راديو أورينت قدمها في مسلسل إذاعي:(رسالة حب) والاحتفاء بأدب علاء الدين كوكش

أورينت نت – صخر بعث | 2021-12-15 08:00 بتوقيت دمشق

تصميم راديو أورينت
تصميم راديو أورينت
"الرجال مخلوقات أرضية، أمّا النساء فمخلوقات سماوية، والسماء تضمّ الملائكة والشياطين، وذا هو حال النساء.. مخلوقات سماوية معجونة بالملائكية والشيطنة، نوع يحرّك الملائكة في الرجال، ونوع يحرّك الشياطين، وثمّة نوع يحرّك الاثنين معاً.. هو أنتِ!". صاحب هذه المقولة الغنيّة فنّاً وجنوناً الموغلة خيالاً وفلسفةً، ليس "أرسطو" أو "أفلاطون" ولا "زرادشت" أو "كونفوشيوس"، ولا " ابن رشد" أو "ابن سينا"، بل "علاء الدين كوكش"، المخرج السوري المعروف، والذي لم أكن أعرف عنه أكثر من ذلك، مخرج سوري مُعتبر ومهمّ، كنت أشاهد اسمه في مسلسلات "التلفزيون" السوري.

أسعد الوراق والمبدع الاستثنائي


 لديّ معلومة واحدة مُفصّلة وهي أنّه أخرج مسلسل "أسعد الورّاق" سنة 1975 (عن رواية الله والفقر لصدقي إسماعيل الصحافي العجيب صاحب "جريدة الكلب"، الجريدة التي كان يخطّها بيده)، أي بعد عام من مولدي، لكنّه عُرِض مراراً وتكراراً على التلفزيون السوري بالأبيض والأسود وقتها، فشاهدته في طفولتي كثيراً، وما زال الكثير من السوريين يتذكّرون مُنى واصف بدور "منيرة" وهاني الروماني بدور "أسعد"، وكذلك أذكر مسلسل "أبو كامل" (الذي جسّد دوره أسعد فضّة) كأحد المسلسلات التي تحكي عن "البيئة الدمشقية"، وقد يكون سبب تذكّر هذين العملين بالذات اشتراك بعض الممثّلين فيهما معاً رغم مرور نحو خمسة عشر عاماً بين العملين، "هاني الروماني"، "عدنان بركات" و"يوسف حنّا" الذين توفّوا جميعاً، مع "ملك سكّر" التي توفّيت أيضاً وباكراً في الخامسة والأربعين من عمرها، مَلَك التي كانت زوجة "علاء الدين كوكش" المبدع الاستثنائي الذي وافته المنيّة أواخر العام المنصرم 2020 عن عمر ناهز الثامنة والسبعين، ومن الصادم وفاته في دار للمسنّين في دمشق، كان قد قطن فيها قبل ذلك بخمسة أعوام. 



كاتب حقيقي جريء ومتوازن


كان "راديو أورينت" سبباً لإعادة التعرّف على "علاء الدين كوكش" بل واكتشافه ككاتب مهمّ مُعتَبر أيضاً وليس كمخرج ماهر مُتقن فحسب، فأنا لم أكن أعرف عنه سوى مسألتي الإخراج التلفزيوني والإخراج المسرحي (وذا بسبب إخراجه لبعض مسرحيات المبدع الراحل سعد الله ونّوس)، فتبيّن لي أنّ "علاء الدين كوكش" كاتب حقيقي جريء متوازن دقيق، ذو حسّ لطيف وفطنة حاضرة وخيال أخّاذ، وهو ذا ما دفعني للبحث أكثر حتّى استعملت بكلّ رضا هذا التعبير "المبدع الاستثنائي"، ولمن قد يتساءل: كيف؟، أقول:  
أذاع "راديو أورينت" منذ أيّام عملاً مسرحياً لطيف البذل خفيف الظلّ عميق الأثر لافتاً للنظر عنوانه "رسالة حبّ"، من تأليف "علاء الدين كوكش"، في ثلاث حلقات قصيرات في مدّة لم تتجاوز بالإجمال نصف ساعة، عمل قصير بسيط ومُركّز بأبعاد إنسانية وأخلاقية وعاطفية واجتماعية وسياسية بالغة المدى والتأثير، وإن أصغيتَ إليه (أي هذا العمل المسرحي المُذاع) بإحساس ورِقّة فقد تتذكّر مسلسلات طفولتك "سندباد" أو "ريمي" أو "حكايات عالمية" وأنت تسمع صوت "سمر كوكش" (ابنة علاء الدين كوكش الحرّة المُحترمة)، صوت ظريف لطيف وطفولي أيضاً وفي منتهى الصفاء، وإن استمعتَ بانتباه ودقّة ستقول ما هذا التنقّل العجيب بين الفُصحى والعامّية وكأنّهما سياق واحد متسلسل متواصل لا تصنّع فيه ولا إسهاب، وإذا ركّزت أفكارك وتأمّلت الحركة والحدث والصيرورة فستسأل نفسك: تُرى هل كان المبدع المرحوم "علاء الدين كوكش" صاحب هذه المسرحية اللطيفة العميقة التي لا يمثّل فيها بل بالأحرى.. لا يتكلّم فيها سوى امرأة ورجل، قد فكّر حين خطرت بباله هذه الفكرة المُدهشة بل الأفكار الغريبة العجيبة.. بآدم وحوّاء؟، أم بالعمالة السورية المُتعَبَة في لُبنان؟، أم تُراه تذكّر اللبنانية "جورجينا رزق" التي كانت ملكة جمال العالم في أوائل سبعينات القرن الماضي؟، أم هو هَمّ المخابرات السورية عموماً أو سُمّها في "لُبنان" خصوصاً؟، أم غَمّ العلاقة المتأذّية بين بلدين واحدَين "سوريا" و"لبنان"؟. 

أيضاً.. وذا هو بيت القصيد الذي انتهى به أو إليه النصّ: تُرى هل يأتي الحبّ بإكراه الظروف أم الظروف تأتي بالحبّ؟، أو مثلاً: هل أحبّت "لمياء" "فادي" لأنّه لم يكن هناك أحد سواه على الجزيرة؟ أم أحبّته لأنّها أحبّته فعلاً؟، أم ربّما لأنّه يحبّها حبّاً جمّاً فأحبّته!. 

نصّ خطير أعتقد، فيه إنسانية وفلسفة وسياسة موجّهة صريحة واضحة وبسيطة، وذا يعني تركيزاً شديداً ومباشراً، وبالفعل كما عنوَنَ المرحوم "علاء الدين كوكش" النصّ بـ "رسالة حبّ"، ورسائل الحبّ في الحقيقة ليست مجرّد عواطف ومشاعر ورومانسية، بل إنّ في الحبّ الطبيعي العادي تذمّراً وغيرةً وقلقاً، وذا كان هدفاً مباشراً للكاتب -أعتقد- سعى لتوظيفه كي نقرأ ما بين السطور أشياء مثل: ظروف، حاجة، فضول، اهتمام، محبّة، تعلّق، ووفاء. 

المهمّ.. إنّ التعرّف على هذا النصّ قد تمّ بالاستماع المؤثّر، فلم يحدث عبر المشاهدة أو القراءة، بل عبر الأثير، ولقد كان ذا أثير "راديو أورينت"، وأنتج الاستماع وحده مُنتهى الأثر، حتّى إنّني استطعت ببساطة تخيّل الجزيرة وسعادة فادي حين وجد نفسه وحلمه وحيدين معاً، وأجواء الحوارات وتمثيل التنقّل إلى شخصيتين أخريين لبثّ اللواعج والإفصاح عن مكنونات الذات أو تخوّفها لكنّما بلسان آخر لا بقلب مختلف، فيا لظرافتها، بل والنظرات والسكنات واللمسات، كذلك وصناديق المعلّبات وصناديق مائدة الطعام، حتّى والمسدّس الذي أمسكته بيدها لمياء حين كان فادي يحملها، وقبلها حين قالت له إنّي جائعة، وحتّى قالت له: نعااام!. 

هل يعود عصر الراديو المحفِّز للخيال؟


قبل أن أختم وأترحّم مُجدّداً على روح فقيد الدراما والأدب السوريين "علاء الدين كوكش"، يُذكر أنّ الكثير من السوريين في خمسينات القرن الماضي تعلّقوا بـ "كتاب الجيب"، وهو كتاب مطبوع صغير الحجم متنوّع المواضيع، كانت الناس تحمله عند السفر وفي الحدائق والمقاهي وحيثما أُتيح لهم، نظراً لصغر حجمه وخفّة وزنه، ورويداً رويداً اختفت هذه الظاهرة تحت وطأة التطوّر الإعلامي وتغيّر الظروف الاجتماعية والسياسية والنفسية أيضاً، وانتشار التلفزيونات الذي أثّر ليس على القراءة فحسب، بل على الاستماع، بالأحرى على "ملَكة الاستماع"، فلقد حوّل التلفزيون الناس غالباً إلى مشاهدين سطحيين يتلقّون المادّة أو المنتَج كما هي بعيداً عن التحليل أو الاستنتاج أو "موهبة التخيّل"، ويبدو الآن أنّ "عصر الراديو" أو "الصوتيات المسجّلة" قد يعود، خاصّةً مع كل هذا الاكتظاظ الذي نعيشه في حياتنا وضيق الوقت، وما أجمل أن نعود لاستعراض الأعمال الأدبية السورية وغيرها خلال السفر أو عند التنظيف أو المشي أو قبل النوم أو مع فنجان قهوة في الصباح، وفي كلّ فرصة ممكنة. 

جميل ما قدّمته "أورينت" عبر إذاعتها حول "رسالة حبّ"، وأرجو أن يستمرّ هذا البذل اللطيف المؤثّر، بتقديم المزيد من الأعمال الأدبية للسوريين بالصوت والأداء والنصّ الجذّاب المحفّز للخيال. 
ولقد قيل: الخيال سِمَة الإنسان المُنتِج، وأُضيف: وإحساسه بالطبع. 

التعليقات