رواية (المئذنة البيضاء): دمشق بين سرقة سجاد الأموي وفضاء الكراهية!

أورينت نت - أحمد صلال | 2021-12-28 06:00 بتوقيت دمشق

رواية المئذنة البيضاء
رواية المئذنة البيضاء
أصبحت إشكالية المدينة منذ اندلاع الثورة السورية، الشغل الشاغل للروائيين السوريين، حيث تعتمد على مقاربات العلوم الإنسانية والاجتماعية، فنجد رواية الحرب السورية، تتوزع بين (علم النفس الاجتماعي، وعلم العمران، الأنثروبولوجيا، السيموتيك، الجغرافيا…) ولكنها في الواقع تستبطن إشارات ورموزاً تتناول الواقع السوري تبعاً لانتماءات الكاتب وموقفه من المدينة وهويتها الديموغرافية.

وفي هذا الإطار يمكن التحدث عن المدينة في الرواية الأولى للصحافي السوري يعرب عيسى (المئذنة البيضاء)، هذه الرواية محاولة لإظهار دور المدن في وعينا ومخيلتنا وطموحنا والحنين وأسئلة الحياة الكبرى في معادلات الخير والشر والحياة والموت…ولكن قبل ذلك، لا بد من التساؤل هل نجح يعرب العيسى في معالجة الفضاء الجغرافي والاجتماعي في مدينة دمشق!؟

العنوان الترميزي والحكاية المثيرة!


إن عنوان (المئذنة البيضاء) يوجه قرّاء الرواية بشكل من الأشكال، وهو يوحي بمعان جديدة بمقدار ما تتوضح دلالات الرواية في سياق السرد. إذاً العنوان في رواية (المئذنة البيضاء) عنوان دلالي أو ترميزي يسعى لأن يكون المفتاح الذي به تحل الرواية الألغاز والأحداث، ويضبط إيقاع نسقها الدرامي.

في هذه الرواية يحكي يعرب عيسى قصة (مايك الشرقي) أو (غريب الحصو) الذي يصفه بالقول: "كان يشبه قدّيساً أو فيلسوفاً أكثر ما يشبه قوّاداً"، إنه عالم يتراوح بين التحقيق الصحفي الاستقصائي والسيرة، ويتراوح بين الواقع والمتخيل، بين الفلسفة والطرافة في ظل ملاحقته لشخصية مايك الشرقي.. حيث صبيحة يوم من أيام شمس آب الحارة وتحديداً في  26 / 1984 يغادر دمشق بحذاء مثقوب ويأس مطلق، حال الآلاف من العمال السوريين، في رحلة تلقي به في حواري وأزقة بيروت المشتعلة بالحرب الأهلية.

 المرة الأولى الذي رأى فيها (غريب الحصو) منظر الدولار حينما عمل ليوم واحدفي مدينة للملاهي هناك، بعدها انتقل ليصبح حارساً في كراج مؤلف من بنائين، أطاحت به قذائف المتحاربين في لبنان، وهنا تتشابك الأحداث حيث يعمل في فندق (مازا) للشيخ قسام الزهراني، الذي يجربه لمدة ثلاثة أشهر بمهن مختلفة وأجر زهيد. إحدى نوبات غضب الشيخ يجعل منه مشرفاً على العاملين والعاهرات والزبائن، يموت الشيخ على صدر إحدى العاهرات الصغيرات، وينتقل كل الفندق لملكية مايك الشرقي، الذي ينتقل بعدها في تدرجات صعوده من القاع إلى القمة في الثروة والنفوذ بين بيروت ودبي وقبرص. 
مع بدء الاحتجاجات في سوريا2011، يعود بقوة الحنين إلى مكانه الأمومي دمشق، المكان الذي لفظه بلا رحمة مصحوباً بحتوتة واستثمار المئذنة البيضاء وصنع إمبراطورية خاصة به.

أسئلة القراءة


عندما نتحدث عن المدينة في رواية (المئذنة البيضاء) نجد أن مثل إشكاليات هذه المواضيع المطروحة قد طرقت كثيراً، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر موضوعات: الثورة السورية والحرب التي يشنها النظام، والمرأة، والثورة، والمثقف والإيدلوجيا…لنفترض هنا أحقية المعالجة ولكن بحيل سردية أكثر قدرة على إحداث "فجوات تجديد" ما:



 "أحسن استثمار ثمن روحه، بعد أن باعها في أول الأمر للشيطان روحاً محمولة في عقل نشط" هنا يتصارع الخير والشر المجدولان سويةً على جدار الأبدية. ولكن المعالجة لم تأت بأي تجديد، بل جاءت تقليدية تقتصر على إسقاط الأحكام الجاهزة والخارجية وتنصب على الاستحسان أو الاستهجان. تغيب إحالة النص على الواقع المرجعي أو بالأحرى على خارج -النص (Hors-texte)، هذا قيد داخل النسيج الروائي يصبح ضرورة، ويمكن الجزم أن مثل هذه القراءات هي قراءات إيديولوجية محضة، لا أقل ولا أكثر، وإن كانت كل قراءة هي بالضرورة إيديولوجية، ولكن الاختلاف يقع في بنية النسيج السردي والقدرة على استعمال البناء السردي بشكل يحدث قطيعة مع السائد السردي.

دمشق بين "طفولة نهد" وسجاد الأموي!


ينهج السرد منهجاً نقدياً يعتمد على الدلالة والشعرية بغية الخروج عن السؤال الحداثي؟ من المسؤول عن الهزيمة السورية، الفرد السوري الذي لا يستطيع حياله العيسى سوى تقديم نماذج عن الخراب السوري، إحدى الدلالات المتجنية هي تحميل الفرد الذي خربه النظام مسؤولية مرواحة مدينة دمشق بين ديوان (طفولة نهد)، الذي يباع على مقربة من المسجد الأموي، وبين من يسرق سجاد الآموي:
"سمع الأذان من الجامع الأموي وهو في المسكية يتفحص دواوين شعر غزلي، مستغرباً وجود كتب كهذه بعد عشرة أمتار من المسجد الأموي"، ويكمل السرد في مكان آخر: "سينام حتى صلاة الصبح على السجاد الجديد الذي فرش به المسجد قبل أشهر بعد اختفاء السجاد القديم".

 هذه المقاربة الدلالية تنيط اللثام عن طرق ملتوية لإبعاد الإجابة على السؤال الحداثي بعد الثورة السورية، سؤال الهوية والدلالة، وسؤال الانتماء الطائفي الذي يبحث عن تناقضات في عقائد الآخرين! 

إن الموضوع كما يبدو الآن في سوريا، لا يبدو مفتوحاً للمغامرة والاجتهاد، فالنص اليوم يملي أسلوب طرحه وقراءته، ومن الواضح في معالجة فضاءات المدينة في هذه الرواية، أن دمشق اليوم هي مدينة اللا مكان واللا شرعية يحتلها فضاء إرهابي يديره فكر طائفي ضيق، مليء بالموت والحقد والكراهية والخيبة والضياع والإقصاء، يقول العيسى في نصه:
"بغتةً صارت اللحظة مواتية. المدينة التي رفسته بكل قوتها، ترفس نفسها الآن. ومن الممتع مشاهدتها وهي تكلم عينها اليسرى بعينها اليمنى، وتضرب قصبة ساقها اليمنى بباطن قدمها اليسرى".

هل دمشق هي من تفعل هذا بنفسها.. أم السلطة الطائفية المتوحشة التي استباحت جمال المدينة وحولتها إلى واحدة من أسوأ مدن العالم للمعيشة بعد نصف قرن من حكمها بقوة أجهزة الأمن والمخابرات؟ 

الواضح أن الشرعية السياسية والثورية من حيث الخطاب الروائي، مستبعدة نضال المدينة ضد آلة حرب النظام الموغل في الوحشية، فقط على بضعة كيلو مترات من باب شرقي الهادئ نسبياً نجد الريف الدمشقي الملتهب ضد النظام، هل يجهل الكاتب هذه المناطق التي خارج سور مدينة وهو الذي عاش فيها لعقود أربعة! 

يبدو الخطاب الأيديولوجي مرتكباً عن وعي،  وبالرجوع إلى الدلالات والرموز والإشارات التي يتركها النص مفتوحة للناقد؛ نقرأ: "المدينة التي تهشم نفسها (من خلاف)، تعيش الآن مشهداً يستحق الشماتة". هنا تدلل بما لا يحمل مجالاً للشك، عن محاولة فاشلة للقفز على الحبال. الكاتب الذي نزح إلى دمشق، جعل من الخطاب الأيديولوجي فضاء لإضفاء لمسة من التحضر المفرط لشخصيات تشبهه، وقد عمد إلى ترغيب القراء بفضاءات يصعد فيها أناس من القاع ليتبوؤا قمة موبوءة. لكن هذا الصعود ليس دلالة تطور درامي بالضرورة؛ إذ لا تتطور الشخصيات في رواية (المئذنةالبيضاء) ولا تتجاوب في بنيتها النفسية مع الأحداث الراهنة.

سرد لا يلامس جوهر الحقيقة! 


تتحول المدينة خلال سرد رواية (المئذنة البيضاء) ليعرب عيسى إلى سرد عشوائي لا يلامس جوهر الحقيقة، إن صح التعبير. أي لا يلامس حاضر دمشق الذي "تلوث" بفعل تشكل بنية سياسية طائفية. الكاتب هنا لا يرصد كيف تم التلويث وعلى من تقع على عاتقه مسؤولية التلوث، ولا شيء يذكر عن التحولات الهامة في حياة المدينة العمومية والانتهاكات التي مورست بحقها من قبل سلطة قهرية غاشمة. والحقيقة أن دمشق أصابها زالزال منذ عقود طويلة لا تزال ارتداداته متوالية، وتحديداً منذ عام 1963 حيث وصل ضباط طائفيون للحكم في دمشق الأموية، حاملين سمات الرعاع بالمعنى القيمي، ربما حقيقة الحقيقة تكمن هنا؛ هنا الآن.

دمشق؛ لم يبق أحد من أهلها كما كان، فقد اتسع زلزالها على المدى البعيد. ويبدو أن هذا الزلازال قد أصاب كل دمشق وسكانها ما عدا النازحين إليها من الريف أو المدن المهمشة، ربما بارتكاب واع، حلت دمشق جديدة محل دمشق القديمة، لعبة الكراسي الموسيقية، التي لعبها النظام لكي يزلزل تاريخ مدينة، وهو تاريخ يبقى عصياً على التدمير.

إن ما يعطي لرواية الحرب السورية، قيمتها، هو ما يجعل الفضاء الروائي غنياً وضاغطاً على شرايين السرد؛ هوالروائح الكريهة طائفياً، وأصوات قذائف وأسلحة النظام الفتاكة، وحتى المحرمة منها دولياً، وأصوات النازحين، الذين لم يتخيلوا من قبل أن يصبح للنزوح طعم "كريه" على هذا النحو يشبه مرارة الاقتلاع. ومن هنا يصبح خراب المدينة؛ فروعاً أمنية وحواجز، وفرقة رابعة تنفذ كل أنواع الهمجية التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، وليس الذين يسرقون سجاد الجامع الأموي على بعد أمتار من بساطات بيع ديوان (طفولة نهد)، هنا تكمن المفارقة التجسدية لا العكس. الحلم بالحب أطاح به سفاحو الجبال السورية، الذين سرقوا الحلم من حالمي دمشق أمثال: نزار قباني وصادق جلال العظم وإلياس مرقص…وبات أقصى الحلم سرقة جساد الجامع الأموي، المجرم هنا بالضرورة هو سارق المسجد الأموي، وليس الفقير الذي يسرق سجاده.

فضاء الأمومة وفضاء الغيرية


أصبحت مدينة دمشق مرعبة أكثر من ذي قبل، يمكن تقسيم فضاءاتها إلى فضاء الأمومة/الهوية وفضاء الغيرية. فضاء الأمومة/الهوية؛ حيث سنوات الحلم السوري بالماضي والحاضر، هذا الفضاء الحالم. والغيرية؛"تمام الزمان يعود الغريب إلى طرقات المدينة تلك، يعود إلى الشام، فتصفه لعودته المنتصرة تلك".

هؤلاء هم الذين لوثوا فضاء دمشق الحالم بالكراهية، هم الحكام وليسوا من أهلها، يعثيون فيها دماراً وفساداً وقتلاً، إنه"الجدار العلوي"، لمغتصبي السلطة بلا أصل أو تاريخ.  سقط جدار برلين ولكن جدران الكراهية التي طوقت دمشق لم تسقط، وكان على يعرب بعيسى أن يحاول أن يفتت هذا الجدار العلوي بدل محاولة القفز من فوقه. 

وأمام هذا الفضاء أصاب التراتبية الجمعية للمدينة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وهنا بدل الشعور بحب الفضاء/topophilie، الذي استعمله الكاتب هنا بشكل غير ناجع، يفترض عدم تجاهل النتاج المرتبط برهاب الفضاء/Agoraphopie. الذي يدفعنا للتأز وتحطيم الذات التي هي جزء أصيل من الفضاءات المختلفة وبالأخص في المدينة.. حيث مكان تجار دمشق ومثقفيها ورجال دينها وقلعتها ومسجدها الأموي، كل ذلك حل محله، سماسرة ومهرجو الصحف الحزبية ومخبرو الفروع الأمنية هؤلاء الذين يشغلون دمشق عن أماكنها التاريخية ويختلقون فضاء لملاه ليلية من دعارة ومجون. هكذا تبدو المعادلة الحقيقية التي لن يقبل أن يتم الالتفاف عليها.

يمكن القول بعد424 صفحة مع رواية (المئذنة البيضاء) أن هذا النص غير جدير أن يكون نصاً عن مدينة لا تقبل. فهو نص روائي مليء بالطرق الملتوية ونقص الأساليب والحيل الجمالية، باعتبارها فضاءاً مسروقاً من نظام لا يقوى المثقف فيه على إزعاج السلطات الحاكمة. إنها وبكل استحقاق رواية سيرة للجبن وتزوير ذاتي يقسو على  دمشق وكارثة أهلها ومصابهم في زمن القبح والديكتاتورية، ويحمّل الضحية وزر إجرام الجلاد والمغتصب.

 دمشق هنا  لا تقبل لغة الانجذاب والنفور التي تتحول إلى كره شديد في غياب خياراتها الحرة، فمن يجب أن نبحث عنهم مروا من هنا، حيث دمشق الأموية بقلعتها ومسجدها الأموي القديم قدم حواريها وأزقتها، هنا مر العظماء الذين فهموا سر هذه المدينة. المدينة الحزينة الآن حكمها اغتصب من أهلها، ليقيم الرعاع جدار الكراهية والاستيطان،  ويحبسوا أهلها أو يغتصبوا كل ما كانوا يملكونه. حتى المئذنة البيضاء التي لن تدرك هذه الرواية معناها الحقيقي وهي تسخر وتغمز وتلمز من رواية نزول السيد المسيح على المئذنة البيضاء في دمشق آخر الزمان ليخلص الناس من الشرور. لن يعرف سرها سوى أهل الشام.

التعليقات