بعد تزويجهن لمقاتلين أجانب.. مستقبل مجهول لنساء سوريات وأطفالهن

أورينت نت - ميس عبد الحميد 2022-01-07 22:04:00

تعبيرية
تعبيرية

انتشرت ظاهرة الزواج من مقاتلين أجانب في شمال غرب سوريا بشكل كبير خلال سنوات الحرب، بسبب الوضع الاقتصادي المتردّي، والنزوح المتكرر، وعدم إعطاء التعليم الأهمية اللازمة، إذ إنه لم يعد من الأولويات في تلك الظروف القاهرة التي بات فيها البحث عن مكان آمن هو الهدف الأول، ومن بعده تأمين لقمة العيش ثم التدفئة إن وجدت.

رجال غرباء جاؤوا إلى سوريا للقتال، وتزوجوا فتيات من تلك البلاد، وافق أهاليهنّ على تزويجهن من أولئك الغرباء لأسباب ومبررات عدة، أهمها الوضع الاقتصادي المزري، أو بدعوى تزويج البنات لسترهن، والموافقة على أول رجل يطرق بابهن خشية وقوع الفواحش، أو أن تكون الفتاة من عائلة فيها مقاتلون، فتفتخر  تلك العائلة بمصاهرة هؤلاء الأجانب.

إلا أن أغلب هذه الحالات من الزواج انتهت بالطلاق أو اختفاء المقاتلين بعد ذهابهم إلى إحدى المهام القتالية أو عودتهم إلى بلادهم دون التفكير بالمسؤولية تجاه مصير زوجاتهم وأطفالهم إن وجدوا، كما إن وجود المال الوفير لدى المقاتلين الأجانب، ودفع المهور التي يعجز عنها شباب البلد، أعمى أبصار بعض الأهالي عن التفكير بحقيقتهم، وبمصير بناتهم وأطفالهن، ونسب أولئك الأطفال ومستقبلهم .

مستقبل مجهول وهجران

حسن الأسعد البالغ من العمر ٤٧ عاماً من مدينة إدلب، يروي لـ أورينت نت عن تزويجه لابنتيه من مقاتلين اثنين لم يكن يعرف عنهما سوى لقبيهما الذين يكنَّيان بهما، ضمن تنظيم "جبهة النصرة" الذي ينتسبان إليه.

ضحايا الفقر

يقول الأسعد: "بعد الحرب على قرى وبلدات إدلب اضطررت وعائلتي للنزوح لمرات عديدة، والتنقل من مكان لآخر بحثاً عن الاستقرار في مكان آمن، والتي كان آخرها في مدينة الدانا شمال إدلب".

وأضاف: "كنت أعمل سائق سيارة أجرة في المدينة، ولكن بعد النزوح، وغلاء أسعار المحروقات، وانقطاعها في أغلب الأحيان، أصبحت أحوالي المادية أشد سوءاً، ما دفع بي لتزويج  ابنتي عبير (١٥ عاماً)،  ونور (١٧ عاماً) لمقاتلين أجانب، بعد انقطاعهما عن المدرسة بسبب التنقل، وعدم استطاعتي تأمين مصاريف المدرسة الإضافية، وبعد سنة من زواجهما انتهى القتال في المنطقة، فقرروا الرحيل إلى مدينة الرقة برفقة والدتهما التي فضّلت الذهاب مع ابنتيها للاستقرار هناك، وعندما سيطرت ميليشيا "قسد" على مدينة الرقة، قُتِلا أثناء المعارك هناك". 

وتابع الأسعد: "بعد أن تركتني زوجتي، ولحقت ببنتيها للعيش مع هؤلاء الغرباء، انفصلتُ عنها، وتزوجتُ من امرأة أخرى، وتمكنت من إعادة بناتي إلى بيتي بعد أن خرّب هؤلاء الغرباء عليّ حياتي بأكملها قبل أن يرحلوا".

بدوره أكد المحامي غزوان قرنفل لـ أورينت نت أنه لا يجوز شرعاً ولا قانوناً إبرام عقد زواج مع مجهول، مضيفاً: "يجب أن يكون كلا الزوجين معروفين بالاسم، والنسبة، والجنسية والعناوين، ومعروفين لدى شهود العقد، وكل تجهيل لأية معلومة تتعلق بهوية الزوجين، وجنسياتهم يبطل العقد".

أسماء العيسى البالغة من العمر ٢٧عاماً من مدينة أريحا التابعة لريف إدلب الجنوبي، تروي لـ أورينت نت قصة زواجها من مهاجر، ومصير طفلها بعد فقدان زوجها قائلة: "بعد استشهاد عائلتي جراء القصف العنيف على مدينة أريحا اضطررت للعيش في بيت أخي الذي كان يسكن في المناطق الحدودية، لكن تأخري في الزواج وتقدمي بالعمر، دفع بي للقبول بالزواج من مقاتل تونسي الأصل لأحقق حلمي كغيري من الفتيات في تكوين أسرة، وإنجاب أطفال، ورعايتهم".

مجهولو النسب

وتابعت أسماء: "بعد أن تقدم لخطبتي وضع شرطاً واحداً لإتمام الزواج، وهو أن يكون بعقد خارجي، غير مثبت في المحكمة، ولكنه وعد أنه سيقوم بتثبيته حين يكون مستعداً لذلك. وبعد فترة من زواجنا أنجبت منه طفلاً ، ولكنه كان كثير الغياب عن البيت، وحياته يشوبها الغموض، كما إنه لم يشأ إطلاعي على أي شيء من حياته السابقة، ولا الحالية، وكان قليل الكلام كثير الشرود، وعندما طلبت منه تثبيت الزواج قال إنه سيفعل قريباً، إلا أنه غادر في أحد الأيام بعد نحو سنة ونصف من زواجي منه، ولم يعُد، ولا أعرف عنه أي خبر".

وتضيف الفتاة: "لا أدري إن كنت أستطيع تسجيل طفلي في المحكمة، وهل سأجد حلاً يمكنني من إيجاد نسب طفلي كي لا يكبر ويجد نفسه مجهول النسب، فيُنبَذ من قبل المجتمع الذي لا يرحم".

يرى المحامي قرنفل أن الطفل الناتج عن مثل هذا الزواج يُعَد مجهول النسب لجهة أبيه، وقد أجاز قانون الأحوال المدنية السوري تسجيل الطفل كمجهول نسب، فيعطيه أمين السجل المدني اسماً لأبيه، ولجدّه، ويعتبر اسم الجد كنية للطفل، كما أجاز قانون الجنسية السوري اكتساب الطفل الجنسية السورية أيضاً. لا يجوز قانوناً نسب الطفل لأمه فقط، ولا تسجيله على اسمها فحسب دون منحه اسم أب وجدّ".

 وأضاف أن نسب الطفل لم يعُد بحاجة لإثبات باعتبار أن القانون منحه اسماً، واسم أب، واسم جد، واسم الجد يُتّخذ كنية للطفل، وتابع قائلاً: "كما تسجّل معلومات أمه الصحيحة كما هي، أما إن تخلت عنه الأم، ورمته بالشارع قبل تسجيله فيُعتبر لقيطاً، ويُسجّل كمجهول نسب لكن بنفس الآلية ( اسم، واسم أب، واسم جد، وكذلك اسم أم)، ويعتبر سورياً باعتباره وجد على الأراضي السورية".

غياب الأصول

الطفل سامر  "عمره سنتان" من بلدة تل عادة التابعة لريف حلب الغربي، تعرّض للعنف من قِبَل زوج والدته، والتي تحدثت شريطة إخفاء هويتها لـ أورينت نت قائلة: "أنجبت طفلي الثاني قبل استشهاد والده بسنة، ولكن سوء الحال دفع بي للزواج من رجل مهاجر لم أكن أعرف عنه سوى أنه يريد الزواج من أرملة، لأكتشف لاحقاً أنه يتعاطى حبوباً مخدِّرة. كان يغادر المنزل لعدة أيام، وعند عودته يطلب مني أن يعمّ الهدوء في البيت، لكنني لم أكن قادرة على إسكات طفلي الصغير الذي كان يعاني من نوبات صرَع، وخاصة عندما يسمع أصوات الانفجارات، ما كان يدفع بزوجي للقيام بضربه في كل مرة، والصراخ بوجهه ليخيفه فيصمت".

آلام ما بعد الحرب

وتابعت والدة الطفل: "في آخر زيارة له قام بضربه بشدة، ورميه من بين يديه، ليسقط على الأرض، وتم نقله إلى المشفى، لكنه قام بتهديدي إن تحدّثتُ لأحد عما جرى، وأنه سيقوم بطردي من المنزل مع أطفالي، ولكن وضع طفلي الحرِج الذي آل إليه بعد النزيف الداخلي الذي لم يتوقف لساعات، والخلع الذي أصاب قدمه، دفعني إلى تقديم شكوى ضده، لينال عقابه، ولكن للأسف لم أستطع إثبات شيء عليه، فقد قام بدفع مبلغ من المال، وأُطلِقَ سراحه بعد عدة أيام دون أن يحاسَب على ما فعله، وازداد حال طفلي سوءاً، وغادرتُ المنزل لأسكن في مخيم لعله يكون المكان الآمن لي ولأطفالي".

لم تقتصر ظاهرة زواج الفتيات السوريات من المقاتلين الأجانب على محافظة  إدلب فقط، بل توسّعت لتشمل جميع المحافظات السورية التي وصلت إليها التنظيمات، لتحصد معها مستقبل الكثير من الفتيات اللواتي تزوّجن لمستقبل مجهول.

حيث بلغت أعداد المتزوّجات من أجانب في محافظة إدلب (1735) حالة زواج، أنجبت منهن (123) امرأة أكثر من (1826)طفلاً، حسب إحصائية تمت في يناير كانون الثاني عام (2018).

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات