مخيم الركبان... قرار إعدام بالموت البطيء وسط الصحراء!

العميد الركن أحمد رحال | 2021-12-15 07:05 بتوقيت دمشق

مخيم الركبان... قرار إعدام بالموت البطيء وسط الصحراء!
رسالة بسيطة وصلتني، ومنها انفجرت مأساة إنسانية يعيشها قرابة عشرة آلاف من الثوار السوريين الذي رفضوا نظام الأسد، وهجَروا بيوتهم وفقدوا أرزاقهم حفاظاً على أرواحهم وحريتهم وكرامتهم. ثوار رفضوا كل العروض والإغراءات للعودة لمناطق النظام، لكنهم دفعوا ثمن مواقفهم غالياً، فوق قدرات البشر على التحمل.

عشرة آلاف مواطن سوري يعيشون في صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا شجر, صحراء مترامية الأطراف منذ منتصف عام 2015, حيث أنشئ مخيم الركبان على الحدود السورية العراقية الأردنية ضمن مساحة نصف قطرها 55كم2 داخل الأراضي السورية، وهذه المنطقة تحوي عدة مخيمات وتجمعات سكانية منها تجمع زرقا، تجمع خويمات، تجمع الحقل، ويعيش فيها البدو، لكن أشهرها هو مخيم الركبان.

في مخيم الركبان لا توجد أية خدمات أو بنية تحتية، ولا حتى مياه لكل تلك التجمعات، ولا توجد أي مزروعات أو منشآت صناعية، يعيش فيها 1800 عائلة يصل تعداد أفرادها لحوالي عشرة آلاف نازح ضمن واقع خدمي معدوم وظروف جوية قاسية، ومعظم سكان مخيم الركبان (حوالي 1000 عائلة) يعيشون تحت خط الفقر بدرجات، وبمعدل وسطي يبلغ دخل العائلة (وليس الفرد ) التي لها مصدر رزق أو مهنة عمل في السوق التجاري بالمخيم بحدود 30 - 40 دولاراً بالشهر, رغم أن فصيل المغاوير يحاول وبمبادرة ذاتية منه تقديم ما يستطيع لتخفيف الوضع عن العائلات المحتاجة، ويقدم شهرياً بحدود 2500 إلى 3000 دولار، إضافة لقيامه بإنشاء نقطة طبية بسيطة داخل المخيم (مستوصف شام) تعمل على مدار الـ24 ساعة يومياً, لكن يغيب عنها وجود طبيب أو تصوير أشعة أو تشخيص مرض أو غرفة عمليات ...الخ، لأنها تُدار من قبل ممرّضين فقط. وهناك أيضاً عيادة نسائية خاصة (تديرها ممرضات فقط دون طبيبة)، فقط العائلات التي لديها أبناء ينتمون لفصيل مغاوير الثورة هؤلاء يتقاضون رواتب جيدة ومقبولة من التحالف الدولي، تؤمّن لهم العيش العادي دون حاجة.

إضافة لفصيل مغاوير الثورة الأكبر تعداداً وقوة والمعتمَد من قِبل التحالف الدولي، هناك أكثر من فصيل (وكلهم يتبعون للجيش السوري الحر) ينتشر جميعهم في منطقة الـ55. ترتبط تلك الفصائل فيما بينها بعلاقة احترام وتعاون متبادلة. الجميع يتشاركون في هدف إسقاط النظام، والجميع يعمل بأجندة وطنية ثورية، لا توجد أي خلافات أو مشاكل تفرق بينهم، ولا توجد أي نزاعات، ولم تشهد المنطقة أي خلاف بين تلك الفصائل كما يحصل في مناطق الشمال الغربي حيث توجد فصائل الجيش الوطني، وفصائل التنف يقودها نظرياً ويوجّهها جميعاً فصيل مغاوير الثورة.

أيضاً العلاقة التي تجمع فصيل مغاوير الثورة وبقية الفصائل مع المدنيين هي علاقة ود واحترام متبادل وهناك احتضان كامل من قبل المدنيين لتلك الفصائل وتجمعهم علاقة طيبة.

لا توجد علاقة مباشرة بين المدنيين في المخيمات وبين التحالف الدولي، الذي تتمركز قواته في قاعدة التنف التي تبعد عن مخيم الركبان حوالي 25كم، لأن فصيل مغاوير الثورة يلعب دور صلة الوصل والتواصل بين سكان المخيم والتحالف الدولي، حيث يتم نقل مطالب المخيم إلى المقدّم "مهند الطلّاع" قائد فصيل مغاوير الثورة من خلال اجتماعاته الدورية التي يعقدها عبر مكتب الشؤون المدنية بالفصيل مع سكان المخيم، ويستلم من سكان المخيم طلباتهم وينقلها بدوره بأمانة للتحالف الدولي، ويقول الأهالي الذين تواصلنا معهم إن مكتب الشؤون المدنية لا يكتفي فقط باستلام الطلبات والاحتياجات ونقلها، بل يُلحّ ويُصرّ ويتابع مع قائد الفصيل للضغط على التحالف الدولي للاستجابة لمطالب الأهالي.

الأهالي يعتبرون التحالف الدولي سلطات أمر واقع، وتربطهم معاً علاقة احترام وود متبادل، ويلتزم الأهالي بكل التعليمات والقرارات التي يصدرها التحالف الدولي بما يخص المخيم والمدنيين والتحركات، ولم تشهد المنطقة أي خلاف أو تجاوز أو إحراج للتحالف الدولي من قبل المدنيين نتيجة تطبيقهم الصارم للتعليمات.

لكن وجهاء مخيم الركبان لديهم وجهة نظر تقول:




صحيح أننا مهجَّرون ونعيش بالخيام لكن وجودنا على أرض سورية حاضنة وداعمة للتحالف الدولي، يعني أننا نمنح التحالف الدولي نوعاً من الشرعية، وتلك الشرعية تُلزم التحالف بمهامّ ومسؤوليات تجاه الأهالي، بما يخص الغذاء والدواء والتعليم والبنية التحتية والحياة الآمنة وتأمين فرص العمل من خلال ضرورة إقامة مشاريع صغيرة تساعد سكان المخيمات على العيش الكريم، وطالما أن مهمة التحالف هي واحدة في شرق الفرات ومنطقة التنف وتتمثل في محاربة الإرهاب، لماذا لا تُدعَم مناطقنا كما يَدعمُ التحالف الدولي مناطق شرق الفرات؟، ولماذا لا يقدم لنا الدعم اللوجيستي بما يتناسب مع تعداد سكان المخيم بالمنطقة؟؟. وسكان مخيم الركبان لديهم قناعة أن التحالف الدولي يَكيل بمكيالين من حيث طريقةُ تعامله مع مناطق تتشارك بتنفيذ نفس المهمة (المقصود مناطق شرق الفرات), لكنها تختلف بالخدمات والدعم المقدّم لها.

لا يشكك أحد أن التحالف الدولي أمّن استقراراً كاملاً للمنطقة وجعلها آمنة من أي هجمات خطرة من قبل تنظيم داعش أو ميليشيات الأسد وإيران وروسيا، لكن حتى تلك المهمة هي ضرورية لعناصر التحالف، بمعنى أن مهمة تأمين الاستقرار والأمان هي مهمة مشتركة للتحالف وللمدنيين.

الوضع الصحي بمخيم الركبان:


إضافة لمستوصف الشام الذي يدار من قبل ممرّضين فقط، وبخبرات محدودة، ويتبع لفصيل مغاوير الثورة، المخيم أصبح بوضع صحي كارثي نتيجة عدم وجود أطباء، وعدم وجود اختصاصيين، ولا توجد غرفة عمليات أو غرفة للتوليد، ورغم وجود من 30 - 40 حالة ولادة شهرياً، لا توجد غرفة عمليات قيصرية إذا دعت الضرورة لها أثناء الولادات. كل الأمراض المزمنة وأمراض الشيخوخة تبقى دون علاج، وخاصة أمراض الضغط والقلب، لا توجد أجهزة تصوير بالأشعة، ولا يوجد مَخبر.

كانت هناك نقطة طبية أردنية تستقبل بعض الحالات وتقدّم اللقاحات للأطفال، لكن بعد أن أغلقها الأردن منذ عامين لم يتلقّ الأطفال أي لقاح، وهذا الأمر ستكون له نتائج صحية وخيمة على أطفال المخيم مستقبلاً.

هناك مركز طبي تابع للتحالف الدولي لكنه يستقبل فقط المقاتلين وعائلات المقاتلين السوريين في عياداته ويمتنع عن معالجة البقية، وفي بعض الأحيان ونتيجة الضغوط يقوم باستقبال بعض الحالات الطارئة، لكنها تبقى محدودة ولا تفي بالغرض المطلوب، رغم تلقّي وعود  كثيرة من التحالف الدولي بحل تلك المشكلة، لكنها لا تزال مستعصية على الحل حتى الآن، وبالتالي يطالب الأهالي بمشفى ميداني على الأقل، تتوفر فيه العيادات الضرورية والأجهزة الطبية الضرورية، مع أطباء واختصاصيين، ويتم تجهيزه إما عبر التحالف الدولي أو عبر المنظمات الدولية كمنظمة أطباء بلا حدود مثلاً. 

الواقع التعليمي بمخيم الركبان:


هنا تأتي الكارثة الكبرى, لدينا حوالي 1200 طالب بسن التعليم الأساسي، لا توجد مدارس تضمهم، بل هناك خيم مخصصة للتدريس أو غرف طينية صغيرة تم إنشاؤها بحهود محلية، لا يوجد لدينا كادر تدريسي مختص نهائياً. المدارس حالتها تعيسة وسيّئة جداً وتدار من قبل بعض حملة شهادة البكالوريا، وأحياناً ممن يحملون شهادة معهد متوسط، نتيجة غياب أصحاب الشهادات الجامعية ومدرّسي الصف الخاص. لا توجد مناهج تدريس للطلاب، ولا توجد قرطاسية، ولا توجد إنارة ولا سبّورات، حتى وصلنا لحال يقول إن لدينا أطفالاً أعمارهم الآن بين 6 و 14 عاماً لا يعرفون القراءة ولا الكتابة!.

الواقع الخدمي في مخيم الركبان:


أماكن سكن العائلات تتوزّع بين خيم عادية وبين بيوت طينية صغيرة. لا يوجد خطوط صرف صحي بل تنتشر الفضلات ومياه الصرف الصحي عبر الطرق مباشرة داخل المخيم، وهذا ما يزيد من انتشار الأمراض والأوبئة. لا توجد كهرباء. لا توجد حاويات للقمامة ولا سيارات لجمع القمامة. لا توجد مياه للاستخدام أو للشرب، وسعر برميل الماء يتراوح بين 60 - 70 سنتاً أمريكياً لا تتحمله عائلة تملك دخلاً شهرياً بين 30- 40 دولاراً شهرياً، فماذا عمّن لا يملك أي دخل؟؟ 

الواقع المعيشي والإغاثي في مخيم الركبان


في مخيم الركبان (كما ذكرنا سابقاً) تعيش حوالي 1800 عائلة تعداد أفرادها يصل لعشرة آلاف نسمة، منهم 500 عائلة لديهم أبناء ينتمون لفصائل الجيش الحر ويتقاضون رواتب يقدمونها لعائلاتهم، وهناك حوالي 300 عائلة لديها مشاريع صغيرة ويعملون بمهن في سوق المخيم أيضاً تدرّ عليهم بعض الأرباح. يتبقّى لدينا بحدود ألف عائلة الكثير منها من الأرامل ولديهم يتامى لا مورد لهن ولا معين، إلا قلة من العائلات لديهم مساعدات شخصية بسيطة لا تسدّ كل الاحتياجات تأتي عبر تحويلات مادية من أقارب لهم بالخارج، وللتغلب على مأساة العائلات الفقيرة هناك نوع من التكافل الاجتماعي بين سكان المخيم بحيث يقدّم من لديه زيادة قليلة من المال من أصحاب المشاريع والمهن، ومن لديه راتب من التحالف الدولي، لمن هم بلا دخل وبحاجة المساعدة، لكنها لا تكفي ويجب أن تكون لتلك العائلات مساعدات إغاثية ثابتة ودائمة تسد رمق عيشهم.

يقول أحد الوجهاء بالمخيم:


منذ ثلاثة أيام قمت بزيارة إحدى العائلات الفقيرة فوجدتهم قد جمعوا القمامة وبعض أكياس النايلون وفيها حتى (حفوضات الأطفال) ليُحرقوها من أجل التدفئة والطبخ عليها، وهذا الأمر خطير جداً، لأن الاحتراق الناقص سيتسبب حتماً ونتيجة للغازات المنبعثة بأمراض وضرر بالصحة العامة ومشاكل في المجاري التنفسية للعائلة وللمخيم، خصوصاً في ظل عدم وجود أدوية وكادر طبي بالمخيم.

الوضع الأمني بمخيم الركبان:


المنطقة آمنة نتيجة وجود قوات التحالف إضافة لعمل نقاط الحراسة والدوريات التي تنفذها فصائل الجيش الحر بكامل منطقة الـ55، ولا توجد أية مخاطر تُخِلّ بحالة الاستقرار لسكان المخيم. لا توجد سلطات أمنية ولا جسم قضائي ولا مخافر، والرادع الأخلاقي من يتحكّم بتسيير أمور المخيم، فكل سكان المخيم يعرفون مسؤولياتهم وواجباتهم ويلتزمون بها، والعدالة تسود على الجميع لأنهم يدركون أنهم شركاء ومصيرهم واحد ومحنتهم واحدة، وبالتالي يتشاركون بما يستطيعون لتخفيف الوضع المأساوي على الجميع.

الظروف الجوية بمخيم الركبان:


الطقس بمنطقة الـ55 (التنف) هو طقس صحراوي. هناك فروق حرارية واسعة بين النهار والليل، وهذا الظرف يتسبب بكثير من الأمراض بين سكان مخيم الركبان ولا قدرة للأطفال على تحمله.

ووفق ما تم ذكره يطالِب المهجّرون في مخيم الركبان المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه شريحة اجتماعية تُركت لمصيرها المجهول في صحراء قاتلة، وأصبحوا مَنفيين في ذاكرة الزمن، ويطالبون أيضاً منظمات الأمم المتحدة ووفقاً لصلاحياتها بالتدخل بما تستطيع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لهؤلاء البشر الذين جُلّ ذنبهم أنهم رفضوا الذل وطالبوا بالحرية. فهل عجزت تلك المنظمات وهل عجزت كل الأمم المتحدة؟؟ تركيا تقدم وتساعد خمسة ملايين إنسان على حدودها، بينما عشرة آلاف مواطن عجز العالم عن إنقاذهم؟؟

هي صرخة نوجهها لكل أصحاب الضمير من رجال الأعمال السوريين بتنظيم مؤتمر صغير لدعم أهلهم في مخيم الركبان وهم القادرون على ذلك.

هي صرخة لكل السوريين المهجرين والمنتشرين بأصقاع الأرض أن تساندوا أهلكم في مخيم الركبان وهم في ظروف قاسية. أنقذوهم بحملة تبرعات ولو بدولار واحد تنقذ طفلاً أو مريضاً تقطعت به الأسباب في صحراء مجهولة المصير.

يبقى الجرح الذي لا يبرأ وقد تسبب به أبناء جلدتنا، ومن يُفترض أنهم حماة الحمى والمدافعون عن الحقوق وعن أهل الثورة، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والحكومة المؤقتة، هؤلاء الذين نسوا أو تناسوا أن هناك سوريين يُحسَبون على الثوار، وأن هناك شريحة رفضت كل الإغراءات الروسية وكل العروض الأسدية حفاظاً على مبادئ الثورة، فكافأها الائتلاف وحكومته بقرار الإعدام البطيء عبر "التطنيش" والإهمال.

التعليقات