سوريا جمهوريةٌ بلا ميلاد

أيمن الشوفي | 2021-12-29 06:49 بتوقيت دمشق

دمشق
دمشق
الآباء المؤسسون للجمهورية السورية، الجمهورية الأولى قبل أن يُسقطها حزب البعث بانقلابه الشهير عام 1963  كانوا سياسيين محترمين، حذرين يمسكون صورهم بثبات لئلا تهتز في عيون الناس. أصولهم الاجتماعية العريقة، والتي يعود معظمها إلى برجوازيتي دمشق وحلب منعتهم من التكالب على السلطة والاستئثار بها، ومنعتهم من تحويل سوريا إلى ماخور يُؤجر فيه جسدُ البلاد كل الليلة، مثلما يُؤجر الآن لإيران وروسيا.

بوسعنا الآن التذكّر، وربما لا نقوى على سواه. نتذكر وجه سوريا المشرق وهي ثاني بلد عربي، وثالث بلد في الشرق الأوسط يلتحق سياسيّاً بالنظام الجمهوري، وبوسعنا تذكّر الرئيس تاج الدين الحسني بمعدنه النبيل، والرئيس محمد علي العابد ابن العائلة الثرية بأخلاقه الراقية حين استقال، ونتذكر دماثة الرئيس هاشم الأتاسي عرّاب دستور 1930 الشبيه بدستور الجمهورية الفرنسية الثالثة حين غادر الرئاسة إلى موطنه في حمص مجنّباً البلاد صداماً مع انقلاب العسكر عليه عام 1951.

لم يبقَ من الجمهورية السورية سوى عَلَمَها الذي رفعته قوى الثورة بعد العام 2011، وحتى اليوم لا نزال ننتظر جلاء هذا النظام بما يمثله من استباحة للبلاد، واحتقار وإذلال للناس، فقط مقابل بقائه سرطاناً لا شفاء منه إلا بتدخل إلهي مباشر.



 العبور بين عتمتين


لا يقبل النظام السوري تاريخاً لسوريا بكيانها الجغرافي المعروف إلا مع تاريخ انقلاب البعث العسكري، ثم مع تاريخ انقلاب حافظ الأسد على البعث نفسه. يختار هذين الحدثين بدايةً لتاريخ  البلاد، ويعيد تزويرهما في المناهج المدرسية على هواه، وسيعيد تزوير تاريخ البلاد بعد العام 2011 على هواه أيضاً.

ولايتان رئاسيتان لبشار كانتا كفيلتين بنقل سوريا من عتمة إلى أخرى، وجمهوره الموالي إن استجمع قواه، سيتمكن فقط من كيل بعض الشتائم والسباب لحكومة "العرنوس" وسيحمّلها أوزار رداءة الحياة وجلدها لهم. لكنه سيتجاهل في آن أنَّ حكومتهم وأعضاء مجلس شعبهم هم مجرد موظفين برواتبَ شهرية، ينفذون بلا تلكؤ توجهات وسياسات مراكز النهب والفساد في أعلى هرم السلطة.      
      
إذ يكفي قبل عيدي الميلاد ورأس السنة التجوّل بين وجوه الناس في مناطق النظام، ومصافحة العتمة الملتصقة بها، وهزّها بقوّة لمعرفة مقدار جوعها، والتأكد من أنها وجوهٌ حيّة، وليست وجوهاً مستعارة من تمثيلية تلفزيونية اسمها "شعب بشار السعيد" وأنتجتها مديرية برامج التوعية والتوجيه السياسي القويم في إعلام النظام.

وجوهٌ ستنتقل بوداعة الحملان الطيّعة من عتمة العام 2021 وبرده، إلى عتمة العام 2022 وبرده أيضاً، معتقدةً أن "العرنوس" وحكومته هما السبب، وأن رائحة الحطب والأقمشة والأحذية البالية المحروقة في مدافئهم هي ذاتها رائحة المؤامرة الكونية التي زكمت أنوفهم، وأطلقتها مؤخراتهم منذ عشر سنوات.     

"سوريا للسوريين" لافتة قديمة 


سوريا شجرة مطفأة، فلا شجر ميلاد يضاء في عتمتها. ينتهي عام، ويبدأ آخر، ولا جديد في المدن المنهكة، المدن اليابسة فوق مستنقع الإسمنت البارد وذكريات ناسها الفارين من كتب الموت التي ألّفها النظام، ورددت مفرداتها آلاته العسكرية. ولا جديد في المدن التي لم تثر، سوى أن ناسها صاروا أقبح، وأنحل، وأكثر شحوباً من جلادهم، وكلما قلنا تحرّك الجنوب الدرزي كلما انتهت المسألة "بتبويس الشوارب واللحى" على طريقة خواتيم الخلافات في مسلسل "الخربة" الذي يحبون، وكأن دماً لم يرق، وكأن ناساً لم تذلّ، وكأن نظاماً لم يسترسل في تدبيج نفاقه المحلي والإقليمي والدولي على السواء.

عشر سنوات مرّت، ولم يمل الناس من ذُلّهم اليومي، ولم يمل النظام من إذلالهم. فسوريا لم تعد للسوريين، هكذا علينا أن نصحح بحفاوة وجرأة عبارةً قديمة كانت تجوب شوارع دمشق مطلع أربعينيات القرن الماضي تحمل كلمتين "سوريا للسوريين" مترجمةً إلى الفرنسية، والآن ومن دون ترجمة، أيُّ سوريا هي الموجودة، وأيُّ سوريين؟!   


التعليقات