بحجة مشروع وهمي.. نظام أسد يستولي على مئات المنازل في دمشق (صور)

أورينت نت - أحمد العلي 2021-12-10 06:00:00

مشروع ماروتا سيتي

لم يسلم أحد من أذى نظام أسد وميليشياته التي عاثت في البلاد وأهلها خراباً وتشريداً، فبعد انتظار دام أكثر من خمس سنوات لم يعد يحتمل "أبو أحمد" تأمين مصاريف عائلته بمفرده، ما اضطره للدفع بابنه أحمد ذي الـ17 عاماً لترك المدرسة والتوجه إلى سوق العمل، من أجل مساعدته في تأمين مصاريف العائلة القاطنة في منزل استأجرته قبل عدة سنوات في منطقة معضمية الشام بريف العاصمة، عقب إخلاء منزلهم الأصلي في منطقة بساتين المزة وسط دمشق.

وفي تصريح له قال أبو أحمد لـ "أورينت نت": "قبل 5 سنوات مضت أبلغته لجنة تابعة لمؤسسة الإسكان بإخلاء منزله في منطقة بساتين المزة بحجة إنشاء مشاريع تنظيمية تحت مسمى مشاريع (ماروتا سيتي)، كون المنطقة تشكّل منظراً غير لائق لمدينة دمشق، وهي عبارة عن منازل عشوائية تقع وسط العاصمة.

وأضاف "أبو أحمد" أنه خرج من منزله محمَّلاً بأثاثه الذي يعده (شقاء العمر) كما حمل الكثير من الوعود بتعويضات كبيرة من شقة سكنية في المشروع إضافة لتعويض مالي كبدل عن الإيجار، لكن بعد مضي ثلاثة أعوام على خروجه تمكن بعد عدة شكاوى من الحصول على مبلغ 500 ألف ليرة سورية بشكل سنوي كتعويض للإيجار. 

وهو مبلغ ضئيل جداً مقارنة مع المبالغ الكبيرة التي يدفعها على إيجار منزله شهرياً، ما اضطره لبيع سيارته ومعظم المصاغ الذهبي لدى زوجته من أجل أن يتمكن من العيش في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، فالمبلغ الذي تمنحه إياه حكومة النظام لا يكفي إيجار منزله الحالي سوى لمدة شهرين ونصف فقط.

وهذا حال المئات ممن استولى نظام أسد على بيوتهم بحجة مشروع "ماروتا سيتي" الذي هدمو من أجل معظم بيوت المنطقة في مزة بساتين خلف مشفى الرازي.

لا أمل بعد اليوم

وخلال حديثه أيضاً لـ"أورينت نت" بدا حجم المعاناة التي يعيشها الابن (أحمد) بعد تخلّيه عن مدرسته ورفاقه متجهاً إلى سوق العمل، ليساعد عائلته ويكون سنداً لوالده، وذلك عن طريق العمل في ورشة للخياطة في معضمية الشام لمدة 12 ساعة يومياً مقابل أجرٍ أسبوعي قد يصل في أفضل الأحوال إلى 30 ألف ليرة سورية.

ويشير الفتى اليافع إلى أنه ترك دراسته بعد أن وصل لنهاية المرحلة الثانوية وشارف على الدخول للجامعة، وذلك من أجل العمل ومساعدة والديه بمصاريف المنزل، وخاصة أن عائلته كبيرة تتألف من ستة أشخاص وتحتاج لمصاريف كثيرة.

وبحسب أحمد فإنه تخلى عن دراسته مؤقتاً حتى تنتهي الشركات المتعهدة لمشروع (ماروتا سيتي)، ثم سيعود لدراسته ويكمل طريقه إلى الجامعة، لكن لا أمل لديه في العامين أو الثلاثة القادمة بالعودة إلى بيته في المشروع، مؤكداً أنه يشعر مع عائلته ومعظم العوائل المهجرة من المنطقة بأن متعهدي المشروع سيستخدمون سطوتهم نتيجة ارتباطهم بالأفرع الأمنية لنظام أسد ويتهربون من منحهم حقهم في المشروع الجديد.

مشروع على أنقاض بيوت المساكين

وأعلن رأس النظام "بشار الأسد" عام 2012 عن مشروع (ماروتا سيتي) في منطقة بساتين المزة والمنطقة الواقعة خلف مشفى الرازي، كما أعلن مجلس محافظة دمشق البدء بالمشروع عام 2015 من خلال شركة دمشق الشام القابضة التي أسسها المجلس للإشراف على المشروع، بعد تهجير أهالي المنطقة بهدف بناء مجمعات سكنية فاخرة على أنقاض مباني السكان المحليين.

وبدأ التنفيذ الفعلي لمشروع "ماروتا سيتي" عام 2016 من قبل شركة “دمشق الشام القابضة” والتي عملت بدورها على استقطاب الشركات للاستثمار في المشروع فكان على رأسهم وقتها "رامي مخلوف" ابن خال الأسد من خلال شركة روافد الشام، برأسمال بلغ 25.9 مليار ليرة سورية، لتنفيذ واستثمار مقسمين سكنيين في المشروع يتضمنان 15 طابقاً في كل منها. 

كما شارك في المشروع رجل الأعمال المعروف "سامر الفوز" مدير شركة أمان القابضة، ورجل الأعمال المقرب من نظام أسد "حسام قاطرجي" مدير شركة "مجموعة القاطرجي" وغيرهم العديد من المستثمرين أمثال (بشار عاصي وخلدون الزعبي وخالد الزبيدي).

وبعد مضي نحو سبع سنوات على بدء المشروع، لم يعد لدى الكثير من الأهالي المشردين من مناطق بناء المشروع أمل بالحصول على منزل في المشروع أو لم يتمكنوا من دفع أقساط هذه المنازل، ما اضطرهم لبيع وثائق حقوقهم في المشروع بمبالغ زهيدة عبارة عما يسمى "إنذارات" حصلوا عليها من مجلس محافظة دمشق عند إخلاء منازلهم. 

شكوى وهموم

وللوقوف أكثر على مجريات الأحداث التقت "أورينت نت" مع "ماهر سعيد" مهجر من أطراف المزة عام 2015، حيث قال: إن الكثير من الأهالي المستحقين باعوا أو يبيعون إنذاراتهم وذلك لعدم قدرتهم على تأمين الدفعة الأولى والأقساط المترتبة عليهم للحصول على شقة فيما يسمى السكن البديل ضمن المشروع.

وبين "سعيد" وهو والد لطفلين، أنه يقطن حالياً في منزل مستأجر في منطقة جديدة عرطوز ويدفع مبلغ 230 ألف ليرة سورية شهرياً، مضيفا أنه في عام 2019 رأى أن الأمر بعيد جداً ومن الصعب الحصول على شقة في مشروع (ماروتا سيتي) بناءً على أوراق الملكية التي بحوزته والمصدقة أصولاً من المحكمة، لذا قرر بيع الإنذار الذي كان حصة بـ 40 متراً مربعاً بمبلغ 22 مليون ليرة سورية لأحد السماسرة، ولأنه لم يتمكن من تأمين الدفعة الأولى والتي تبلغ 4 ملايين ليرة سورية. 

ولفت إلى أن معظم المستحقين باعوا "إنذاراتهم" بعد قطع مرحلة من الانتظار والأمل، ومنذ بدء المشروع لم يتم تجهيز سوى ثلاثة أبنية برجية فيما المشروع ما زال قيد البناء منذ سنوات، وعلى ما يبدو فالعقوبات الغربية على الشركات المتعهدة للمشروع أثرت بشكل كبير، إضافة إلى عمليات السرقة والنهب التي يقوم بها المتعهدون لمواد البناء، ولا يعتقد الأهالي أن المشروع سينتهي يوماً وفق الخُطا البطيئة جداً التي يعمل بها نظام أسد والشركات المتعهدة للمشروع.

عقوبات وتأخير

وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض في كانون الأول عام 2019 حزمة عقوبات على 11 رجل أعمال سوريّاً، و5 كيانات تجارية مقربة من نظام أسد معظمهم على صلة بمشروع (ماروتا سيتي)، وجاءت العقوبات بسبب مساهمة رجال الأعمال في المشروع الذي يُبنى على أنقاض منازل العديد من المهجرين قسراً أو المبعَدين عن بيوتهم دون تعويض عادل. 

كما تأتي العقوبات بسبب مساهمة رجال الأعمال هؤلاء وتلك الكيانات بتطبيق المرسوم رقم 10 للعام 2018 القاضي بحق الوحدات الإدارية بإعلان مناطق تنظيمية جديدة، الذي يقوم فعلياً على مصادرة أملاك الأهالي وتهجيرهم لإقامة مشاريع فاخرة يعود ريعها لنظام أسد والمقربين منه.

رأي قانوني

وأكد المحامي "عبد العزيز درويش" أمين فرع نقابة المحامين الأحرار في حلب لموقع "أورينت نت" أنه لا يوجد قانون في سوريا يتيح للسلطة الاستيلاء على الممتلكات الفردية للناس دون تعويض مناسب، موضحاً أن القانون رقم 20 هو ما كان معمولاً به قبل الثورة، ويسمح للجهات العامة باستملاك العقارات لتنفيذ مشاريع عامة معينة أو لدخولها في مخطط تنظيمي، كما يفرض على الجهة المستملكة دفع تعويض عادل للمالكين، لكن تم تعديله خلال سنوات الثورة بشكل يتيح للنظام الاستيلاء على الأملاك الخاصة.

وأشار درويش إلى أن القانون رقم 66 أحدث منطقتين تنظيميتين في دمشق والمرسوم رقم 10 الذي صدر خلال الثورة أتاح للوحدات الإدارية التابعة للنظام إعلان مناطق تنظيمية جديدة، بات من حق هذه الوحدات مصادرة الأملاك الخاصة وإقامة مشاريع عليها، وتم بالفعل مصادرة العديد من العقارات الخاصة لمواطنين نازحين أو مهجرين، ما أثار ضجة دولية وتسبب بضغط على النظام الذي اضطُر لتأجيل العمل بهذا القانون.

وأوضح أنه بعد البدء بمشروع (ماروتا سيتي) ومطالبة الناس بحقهم مُنحوا "إنذارات" ضمن هذا المشروع لكن بعد أن تركوا منازلهم بسببه، كما إن طول أمد التنفيذ والضغط المادي وحالة الفقر دفعت بالكثير من أصحاب الإنذارات لبيعها بمبالغ زهيدة قد تصل في بعض الأحيان إلى نصف القيمة أو ربعها.

وبالنسبة لمن اضطُروا للتخلي عن حقوقهم فأكد "درويش" أنه يمكنهم المطالبة بها بعد رحيل نظام أسد وذلك بعد إثبات ملكيتهم لتلك الأملاك، وأنه تم إجبارهم على التخلي عنها، وقانونياً لا يُعتد بالتصرفات الناتجة عن الإجبار المادي أو المعنوي الذي يقع تحته الإنسان لأنه يكون فاقد الإرادة.

التعليقات

كلمات مفتاحية


مقالات ذات صلة