنت ثلجاً هذه الليلة
لشربت كأس الود مع كل الخليقة
والطغاة كنستهم
وأمام دهشتهم كسرت الصولجان

في هذا المقطع يتلاعب الشاعر بمفهوم الزمان والمكان، حين يجعل من الأشجار المزينة تأخذنا إلى رأس السنة؛ فالرأس يأخذ مفهوماً زمانياً عبر الوقت الذي اختزلته الأشجار المزينة فجعلته قريباً. وعندما تهطل غيمة أو يندف ثلج ويستقر فوق السفوح والأسطح يتحدد مكانياً.
استخدم سميح كلمتي أسطح و سفوح ويقصد هنا مفهوماً زمكانياً...
هنا دعوة من سميح ليكون الوقت والمكان في كل المواسم منطلقاً ليقظة، أما عطر المرور الذي جمع فيه الشاعر الحواس فالعطر هنا حاسة الشم، وطعم التوت ذوق والياقوت فهو جامع رغم جماده له دلالة جمالية، كلون يفتح الأفق لحاسة النظر. بل أكاد أقول الرؤيا وهذا برأيي حداثة شعرية، أجاد فيها الشاعر أيما إجادة، أما الريح التي هجعت فتقوم بدور الكاشف لما تم التستر عليه طويلاً، وما تم التستر عليه كثير ومتنوع.
وفي النهاية يتمنى الشاعر أن يتحد بالطبيعة فيغدو ثلجاً يطرق منازل الناس الذين يفتقدون الأنس والدفء ويعانون بصمت. 
هنا يعكس سميح دور الثلج معيداً صياغة رأس السنة، وشخصية سانتا كلوز الذي يدخل من المدخنة، إلا أن هداياه عبارة عن موسيقا وأجراس. الموسيقا هنا قيم وجمال والأجراس إعلان عن قادم في الأفق أكيد. وسيتناول الأنخاب مع البشر، وهو هنا مستمر بشخصنة الثلج مستثنياً الطغاة، ونيّته كسر شوكتهم.
أما قصيدته في الحب والتي تقول:
خسرت في الحب خسرت كثيرا
لأني قارئ سيئ لإشارات النساء
مثل راصد سيئ للطقس
أترك مظلتي في اليوم الماطر
وألبس معطفي الثقيل في ربيع الوقت
خسرت في الحب خسرت كثيرا
لأني رأيتهن أغاني
فغنيتهن حتى سهقن بالآه
وكأن لا بد للعزف أن ينتهي وأعاني
خسرت في الحب خسرت كثيرا
وكم عاشق في الحماقة مثلي
لأني تركت الفراشات حولي
وطاردت وهج سراب كذوب
لمن لم يمل لي
وكم في رهان خسرت رهاني
خسرت كثيرا
عبير يفوح بفيء الظلال
شهياً كفاكهة في السلال
وبين يدي يذيب الثواني
وعيني على ما وراء الجبال
خسرت في الحب خسرت كثيرا
لأني أردت احتراقاً يليق بحب محال
وحين أعد السهام التي اخطأتها الأماني
أراني خسرت في الحب خسرت كثيرا
وربحت في الحب تلك الأغاني

تصوغ هذه القصيدة علاقة الذكر بالأنثى في مستويين:
الأول: عاشق ينتقي الأنثى البعيدة المنال والتي لا يحركها سوى الأغاني والشعر.
والثاني: الأنثى القريبة والحقيقية التي تعشق الشاعر والمغني رغم أنه يولي وجهه شطر أخرى.
فحين يشبه نفسه بقارئ سيئ للإشارات، أو راصد سيئ للطقس، ويدلل على سوء اختياره بمجاز كائن يرتدي ثياباً لا تتوافق مع الطقس، وحين يشبه نفسه بنور تحيط به فراشات الحب فيهجرها ليطارد وهج سراب خادع.
ولكي يعطي أهمية للأغنية والقصيدة يبدأ في المقطع الثاني بتحديد سبب خسارته، لأنه أراد جلب الأنثى إلى أدوارها الواعية، فغناهن للنساء قصائد وأغاني. ويبدي هنا تعبه وإرهاقه ويقف العزف، ثم يعود للمعاناة.

- في المقطع الثالث: يكتشف الشاعر رهانه الخاسر، متجاهلاً حضور نساء مثل الأشجار، أو الفاكهة التي نضجت حتى لذة المذاق، ولكن القبض على الحاضر والموجود، رغم جماله يبدو قريب المنال والمشتهى دائماً ما لم ننله بعد.

- في المقطع الرابع:  سميح كان يكتب ويغني لحب أسطوري ومتجاوز ثم ينتبه. إنه خاسر.. كل سهامه خسرت مراميها، إلا أنه ربح مقام الشعر والأغنية، ولعمري إنه الربح العظيم فوحده الجمال يصنع المجد.

التعليقات