نظام أسد يفخخ ما تبقى من الاقتصاد السوري بـ"السورية للتجارة"

أورينت نت - منصور حسين | 2021-12-25 06:00 بتوقيت دمشق

إحدى صالات السورية للتجارة
إحدى صالات السورية للتجارة
دخلت المؤسسة السورية للتجارة لاعباً إضافياً في السوق المحلية خلال الأشهر القليلة الماضية، ما يهدد الآلاف من تجار التجزئة في مصدر رزقهم، دون أن ينعكس ذلك على المواطن العادي الذي سيكون أكبر المتضررين بتغير المهام التي أنشئت هذه المؤسسة من أجلها بالأصل.

ومع تواتر الأنباء عن نية نظام أسد رفع الدعم الحكومي عن المواد والسلع المدعومة التي تقدم من خلال المؤسسة العامة للتجارة، تزايدت مخاوف التجار من تحولها إلى مؤسسة ربحية، ما يهدد أعمالهم بسبب قدرتها في الهيمنة على سوق السلع الأساسية.

وشهدت الأسابيع القليلة الماضية العديد من القرارات والإجراءات التي ساهمت في تأكيد الشائعات عن خطة إزالة الدعم، أبرزها رفع تسعيرة حوامل الطاقة والمحروقات، وإلغاء معظم المواد من البطاقة الذكية، فضلاً عن توسع دائرة المواد التي تباع بسعر التكلفة، كما يسميها النظام، وهو ما يعتبره الكثيرون بديلاً عن برنامج الدعم الحكومي.

وكان مدير عام المؤسسة السورية للمخابز مؤيد الرفاعي، قد أكد وجود دراسة لبيع الخبز بسعر التكلفة لمن لا تكفيه مخصصاته، حيث يبلغ سعر ربطة الخبز المكونة من ثمانية أرغفة 1300 ليرة. إضافة إلى صدور قرار بزيادة المخصصات المسموح بشرائها من البنزين بسعر التكلفة أيضاً (2500 ليرة ).

هيمنة السورية للتجارة


توجه يكشف بكل وضوح عن رغبة النظام في الهيمنة على المزيد من القطاعات الاقتصادية التي ماتزال خارج قبضته، سواء المباشرة أو عبر وكلائه وأزلامه من الاقتصاديين، إذ إن توقف المؤسسة السورية للتجارة عن القيام بدور تأمين المواد المدعومة وتحولها للتجارة بهذه المواد، مع ما تتمتع به من ميزات وإمكانات سيقضي على فرص عمل الآلاف.



وفي هذا الإطار، يشير "أبو أحمد" وهو تاجر تجزئة في حلب إلى نقطتين أساسيتين تثيران مخاوف التجار، الأولى "سيطرة المؤسسة السورية للتجارة على السوق المحلية"، والثانية "تصفية ماتبقى من القدرة الشرائية للسكان"، خاصة بعد قرار رفع أسعار حوامل الطاقة التي أثرت على القطاع الخاص.

ويشرح "أبو أحمد" في حديثه لـ"أورينت": تسيطر المؤسسة السورية للتجارة على سوق الاستيراد بشكل كامل، كما أنها تتحكم بأنواع المواد التي يتم توريدها وما يتم تصديره، فضلاً عن كونها المصدر الرئيسي للعديد من السلع، في حين يحصل تجار التجزئة على هذه السلع بعد إضافة كامل التكاليف وفرق سعر تصريف العملة وفق السوق السوداء، مايجعل من التنافس معها شبه مستحيل".

ويقول: تحولت صالات المؤسسة السورية إلى مراكز تسوق تقليدية منذ أشهر، إلا أنها ظلت محكومة بصفتها الرسمية كمصدر للبضائع المدعومة فقط، حيث تغيب عن صالاتها الكثير من المواد، لكن تحرير الأسعار رسمياً من شأنه تحويل هذه الصالات إلى مولات ومراكز بيع أشبه بالقطاع الخاص، مايعني سيطرتها على السوق بشكل كامل، مستفيدة من الميزات الواسعة التي تتمتع بها كمؤسسة حكومية، وكذلك قدرتها على توفير المواد واحتكارها، وهذا ماحصل فعلاً خلال أزمة زيت الطعام.

ويضيف: كنتيجة حتمية لهذه الخطوة، فإن الأسعار ستتضاعف على الأقل بنسبة 200 في المئة عن سعرها الحالي، وهذا الأمر قد بدأ فعلاً بالنسبة إلى الكثير من البضائع، مايعني المزيد من التقشف مع تآكل القدرة الشرائية وخروج آلاف المستهلكين من السوق، باعتبار أن غالبيتهم من الطبقة الفقيرة، عمالا وموظفين أو عاطلين يعيشون على ما يرسله أقاربهم من المهجر.

صراع تتكشف أبعاده


هذه المخاوف، تعيد الحديث عن الصراع الذي طفا إلى العلن مؤخراً بين وزارة التجارة الداخلية وغرفة تجارة دمشق، بعد تصريحات "ياسر كريم عضو غرفة تجارة دمشق عن احتكار شخصيتين رئيسيتين استيراد زيت الطعام، وماتلاه من تبادل للتهم والتصريحات بين الوزارة والتجار، قبل أن تطوى صفحة الخلاف بتدخل من قبل أسماء الأسد شخصياً، بحسب مصادر في المعارضة.

ويرى الخبير الاقتصادي (يحيى السيد عمر) في حديثه لـ"أورينت"، أن وزارة التجارة الداخلية أثبتت عبر مؤسساتها فشلاً تاماً في تحقيق أيٍ من أهدافها المعلنة، فلم تتمكن من ضبط السوق أو توفير المواد الأساسية إلا في حدودها الدنيا، كما أن تكاليف المواد التي توفرها تعدّ مرتفعة، خاصة تكاليف البطاقة الذكية والتي تدار من قبل شركة تكامل ذات الصلة مع أسماء الأسد.

ويقول أيضاً: شعار التدخل الإيجابي الذي رفعته الوزارة لم يتم تطبيقه على أرض الواقع، فغالبية السلع المعروضة في صالات السورية للتجارة تقترب من أسعار السوق، وهي تسبب أحياناً، من خلال سياساتها، عرقلة لحركة الأسواق، عبر تعاقدها مع تجار محددين للاستيراد وفرض عقبات على آخرين، وهو ما يسبب أزمات إضافية في مجال انسياب السلع، فالوزارة تتسبب بشكل غير مباشر في الإخفاقات التي تعاني منها السوق السورية.

وكان مجلس محافظة دمشق قد صادر على توصية تقدم بها تجار المدينة، لطرح صالات المؤسسة السورية للاستثمار واقتصار دورها على بيع المواد المدعومة، قبل أن يُعلق هذا الملف ويُمنع من التداول تحت قبة برلمان النظام.

تقييد الحركة الاقتصادية أكثر !


يشير السيد عمر إلى أن "نظام أسد قد يتجه فعلاً نحو المزيد من الصرامة في حركة الاقتصاد، كونها تتيح مجالاً أوسع لفئات محددة يقررها هو للاستفادة على حساب الشريحة الأوسع من المجتمع، رغم أنها تكـبّل الاقتصاد السوري المتعثر أساساً، والذي يحتاج إلى نظام اقتصادي مرن، بينما يجب فرض الليبرالية المنضبطة مع سياسة دعم اجتماعي حقيقية.

ويؤكد أن "المؤسسات الرسمية غير قادرة على فرض نظام اقتصادي واضح المعالم، ففرض هكذا أمر يحتاج لسلطة قوية، لا سيما على كبار التجار، الذين يتحكمون بالاقتصاد السوري، وهو ما ليس متوفراً للدولة، ويسبب هذا الأمر ضبابية في المنهج الاقتصادي، فحالياً لا يمكن الوقوف على هوية واضحة للاقتصاد السوري المشتت بين التوجهات الاقتصادية لأمراء الحرب.

وبالمجمل ينحو النظام إلى خلق سوق سوداء خاصة بالمواد والخدمات التي كانت تدعمها الدولة، من خلال رفع هذا الدعم وتقديم وعود بتعويض ذلك بزيادة الرواتب وتوفير كل السلع في صالات مؤسسة التجارة الحكومية.

فيما تمهد القرارات الأخيرة لهذا السوق، الذي سيقضي على فرص المنافسة مع القطاع الخاص الذي يمثله تجار التجزئة والسماسرة والباعة المباشرون، الأمر الذي سيؤدي أيضاً إلى خسارة الآلاف لمصدر عيشهم، دون أن يعني ذلك أي انعكاسات إيجابية على صعيد خفض الأسعار أو توفير المواد.

التعليقات