32 عاما على غيابه: غالب هلسا.. رحيل الطفل العاشق!

د. أحمد برقاوي | 2021-12-20 13:46 بتوقيت دمشق

غالب هلسا
غالب هلسا
كان غالب هلسا روائياً كبيراً، وسياسياً بسيطاً، وشيوعياً صادقاً، وكان يحب الحياة لكنه كان يحبها وفق طاقته المادية البسيطة، وفي كل أحواله لم يغادره الطفل الذي يعيش في داخله. ذكرياتنا مع غالب كثيرة. لا يمكن إيرادها في هذه العجالة. 

نظمت مجلة (النهج) أثناء البرسترويكا في أيامها الأولى ندوة بعنوان البرسترويكا عربيا وكنت واحدا من المحاضرين وضمت الندوة عددا كثيرا من مثقفي اليسار أذكر منهم:


غالب هلسا، عبد الرزاق عيد، فيصل دراج، عصام الزعيم، ماهر الشريف، نجاة قصاب حسن، وعدداً من الشيوعيين السوريين البكداشيين والفيصليين وآخرين من يساريي مصر ولبنان... وكان أغلبنا مع البريسترويكا باستثناء غالب هلسا والبكداشيين، بل كان غالب غاضبا منها، كنا نعتقد نحن الذين حبذنا البرسترويكا بأنها تجديد للماركسية والنظام الاشتراكي آنذاك، ومحاولة في الدمقرطة. فيما كان المناهضون لها يعتبرونها ردة عن الشيوعية والماركسية.لم يخطر على بال الطرفين أن التجربة كلها ستصير في خبر كان. وظل غالب حتى أيامه الأخيرة ماركسياً أرثوذكسياً.

رن جرس الهاتف في البيت وكانت الرابعة عصرا ،إنه غالب هلسا،أهلا غالب ،أريدك ضروري ضروي يا أحمد وأنتظرك في مقهى  الهافانا ،خير أجبته ماالأمر الضروري الآن؟

عندما نلتقي سأحدثك عنه ،أجاب .كان غالب يمر بأزمة ،فهرعت إليه على عجل. خير يا غالب؟

كل خير ، أريدك أن تشرح لي فلسفة كانط ،قالها بكل جدية. هكذا كان هذا الروائي الكبير يتصرف كالطفل.

كان غالب يمر بأزمة نفسية شديدة، مرتبطة بتجربة عشق صبية تصغره بكثير، لكنه كان يعتقد كما قال لنا بأنه قوي كجده الذي عمر طويلاً، وقد دعوته  هو وجهاد صالح لتناول اللحم المشوي عند أبو حشيش في مخيم اليرموك. ومطعم وملحمة أبو حشيش، لمن لا يعلم، أهم من يبيع اللحم ويقدمه. وكان غالب مثلي يحب أكل اللحم. فصار كلما عنّ على باله أكل اللحم يتمنى أن يأكله في ملحمة أبو حشيش في المخيم.
 حين دخل المشفى دخلها كطفل اعتقاداً منه بأنه يتألم من القولون، وحين زرناه في مشفى الأسدي لم يكن يبدو عليه ما يقلق، في أحد المساءات مر الطبيب المناوب ونظر إليه وسأله عن حاله، فأجابته الممرضة بأنه يعاني من تشنج قولون، فقام بفحصة وقال: انقلوا هذا الشخص إلى العناية المشددة، لدية جلطة قلبية لم يكن يعلم أنها آلام جلطة قلبية وحين اكتشف الطبيب بأنها جلطة كان الوقت متأخرا وفارق الحياة في مثل هذا اليوم. 

خرج من الأردن شابا صغيرا للدراسة في بيروت ،ثم انتقل إلى بغداد ومن بغداد إلى القاهرة ثم أبعد إلى بيروت ،عاش الحرب بكل تفاصيلها وخرج مع المقاتلين إلى عدن  ومن عدن إلى برلين ومن برلين إلى دمشق ولم يعد إلى عمان إلا في نعش. وذلك في ١٨ /١٢ /١٩٨٩.

التعليقات