الضرب بدير الزور والهدف في فيينا: تصعيد أمريكي كبير ضد إيران في سوريا

أورينت نت-عقيل حسين | 2022-01-06 13:13 بتوقيت دمشق

الضرب بدير الزور والهدف في فيينا: تصعيد أمريكي كبير ضد إيران في سوريا
شهدت الساعات الثماني والأربعون الماضية تصعيداً لافتاً بين الجانبين الأمريكي والإيراني في كل من سوريا والعراق، حيث يمتلك الطرفان قواعد ومواقع عسكرية.

وبينما يرى البعض أن هذا التصعيد "مؤقّت" ويرتبط بحلول الذكرى السنوية لمقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، يعتقد محللون أنه يمثل أحد تجلّيات ونتائج تعثّر مفاوضات الملف النووي الإيراني التي تستضيفها العاصمة النمساوية فيينا.



تصعيد أمريكي غير مسبوق



القوات الأمريكية كثّفت ليل الأربعاء-الخميس قصفها الصاروخي والمدفعي على مواقع الميليشيات الإيرانية في المنطقة الشرقية بدير الزور، وبالقرب من الحدود العراقية، في جولة جديدة من الاستهداف الذي كان قد بدأ ليل الثلاثاء، رداً على ما قالت إنه قصف طال قواعدها شرق سوريا.

مراسل "أورينت نت" في دير الزور (زين العابدين العكيدي) شبّه عمليات القصف والغارات هذه بتلك التي شهدتها المنطقة أواخر العام 2017 إبان المعارك ضد تنظيم داعش. وقال: إن البداية كانت ظهر يوم الثلاثاء مع ثلاث غارات شنها طيران مسيّر تابع للتحالف استهدفت عدة مواقع للحرس الثوري، وميليشيا أبو الفضل العباس، بالإضافة إلى موقع في بادية القورية، وموقعين في بادية العشارة.

ونقل المراسل عن مصادر خاصة، أن الموقع المستهدف القريب من مزار "عين علي" في القورية يتمركز فيه عناصر سوريون منتسبون لميليشيا (أبو الفضل العباس)، وأن القصف هناك أدى إلى إصابات، وبعدها بساعات قال مصدر من التحالف الدولي: إن الغارات استهدفت منصّاتٍ لإطلاق الصواريخ كانت تستهدف قواعد التحالف في حقلي كونيكو والعمر. 



وفجر الأربعاء، قامت ميليشيات تابعة لإيران باستهداف محيط قاعدة حقل العمر بأربع قذائف صاروخية سقطت في أراضٍ زراعية خالية، ليأتي ردُّ التحالف سريعاً، حيث استهدفت مدفعيته مواقع لميليشيات ايران في بادية الميادين ‏بــ 8 قذائف، رافق ذلك تحليق للطيران الحربي مع فتح جدار الصوت، وتحليق للطيران المسير التابع للقوات الأمريكية، صاحبها حالة رعب وهلع سادت المنطقة، بسبب أصوات القصف التي كانت قوية جداً من قبل قوات التحالف.

وأضاف مراسلنا أنه "ومنذ صباح يوم الثلاثاء كانت ‏أغلب حواجز الميليشيات الإيران مختفية في عموم مناطق الريف الشرقي لدير الزور، ولم يتبقّ منها سوى بضعة حواجز لميليشيات النظام، وفي الميادين حاجز وحيد تبقى على مدخل المدينة، وهو (حاجز البلعوم) التابع للأمن العسكري".

كل المؤشرات كانت تدلّ على أن الساعات التالية ستكون ساخنة، وبالفعل، ففي تمام الساعة الواحدة من ليلة الخميس بدأت أعنف موجة قصف تطال مواقع الميليشيات الإيرانية شرق دير الزور، ‏حيث قامت مدفعية قاعدة حقل ‎كونيكو باستهداف مواقع الميليشيات في محيط المدينة بالقرب من بلدتي حطلة ومراط، كما جددت قصفها مواقع في بادية ‏الميادين قرب بلدة ‎محكان، وبعدها بنصف ساعة أغار طيران التحالف على مواقع ميليشيات ايران في بادية المسرب بالريف الغربي لدير الزور. 



تفوّق أمريكي ساحق



لكن اللافت في هذه الهجمات التي شنّتها قوات التحالف على مدار يومين، عدم استهداف أيّ منها مواقع الحرس الثوري والميليشيات التابعة له في مدينة البوكمال، التي تُعدّ عاصمة النفوذ الإيراني في سوريا، مقابل تركيز جميع عمليات القصف على الأهداف التي ‏تشكّل خطراً أكبر على قواعد التحالف، خاصة في حقلي كونيكو والعمر.

وتستخدم الميليشيات التابعة لإيران قواعدها ونقاطها المنتشرة في بلدتي مراط ومظلوم تحديداً، الواقعتين بمناطق سيطرة النظام في ريف دير الزور، وهي قريبة جداً من حقل كونيكو بمسافة أقل من 10 كم، بالإضافة إلى منصات صواريخ متحركة يتم نصبها على شواطئ نهر الفرات، تستخدمها من أجل ضرب القواعد الأمريكية، الأمر الذي يعتبره المحللون العسكريون "خطأ استراتيجياً" وقعت به قوات التحالف، حيث وضع قواتها تحت رحمة ميليشيات إيران في المنطقة.

لكن الخبير العسكري العقيد عبد الجبار العكيدي، يرى أن لا مجال للمقارنة بين الطرفين الإيراني والأمريكي، بشكل عام ومن حيث المبدأ، وكذلك فيما يتعلق بقواتهما الموجودة في سوريا، مؤكداً أن الكفة راجحة لصالح الولايات المتحدة التي تستطيع سحق القوى الإيرانية خلال ساعات عندما تريد.

ويقول في تعليقه لـ"أورينت نت" على هذه التطورات: الإيرانيون في سوريا لديهم في الغالب أسلحة خفيفة أو متوسطة، وحتى السلاح الثقيل الذين يمتلكونه عبارة عن سلاح تقليدي لا يرقى لمستوى مواجهة التقنية المتطورة لدى الطرف الآخر، والذي يعوّض قلة عدد قواته بالتفوّق التكنولوجي الساحق الذي يجعل الأمريكان، في حال توفرت لديهم الرغبة الحقيقية، قادرين على إضعاف الإيرانيين بل والقضاء عليهم بشكل كامل خلال ساعات.

العكيدي أضاف: لدى قوات التحالف في سوريا معدات قادرة على تعطيل كل أسلحة وأجهزة القوات الإيرانية المنتشرة في سوريا، بما في ذلك أجهزة الرادار وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ، ومرابض المدفعية والهاون، ولا يمكن لهذه الميليشيات مجاراة الجيش الأمريكي، الذي لا تستطيع روسيا الأكثر تطوراً مجاراته، ولدينا العديد من الأمثلة على ذلك خلال المواجهات التي جرت في سوريا حتى الآن.


تعثر "فيينا" يُترجَم قصفاً في دير الزور



سياسياً، ينظر الكثير من المحللين إلى أن التصعيد العسكري الأخير بين إيران وقوات التحالف في سوريا، وكذلك العراق، يعبّر بالفعل عن تعثّر المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، بين طهران ودول الخمسة + واحد، التي استؤنفت في العاصمة النمساوية فيينا، منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، دون تحقيق تقدم ملحوظ.


ورغم محاولات المسؤولين الإيرانيين إضفاء أجواء إيجابية على المحادثات، إلا أن وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك قالت يوم الخميس: "إن المحادثات النووية مع إيران دخلت مرحلة حاسمة، بعد أن بددت طهران الكثير من الثقة"، مشيرة إلى أنه لا يوجد وقت طويل لإحياء الاتفاق النووي.

وبينما نقلت وسائل إعلام عن مصادر في المفاوضات القول "إن اختلاف الأولويات بين إيران والقوى الغربية يشكّل واحدة من أهم العقبات"، حيث تركّز إيران على رفع العقوبات أولاً، مقابل تشديد الطرف الآخر على ضرورة الالتزامات النووية الإيرانية، وصف كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري مفاوضات فيينا بـ"الإيجابية"، وقال إنها تحقق تقدماً.

لكن المحلل السياسي عمار جلو يرى أن حقيقة الموقف في فيينا يمكن قراءته من خلال تطورات المشهد على الأرض السورية، حيث يمثل التصعيد الأخير بين القوات الأمريكية والإيرانية دليلاً على تعثر المفاوضات بالفعل، مشيراً إلى أن هذا التصعيد قد يمتد بشكل مفتوح حتى نهاية المدة الممنوحة لمفاوضات فيينا، وبناء على النتائج يتحدد الموقف.

ويضيف في تصريح لـ"أورينت نت": الإدارة الأمريكية الحالية كانت تعتقد قبل تسلمها الحكم أن العودة للاتفاق النووي مع إيران ستكون سهلة، لكن بعد دخولها البيت الابيض بدأ يتكشف لها صلف وتعنُّت إيران، ومع ذلك بقي النهج الدبلوماسي هو الأساس، لكن مع استمرار خيار تصعيد الضغط العسكري بشكل تدريجي ومستمر، على إيقاع التوازن بين ضرورة الحفاظ على المفاوضات، وبذات الوقت وضع حد للاستفزاز الإيراني.

بمرور الوقت تتحول سوريا إلى ميدان ضغط عسكري بين الدول التي تجمعها ملفات عالقة، حيث تلجأ هذه الدول إلى التصعيد العسكري كلما تعثرت الفرق الدبلوماسية في تحقيق تقدم في تلك الملفات، كما يحصل بين الولايات المتحدة وروسيا، أو تركيا وروسيا، وكذلك بين أمريكا وإيران، حيث يعتبر الملف النووي الإيراني هو الملف الأكثر تعقيداً وتأثيراً على القضية السورية.

التعليقات