ماهر شرف الدين في (قبور صغيرة): شاعر البلاد المنكوبة يهجو الشعراء القتلة

محمد منصور 2021-12-18 06:10:00

ماهر شرف الدين: صرامة الموقف الوطني والأخلاقي من الثورة
ماهر شرف الدين: صرامة الموقف الوطني والأخلاقي من الثورة

بعد أربع سنوات على صدور ديوانه الشعري الأخير (السوريون شجر) الصادر عام 2017، يصدر الشاعر ماهر شرف الدين ديوانه الجديد (قبور صغيرة) عن دار (منشورات ماهر شرف الدين) لينضم إلى أديبين سوريين أسسا داريْ نشر تحمل اسميهما بالصيغة نفسها: نزار قباني وغادة السمان. 

اثنتا عشرة قصيدة ضمها هذا الديوان الصغير الصادر بـ (105) صفحات من القطع الوسط، حاملا الرقم ثمانية في قائمة إصداراته الشعرية، التي بدأها عام 1999 بديوانه الأول (الرسام).. لكن هذه الجرعة المكثفة من الشعر ربما تبدو قادرة على أن تأخذنا إلى عوالم ماهر شرف الدين الشعرية الشديدة الوقع والأثر، وخصوصا حين يصب زيت الشعر المقدس على نار المأساة السورية فتشتعل القصيدة، لتكون صرخة احتجاج وشاهد إثبات وإدانة، لا بلسماً يداوي الجراح. 

الشاعر المنتمي

منذ الإهداء يبدو ماهر شرف الدين مدهشاً وصادقاً وجارحاً. إنه الصدق الفني الذي يرقى بالصورة الشعرية إلى منزلة الحقيقة.. فمن ذا يستطيع أن يكذب شاعراً يقول في إهداء ديوانه:

 "إلى خيمة النايلون التي حاولت كل ما بوسعها"

 أي وكالة أنباء أو سيلة إعلام أو شاهد عيان، أو بوق من أبواق الطغاة أو القتلة، يستطيع أن ينكر هذه الصورة؟ صورة الخيمة التي حاولت أن تحمي نزلاءها من برد الشتاء، أو بلل المطر، أو من شراسة العاصفة، أو حر الصيف، أو قصف أو غارة أو قذيفة.. أو... أو..؟ ما أوسع دلالات الصورة الشعرية وتأويلاتها حين تمسك بجوهر الحقيقة.

تتمحور قصائد الديوان كلها حول المأساة السورية والحرب التي شنها نظام الأسد وحلفاؤه والعالم الصامت المتواطئ معه، على السوريين الذين خرجوا ليطالبوا بالحرية والكرامة قبل عقد من الزمن.. والشاعر واحد منهم دون شك. ولهذا لا توجد مسافة تفصل بينه وبين جميع الضحايا من السوريين الذين شردوا وقتلوا وسكنوا الخيام.. والكتابة عن هؤلاء لا تتخذ سمة التعاطف أو التأثر.. بل سمة الانتماء. ومن موقع المنتمي، يكتب ماهر شرف الدين عن العجز، وعن تأنيب الضمير، وعن عجز الصراخ والدموع والشبابيك المكسورة وصور الأمهات والطائرات الورقية في مواجهة طائرات السوخوي، أو في ردع القتلة.

عجز الواقع وفاعلية الشعر

هكذا تعلن القصيدة اليأس والعجز. لكن من قلب هذا اليأس الواقعي، ينهض الفعل الشعري النبيل. فعل الشهادة النبيلة على هزيمة الذات العاجزة، عن إنقاذ من ترى في موتهم وتشردهم وجوعهم جريمة،  فعل الشهادة على القتلة وعلى الشعراء القتلة الذين باركوا المذبحة. الشهادة التي تكتب بأناقة تراجيدية بالغة، لترسم صوراً استثنائية في صياغتها لجوهر الإشكال الإنساني والشعري معاً.. 

نحن شعراء

هذه البلاد المنكوبة

منَعَنَا العجز عن

فعل ِ شيء ٍ مفيد

للضحايا العزل

فرحنا نعدهم واحداً تلو الآخر

كما يعدُّ مؤرَّقٌ

الخراف كي ينام. 

تبدو قصيدة ماهر شرف الدين متأثرة إلى حد ما بقصيدة محمد الماغوط في بنيتها القائمة على المفارقة، وعلى اللقطة المستقاة من تفكيك معطيات اللامنطق الذي نحياه، من أجل إعادة تركيبه أو ترتيبه وفق منطق شعري يعرّيه.. اللقطة المقبوسة كالجمرة من أقاصي ذرى الخيال. لكن هذا التأثر لا ينتقص من قيمة ماهر شرف الدين الشعرية.. لأن قصيدة الماغوط ليس شكلا يُقلد، أو مفردات تستنسخ بل حالة تعاش بخصوصيتها، وهي تكشف مهارة الكاتب ومدى تمكنه من أدواته من أجل أن ينتج حالته الذاتية. ولا شك أن ماهر شرف الدين ينتج هذه الحالة بخصوصية بالغة التميز. يكتب قصائده على شكل مفارقات احتجاجية عميقة ضد ما يرتكب بحق السوريين، لكن الاحتجاج لا يتخذ لغة الصراخ بل شكل الهمس.. الهمس الهادئ في حضرة الموت والجريمة يبدو أبلغ وقعاً في تعرية ما يجري.. ثمة مهارة عالية في الوصف المشهدي الماكر الذي يكشف فداحة ما جرى، ويطلق خيال القارئ ليستحضر المشهد في سياقه الطويل قبل أن نصل إلى مشارف القصيدة كما نرى في  (قبور صغيرة) التي أدرك الشاعر إحساسه العالي حين يجعل منها عنوان الديوان كله: 

لم يتعب حفار القبور 

في حفر تلك القبور الصغيرة لأجساد الأطفال

ضربتا معولٍ وحفنتا تراب 

 كأنها مشاتل للورد.

ثنائية الطفولة والموت!

الموت والطفولة يحضران في ديوان (قبور صغيرة) كجناحين تحلق بهما المأساة السورية كما يصوغها الشاعر هنا. (القبور، الضمادات، الأكفان، المجازر، الأطفال الموتى، الألعاب المكسرة) مفردات يصوغ منها الشاعر عالمه المليء بمفارقات مرة، حين يتم تحويل مفردات الحياة إلى مفردات للموت.. ويصبح على الشاعر أن يقتفي أثر الموت في شاهدة القبر وأكفان الشهداء كي يتحدث عن الحياة..  يشحن مفرداته بطاقة شعرية كي يجعل من ثنائية الموت والطفولة – رغم تضادهما – مستسلمتان لبعضهما.. فيغدو الموت طفولياً، وتغدو الطفولة موتاً، ويغدو هذا الاستسلام تعبيراً عن غياب الضمير الإنساني، الذي دفع الطفولة لأن تتغطى بأردية الموت في رحم القصيدة.  

  خلف تلك المفارقات الصغيرة والهادئة ينثر ماهر شرف الدين ألبوماً من الصور الشعرية التي لا تبهت ألوانها، ولا تضيع ملامح المأساة في تفاصيلها، وكأن الشاعر قد رسمها بمشرط جراح، لا ريشة رسام أو قلم شاعر. مزيج مذهل من القسوة والرقة، من التبصر الواقعي والتوق الشعري والخيال الأسود.. من الصدق الموضوعي والصدق الفني.. مزيج يهز القارئ في الأعماق، يخاطب حواسه ومشاعره ويستنفد غضبه وصبره واستسلامه ورفضه، لكنه أبداً لا يصل به إلى مرحلة (التطهير). وهي حالة مرتبطة عادة بالتراجيديا اليونيانية حين كان المشاهد يرى المأساة على المسرح أمامه ويعيش معها، ثم يشعر بالارتياح لأنه ليس جزءاً منها أو ضحية لها. لكن الشاعر هنا يسعى جاهداً كي لا يدفع قارئ هذه التراجيديا الشعرية لأن يشعر بالارتياح، حين يجعل من نفسه ومن القارئ شريكاً في المأساة، معنياً بها، مسؤولا ًعلى الإحساس بها بعد أن ترك لنا كل تلك الصور في عهدة الضمير والوجدان.. هذا الضمير الذي يرثيه حينا، ويهجو انعدامه أحياناً وخصوصاً حين يتحدث عن الشعراء القتلة:

الشعراء القتلة 

الذين باركوا المذبحة 

وبخّروها كما يفعل المشعوذون

لقد سجّلنَا أسماءَهم على قصاصة 

وحفظناها في زجاجة

فارغةٍ تركوها 

بعد حفلتهم الماجنة

 

صرامة الموقف والرؤية

باختصار يعبر ماهر شرف الدين في ديوان عن صرامة موقفه الوطني والأخلاقي من الثورة، ولكن هذا بالطبع لا يكفي لتكتب شعراً بهذا المستوى الرفيع ما لم تمتلك الموهبة والرؤية الشعرية، أي تلك القدرة الفذة على تحويل التفصيل الحياتي العادي إلى قصيدة استثنائية نابضة بالروح الحية، تحاول أن توقظ قارئها من بلادته تجاه ما يحدث.. رغم حالة اليأس المعلنة التي يجلد فيها الشاعر ذاته وشعره وشعراء هذه البلاد المنكوبة.

google news icon تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة