لماذا تريد روسيا تحديد موعد انسحاب أمريكا وتركيا وإيران من سوريا؟!

أورينت نت-عقيل حسين | 2021-12-26 12:32 بتوقيت دمشق

لماذا تريد روسيا تحديد موعد انسحاب أمريكا وتركيا وإيران من سوريا؟!
كان لافتاً التركيز الروسي الكبير على الجولة الأخيرة من اجتماعات دول مسار أستانة، التي عقدت الأسبوع الماضي، حيث كثفت موسكو دعايتها الإعلامية بشكل ملحوظ باتجاه إظهار (إنجازات) يحققها هذا المسار بشكل عام، والجولة الأخيرة منه بشكل خاص.

ورغم أن الجولة لم تخرج بأي جديد، بل يمكن القول إنها كانت الأقل أهمية بين الجولات السبع عشرة التي عقدت حتى الآن منذ إطلاق هذا المسار قبل خمس سنوات، إلا أن روسيا جهدت لتصوير أن هناك ثمرات خرج بها اللقاء الذي جمع الدول الضامنة الثلاث، روسيا وإيران وتركيا، بالإضافة إلى العراق والأردن ولبنان، الدول التي تحضر بصفة مراقب، الأمر الذي يطرح تساؤلات كبيرة حول الأهداف الروسية من التضخيم المتعمد لما أسفرت عنه اجتماعات أستانة، وتركيزها المتجدد على ضرورة انسحاب القوات المعادية للنظام من سوريا.


تصريحات لافرنتييف



في ظهوره الأخير ببرنامج "نيوزميكر" الذي تبثه قناة روسيا اليوم، تحدث المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرينتيف، بإسهاب وتركيز أيضاً، حول نقاط عدة تصب جميعها بإطار التشجيع على ضخ أموال إعادة الإعمار في سوريا، إلا أن اللافت بشدة هو حديثه عن انسحاب القوات الأمريكية والتركية والإيرانية.



لافرنتييف جدد في اللقاء دعوة المجتمع الدولي لتشجيع إعادة الإعمار في سوريا، وقال: إن عواصم أوروبية غربية "وعدتنا" بتدفق المساعدات إلى سوريا بعد الاجتماع القادم للجنة الدستورية السورية، مدعياً أن "الأوروبيين باتوا يدركون أن ما يمكن عمله من أجل قضية المهاجرين، يشمل المساعدات لإعادة إعمار  سوريا".

وأضاف: "نعارض العمليات العسكرية التركية ضد قوات سوريا الديمقراطية، رغم أنه  ما يزال الأكراد للأسف يعولون على تأييد واشنطن، وهذا يحول أحياناً دون اتخاذهم قرارات سياسية ناضجة، أما  الأمريكيون فيعتزمون البقاء في سوريا حتى الآن، ويقولون ذلك بشكل صريح، لكنهم سيخرجون من سوريا عاجلاً أم آجلاً".



وهنا يكمن الجزء الأكثر إثارة للجدل في تصريحات المبعوث الروسي كانت لدى حديثه عن مستقبل القوات الأجنبية الموجودة في سوريا، حيث كان واضحاً تهجمه على الوجود التركي والأمريكي، مقابل تبرير الوجود الإيراني.

وبهذا الصدد قال لافرنتييف" تركيا تؤكد لنا أن جنودها في سوريا سينسحبون مع الزمن، وأن وجودهم الآن يسهم في استقرار الأوضاع هناك، لذلك ندعو زملاءنا الأتراك للعمل معاً كي لا تصدر أي تهديدات من منطقة إدلب، التي لا يمكن أن تبقى منطقة للنشاط الإرهابي.

أما فيما يخص القوات العسكرية الإيرانية التي تنتشر في سوريا، فقد كرر المسؤول الروسي أن وجود هذه القوات جاء بطلب من "الحكومة السورية الشرعية" مدعياً أن إيران ستسحب قواتها "عندما ينتهي التهديد على الأمن الوطني في سوريا" ولذلك فقد انتقد مجدداً الضربات التي تشنها إسرائيل على هذه القوات، واعتبر أن هذا "عملاً غير مقبول" لأنه يلحق الضرر أيضاً بجيش النظام.

تغطية على الفشل




وبينما لم تكلف الولايات المتحدة نفسها عناء التعليق على هذه التصريحات، حول وجود أو انسحاب قواتها من سوريا، وفي الوقت الذي لم يكن منتظراً فيه من إيران أي تعقيب، خاصة وأن لافرنتيف كان يدافع عنها، وجدت تركيا نفسها مضطرة للتوضيح فيما يخص مستقبل وجودها العسكري في جارتها الجنوبية.

لكن التوضيح التركي جاء أيضاً عن طريق قناة غير رسمية، ومن خلال مصدر صحفي، ما يشير حسب العديد من المحللين، إلى عدم اكتراث الأتراك، مثلهم مثل الأمريكان أيضاً، بهذه التصريحات الروسية "التي تهدف بالدرجة الأولى إلى إظهار أن مسار أستانة يلعب دوراً فعالاً في المسألة السورية".

وبهذا الصدد يقول الباحث في مركز جسور وائل علوان: إن هذه التصريحات الروسية تأتي عقب الجولة الأخيرة من اجتماعات أستانة التي لم يكن فيها أي شيء يذكر، وكان واضحاً أن الهدف منها هو الإبقاء على هذا المسار حياً، وخلق فرصة غير مؤكدة لاستئناف أعمال اللجنة الدستورية.

وحول ما إذا كان لدى روسيا ما تعوّل عليها من وراء التركيز على قضية الانسحاب العسكري للدول المعادية للنظام من سوريا، يقول علوان لـ"أورينت نت": ليس لدى أحد في العالم اليوم ما يقدمه للملف السوري، والمجتمع الدولي لا يتعاطى مع الملف كأولوية، وهو أمر يزعج موسكو بكل تأكيد، لأنها تسعى جاهدة لكي تحقق تفاعلاً دولياً مع توجهاتها للحل، بما في ذلك ضمان تدفق أموال المساعدات وإعادة الإعمار لكن من دون أن يقدم حليفها النظام أي تنازلات، وهذه مقاربة لا تقبل بها الأطراف الأخرى بطبيعة الحال، ولذلك تجد أن موسكو تحاول تعليق فشل المسار السياسي الذي تطرحه على الأطراف الخارجية الأخرى، وتحاول في الوقت نفسه إظهار أن نجاح هذا المسار سيتحقق بمجرد خروج هذه الأطراف من التأثير، دون أن تقر بمسؤولياتها ومسؤوليات حليفها النظام عن إفشال كل جهود التسوية الدبلوماسية  على مختلف المسارات.





تكرار ممل


التأكيد على عدم تقديم موسكو أي جديد في تصريحات مبعوثها الأخيرة، أمر يتفق فيه أيضاً مع علوان، الخبير في الشؤون التركية عمر كوش، الذي يرى أن روسيا تحاول مجدداً الهروب من مأزقها في عدم التمكن من تحقيق أي إنجاز سياسي في الملف السوري، وذلك بإثارة قضايا وتفاصيل يعرف الكل المواقف منها مسبقاً، وفي مقدمة ذلك قضية الوجود العسكري للدول الأخرى في سوريا.

ويضيف في تعليقه لـ"أورينت نت": كما إن التصريح الروسي لا يحمل جديداً، بل يأتي في سياق منسجم والموقف الروسي المعروف، فإن الرد التركي جاء في إطار التأكيد على الموقف التركي الثابت بهذا الخصوص أيضاً، حيث جدد التأكيد على أربعة شروط للانسحاب العسكري التركي من سوريا، وهي:
انسحاب جيوش بقية الدول، والتوصل إلى حل سياسي شامل للمسألة السورية، والتوافق على دستور يقبل به الجميع، وتأسيس نظام سياسي يمثل كل السوريين.


وحول ما إذا كان هذا الرد التركي يعبر عن تخوف أنقرة من أن تكون قواتها هي الحلقة الأضعف من وجهة نظر موسكو الباحثة عن أي إنجاز، وبالتالي وضعها تحت الضغط، مقابل الحفاظ على موقفها المؤيد للوجود العسكري الإيراني في سوريا، قال كوش: أنقرة ردت بشكل غير رسمي وعلى مستوى منخفض جداً، ما يشير إلى أنها لا تعير كثير أهمية لما قاله المبعوث الروسي بهذا الخصوص، والجميع يعلم أن الموقف التركي العسكري يهتم بالدرجة الأولى بمنع نشوء أي تهديد لأمنها القومي في شمال سوريا، وخاصة من خلال حزب الاتحاد المصنف على قوائم الإرهاب التركية.


من فشل إلى فشل تنتقل عربة روسيا في الوحل السوري، الذي يبدو أنه يصبح أكثر لزوجة على إطارات هذه العربة التي يبحث قادتها عن مخارج مهما كانت ضيقة، بما في ذلك التهرب من مسؤوليات الضغط على النظام وتحميله مسؤوليات فشل المسارات الديبلوماسية، بتحميل القوى الأخرى الموجودة على الأرض مسؤولية انسداد الأفق السوري، الأمر الذي تحول أكثر فأكثر إلى لحن مكرر لم يعد يثير انتباه أحد، حسب أغلب المحللين.

التعليقات