تنبؤات للمعارضة السورية في العام الجديد

مصطفى المصطفى | 2022-01-05 07:02 بتوقيت دمشق

المعارضة السورية
المعارضة السورية
جرت العادة مع نهاية كل عام وبداية آخر،  أن تكثر التنبؤات والتوقعات للعام الجديد؛ منها ما يعتمد على التنجيم والشعوذة، ومنها ما يعتمد على قراءة الواقع معتمداً الأسس العلمية المتعارَف عليها. ورغم ذلك، فهذه الأخيرة غالباً ما تجانب الصواب لأنها تخضع لكثير من المؤثّرات؛ كالتحيّز الأيديولوجي، ونقص المعلومة، وصعوبة قراءة السلوك الإنساني المعقّد بطبيعته والذي يخضع لعدد لا حصر له من المؤثرات. لذلك، تبقى عبارة: "أهم ما يميز المستقبل أنه دائما مجهول" هي الأكثر دقة.

ولأن الإنسان بطبيعته لديه احتياج فطري لكشف السِّتار عن كل أمر مجهول أو غامض بالنسبة له، وذلك وفقاً لما توصلت إليه دراسة حديثة نُشرت في دورية "سايكولوجيكال ساينس" Psychological Science)). يكشف هذا البحث الجديد أن الحاجة إلى المعرفة تكون مُلحَّة لدرجة تدفع الإنسان إلى السعي لإطفاء نيران الفضول، حتى لو كان واضحاً أن الإجابة ستكون مؤلمة.. لأن الإنسان بطبيعته هكذا، ستبقى التنبؤات، سواء أبُنيت على أسس علمية أم على أسس خيالية، تحظى بشعبية واسعة، وستبقى مطلوبة لمختلف الشرائح الاجتماعية.



بالنسبة لنا نحن السوريين تزداد الرغبة لدينا بمعرفة المجهول الذي ينتظر مستقبل بلادنا، بل ومستقبلنا على الصعيد الشخصي، خاصة أن تطورات القضية السورية جعلت الحلول بأيدي القوى الإقليمية والدولية، وأصبحنا نحن، أصحاب الشأن، خارج اللعبة تقريباً نتيجة الفشل الذريع في أداء النخب التي تصدّت لمهمة الدفاع عن حقوق الشعب السوري في الحرية والكرامة. لذلك، فقراءة المستقبل والتنبؤ به يجب أن تعتمد على تطورات المواقف الدولية تجاه الملف السوري، وهو ما يجعل الأمر أكثر صعوبة وتعقيداً، خاصة أن الموقف الأمريكي الذي تعوِّل عليه قوى الثورة والمعارضة أصبح أكثر ضبابية وغموضاً من ذي قبل، وهو ما دفع الكاتب "جوش روجين" في تقريره لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية إلى القول: إن استراتيجية الرئيس "جو بايدن" تجاه سوريا عصيّة على الفهم، وإن الفجوة بين أفعال وأقوال "بايدن" تجاه سوريا جعلت الدول تشعر بالارتباك، مشيراً إلى أنها أصبحت غير متماسكة ومتناقضة في آن واحد. 

من بين المرتبكين أيضا "ألكسندر لافرنتييف" مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا حيث أكد في تصريحات لوكالة تاس الرسمية أن "كتابة وإعداد دستور جديد ينبغي ألا يهدف إلى تغيير السلطة في دمشق". وهو التصريح الذي أثار جدلاً واسعاً ووضع المنخرطين في مشروع أستانا واللجنة الدستورية في موقف مُحرِج، فأغلب المشككين بجدوى أعمال اللجنة الدستورية ومسار أستانا اعتبروا أن "لافرنتييف" أوضح ما كان واضحاً وكشف حقيقة الموقف الروسي الذي يراهن على ضعف الموقف الأمريكي الذي سيصل إلى مرحلة اليأس نتيجة تعقيدات الملف السوري، الذي حاولت الولايات المتحدة منذ البداية أن تنأى بنفسها عن الانخراط به بشكل قوي. ولعل بعض المواقف المتراخية التي صدرت عن إدارة "بايدن" كإعلانها إنها لن تطبِّع مع النظام السوري لكنها لن تمنع مَن لديه رغبة في التطبيع، وكإعلان الإدارة عن بعض الاستثناءات لبعض المنظمات للعمل في سوريا، وكذلك السماح بتفعيل خط الغاز العربي الذي يمر من الأراضي السورية.. لعل هذه القرارات والتصريحات وغيرها جعلت الروس يشعرون بأنهم قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أهدافهم في سوريا. لكن بعض التصرفات الأمريكية المخالفة لنسق التراخي، كالعودة لتفعيل ملف الأسلحة الكيميائية مثلاً، جعلت "لافرنتييف" يخرج عن لغة المهادَنة والمخاتَلة.

ما دام الحديث عن الولايات المتحدة فهو حديث عن نظام ديمقراطي، أي نظام سياسي يخضع لقيود في مجال توظيف الموارد لتحقيق أهداف السياسة الخارجية، ويثير موضوع الضوابط معضلة لدى النظم الديمقراطية في صنع السياسة الخارجية، وفي هذا الصدد يقول حامد ربيع: "إن النظم الديمقراطية تتسم بعدة خصائص تحدّ من فعالية السياسة الخارجية. أهم هذه الخصائص هي مراجعة ومحاسبة الحكّام، والمساواة السياسية بين المواطنين من حيث إمكانية تولّي وظائف إدارة السياسة الخارجية بصرف النظر عن معتقداتهم السياسية، وحرية المواطن في النشاط الخارجي دون رقابة من الدولة، وحق المواطن في الحصول على المعلومات وهو ما يفرض مبدأ العلنية الذي يتعارض مع فعالية السياسة الخارجية". من هنا يمكن القول: إن إدارة "بايدن" راغبة بالفعل بطيّ الملف السوري بأي شكل كان، لكنها وجدت من خلال المعارضة لهذا الموقف أنها غير قادرة على تحمّل المسؤولية الأخلاقية لمثل هكذا موقف مشين. لذلك، بدأت مؤخراً تُظهر نوعاً من التراجع عن تلك المواقف.

ضمن هذا السياق لا يمكن للمرء أن يتنبّأ بمآلات الملف السوري في العام القادم، فروسيا لديها رغبة جامحة بتحقيق النصر في سوريا، والذي يتمثل، وفق الرؤية الروسية، بالإبقاء على النظام، وهو ما كان واضحاً تماماً قبل أن يضطر "لافرنتييف" للبوح به علناً، أما الولايات المتحدة وبعض حلفائها فهم ما زالوا يشعرون بالحرج من تقبُّل هذا الأمر، رغم أن الملف السوري أثقل كاهلهم. فالأمر يخضع لمواقف دول كبرى ودول عظمى، ولتقلبات هذه المواقف. والمجال الوحيد الذي يمكن التنبؤ به وبلغة جازمة هو سلوك اللاعبين الهامشيين. أي، أطراف الصراع من السوريين، فالنظام السوري سيبقى يراهن على صلابة الموقف الروسي الداعم لبقائه، وسيبقى يراهن على عامل الزمن وضعف خصومه المحليين دونما استعداد لتقديم أي تنازل. أما هؤلاء (رموز المعارضة) فسيبقون يراهنون على أن القوى الدولية ستبقى عاجزة عن تعويم نظام ارتكب من الفظائع ما يندى له جبين الإنسانية. أما فيما يخص الملاحظة التي توجَّه إليهم دائماً حول عجزهم عن تقديم البديل، وعجزهم عن توحيد الأهداف والخطاب والرسالة؛ فهي أكبر من طاقاتهم. ورغم معرفتهم أن النظام يراهن على ضعفهم ويجاهر بذلك، فهم لن يفعلوا شيئاً حيال ذلك، كل ما في الأمر أن من كان يقول لهم: مرّ أحد عشر عاماً من عمر ثورتكم، ألم تتعلّموا بعد؟! سيقول لهم في العام القادم: مرّ اثنا عشر عاماً من عمر ثورتكم، ألم تتعلّموا بعد؟!، فالتشرذم والتراشق والتشتت طبع فيهم، و"الطبع تحت الروح" كما تقول الحكمة. 

التعليقات