سورية البلد.. وسورية الأسد: دولتان أم دولة واحدة؟

غسان المفلح | 2021-12-31 06:50 بتوقيت دمشق

سورية البلد.. وسورية الأسد: دولتان أم دولة واحدة؟
خارج موضوع الوجدانيات والنوستالجيا والنصوص الأدبية، هل يمكننا التمييز بين سورية البلد وسورية الأسد؟ كما إننا لا يمكن أن نؤسس رؤية لحالنا على موضوعة" الحنين للمكان" وجمالياته. رؤية حالنا في حدثينا عن سورية بوصفها" الدولة- البلد" كمن يحاول أن يؤسس على وهم. وهم الفصل بين سورية البلد والدولة عن سورية الأسد. حتى لو أن هذا الوهم اختلط مع أحلام الناس بدولة تحترمهم، دولة يشعرون بالانتماء لها وانتمائها لهم. 

هذه الدولة لم تعد موجودة منذ سيطر الأسد على الحكم قبل خمسة عقود ونيف. قبلها كانت مرحلة انتقالية حاول البعث بانقلاباته أن يجعل هذه الدولة الوليدة بعثية أيضا. اختصرها على مقاسه محاولا أن "يبعثنها" حتى جاء الأسد بانقلابه. حيث جعل هذه الدولة أسدية. شعار  "الأسد أو نحرق البلد" الذي واجهت الأسدية فيه الثورة السورية، كان معبراً تماماً عن الوضعية السورية. أتى التدمير الأسدي للبلد متناسباً مع إحساسها بخطر سقوطها بعد الثورة. فكلما ازداد هذا الخطر ازداد معه حجم السلاح التدميري على قتل البشر والمكان. يتردد دوماً منذ عقود: أن الأسدية لن تترك البلد إلا مدمرة. هذا الكلام تردد على لسان كثر. 



كان تهديد الأسد في ثمانينيات القرن الماضي لتجار دمشق: أدمرها فوق رؤوسكم. ذكرني هذا السياق بما كان يعرف في سرايا الدفاع باللواء المحيطي. اللواء الذي يتمركز حول دمشق وجاهز للتدمير. هكذا كان اسمه المتعارف عليه. سيرة اللواء المحيطي في سرايا الدفاع. المحيط بدمشق ككماشة. حيث استلمت المهمة منه لاحقاً ألوية ما يعرف بالحرس الجمهوري بقيادة ماهر الأسد. بقي الحال على ما هو عليه.

إن جيش الأسد كله لواء محيطي. بساطة الوضوح مهما حاولت بعض النخب الهروب من هذه الواقعة الأسدية. من خلال الحديث عن سورية كدولة ووطن. مع الأسدية ولدت سورية المطيفة سلطوياً. ليس فقط قمعا ممنهجاً وقتلاً، بل أيضاً سياسة وثقافة وأجهزة. هنا مفتاح الأسدية، وأية قراءة لهذه الأسدية لا تضع يدها هنا هي دراسة ناقصة إن لم نقل بلا فائدة. أجهزة الأسد هي السلطة وهي المولدة للحدث السوري منذ عقود خمسة. من هي هذه الأجهزة؟ وكيف تعمل؟ كيف تحولت سورية إلى سورية الأسد؟ ما هي آفاق وجود سورية البلد في ظل استمرار الأسد؟ عندما تتحول روسيا وإيران على عنصر داخلي للأسدية، يجب أن يعاد النظر في هذه الأسدية. إعادة قراءة موقع سورية البلد في سورية البلد. هذه المسيرة المظفرة شاهدناها في لبنان الذي تحول إلى ساحة إيرانية. لا موقع لسورية البلد إلا بوصفها سورية الأسد.

 هذا الالتصاق يختلف تماماً عند توصيف الأسد بديكتاتور، يختلف مع بلد ديكتاتوري آخر. هذا الالتصاق الأسدي لم يعد محمياً فقط من جيش طائفي فقط، بل محمي من جيوش عدة. محمي من نسق سياسي دولي بزعامة أمريكا. منذ لحظة تأسيس الأسدية وهي قنبلة موقوتة لتفجير البلد بأي لحظة وتدميره. لا يوجد سبب آخر لذلك سوى الاحتفاظ الطائفي في السلطة. هذا الاحتفاظ ليس وليد رغبة أو عدم رغبة من الأسدية، لكنه يشكل جوهر حضورها في سورية البلد عبر هذه العقود الخمسة. بنت كافة أجهزتها القمعية وغير القمعية بناء على هذا المعطى الطائفي. هذا المعطى الطائفي أخذ بعداً آخر بالوجود الروسي والإيراني، إنه بعد إقليمي ودولي. نفوذ الملالي هو نفوذ طائفي بالدرجة الأولى، حتى الاحتلال الروسي تواكب مع هذه الحفلة الطائفية. 

كيف يمكننا وصف تصريحات لافروف المتكررة منذ انطلاق الثورة السورية، حول أن الاحتلال الروسي أتى لمنع وصول السنة إلى الحكم. إنه تصريح ينعقد مع السياق الأسدي لسورية الأسد. ببساطة يمكننا الحديث عن البعد الطائفي للحضور الاحتلالي في سورية الأسد. هذا الحضور كان على حساب الأسدية القائمة قبل آذار 2011. 

تآكلت سيطرتها على سورية الأسد نفسها. صحيح لم يعد هنالك سورية البلد- كلها محتلة- كما كان يهدد الأسد الأب والأسديون" أنهم لن يتركوا البلد إلا مدمراً" رغم معرفتهم الأكيدة أن الاحتلالين الروسي والإيراني أتيا على حساب تآكل هذه السيطرة الأسدية على سورية. مع ذلك لم يكن هذا مهما. المهم أن يبقى الأسد غطاء لسورية الأسد. 

تآكل السيطرة الأسدية هذا وانعكاسه على مستقبل البلد، يحتاج لأن نتوقف عنده، نحاول أن نقرأه بما يتوفر لنا من وقائع، خلال مقالات قادمة. لهذا الحديث منذ انطلاق الثورة السورية، عن أن يجب التمييز بين السلطة والدولة هو للتعمية عن حقيقة هذا الالتصاق الدموي المستمر منذ عقود خمسة.

التعليقات